الاثنين 24 فبراير 2020 12:51 م

لا يمكن لوم من هم خارج سوريا إذا شعروا بالملل من الصراع السوري، فبعد كل شيء، استمر العنف منذ ما يقرب من عقد من الزمان، وجاءت أسوأ فصوله، بالنسبة للقوى الخارجية على الأقل، حين استولى تنظيم "الدولة الإسلامية" على نصف البلاد تقريبا، بالإضافة إلى ثلث العراق، وأطلق شبكة إرهاب عالمية عام 2014.

 لكن العالم الآن قد هدأت أنفاسه، وانتهى هذا التهديد المزعج.

وهناك قضية اللاجئين أيضا، الذين غمروا أوروبا قبل بضعة أعوام، لكن التدفق قد تم احتواؤه الآن.

كذلك، لم تتحقق تحذيرات الخبراء من تجدد العنف أو التطرف، ويبدو أن عودة سيطرة الدولة هو المسار الثابت للنزاع؛ بالرغم من المشاكل المستمرة.

وتخضع معظم البلاد حاليا لسيطرة النظام أو تركيا أو القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة في شرق سوريا.

وحتى في المنطقة الكردية، قد يعترف الكثيرون بأن الأمر قد يكون مجرد مسألة وقت قبل أن تعيد دمشق السيطرة على هذه المناطق، حتى بدون الكثير من القتال، إذا أنهت الولايات المتحدة وجودها هناك في النهاية.

ومع ذلك، تستحق محاولات تفكيك الوضع في آخر المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة الاهتمام من جديد، ليس فقط لأن الحملة المستمرة، التي يشنها النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون، تسببت في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في الذاكرة الحديثة، فقد نزح ما يصل إلى مليون شخص، ولكن أيضا لأن سقوط إدلب بعد المذبحة الجماعية قد يرسم الأحداث لجيل قادم.

وتعتبر إدلب ذات خصوصية لسببين رئيسيين؛ يتعلق الأول بالدور الذي اكتسبته خلال الصراع السوري، حيث أصبحت ملتقى للمقاتلين الذين رفضوا الاستسلام للنظام في مناطق أخرى من البلاد، ويعيش بها الآن العديد من المعارضين الملتزمين بمواجهة الديكتاتورية في دمشق، وليس مقاتلين فقط.

ويعود السبب الثاني إلى أبعد من ذلك، حيث كانت المناطق المحيطة بإدلب نقطة انطلاق للتمرد ضد والد "بشار الأسد" في السبعينات والثمانينات، وليس من قبيل الصدفة أنها لعبت دورا مماثلا بعد عام 2011.

ولدى إدلب ما يلزم للحفاظ على تمرد سري ضد النظام، من المحتمل أن ينتشر بسرعة إلى مناطق هادئة في أماكن أخرى من البلاد.

وفي الواقع، قد تبدأ إدلب تمردا سريا على مستوى البلاد بطرق لم تشهدها المعارك السابقة، وفي وضع جيد جغرافيا وديموغرافيا، يمكن لإدلب استضافة أكبر عدد من الشباب الذين حملوا السلاح خلال النزاع.

وأيضا، أصبحت القوى الجهادية التي تسيطر على شمال غرب سوريا أكثر ذكاء من تنظيم "الدولة الإسلامية" في التعامل مع المجتمعات التي تعمل فيها، حيث اندمجت مع المجتمعات المحلية، وركزت بالكامل تقريبا على محاربة النظام، بدلا من الاستيلاء على المناطق وتطهيرها من أولئك الذين قد يشكلون تهديدا لهم في المستقبل، كما فعل التنظيم.

ومكن هذا النهج هؤلاء الجهاديين وحلفاءهم من بناء بنية تحتية من النفوذ المحلي يمكن أن تساعدهم في الحفاظ على تمرد طويل الأجل، حيث يتأرجحون بين الحكم والقتال.

ومن المحتمل أن تستغل هذه القوى السبب المشروع للسوريين الذي دفعهم للخروج ضد الديكتاتورية في دمشق للمطالبة بحياة أفضل، ولم تختف المظالم التي دفعت السوريين في جميع أنحاء البلاد إلى الانتفاضة؛ بل ازدادت حدة.

ودمرت آلة القتل والتعذيب التابعة للنظام عددا لا يحصى من الأسر في كل مكان في سوريا، ولا يمكن للدم النازف، كما أظهرت النزاعات السابق في بلاد مثل العراق، أن يجلب السلام الدائم، لذلك، سوف تتمسك القوى الجهادية بلا شك بقضية معاداة "الأسد" لفترة أطول، وسوف تحتوي طاقة أولئك الذين ما زالوا ملتزمين بالقضية.

وكان الهدف الأكثر أهمية الذي حققته روسيا بعد تدخلها العسكري المباشر عام 2015 لإنقاذ النظام هو تهدئة مناطق المعارضة المسلحة من خلال اتفاقات وقف التصعيد التي تم التوصل إليها مع تركيا، التي كانت في السابق أكثر الملتزمين بدعم المعارضة السورية.

وقسمت روسيا المعارضة المسلحة عن طريق تحويل المجهود العسكري إلى منطقة واحدة في وقت واحد، ما مكن النظام من استعادة مناطق المعارضة، لكن الاستراتيجية لم تحل المشاكل الأساسية للصراع، وتبقى إدلب هي المكان الذي تتجمع فيه المجموعات المتشددة.

ويأتي التحول إلى التمرد عادة بعد انتهاء القتال على الأرض، لذلك، بمجرد أن يفقد المتمردون معقلهم الأخير في شمال غرب سوريا، فمن المرجح أن يبدأوا تمردا تحت الأرض، مع التواصل مع الشبكات الحالية الكامنة في شرق ووسط وجنوب سوريا.

وقد برزت مثل هذه الأنماط من قبل، فلم تكد تمر الأعوام حتى تمكن المقاتلون المهزومون في العراق من إعادة تجميع صفوفهم وإعادة بناء قوتهم، ليخرجوا بشكل أكثر تعصبا، تحت راية "الدولة الإسلامية في العراق"، ليتصدروا المشهد ويملأون الفراغ.

ولا يعد التمرد فكرة جديدة على الجهاديين؛ فلطالما ناقش الجهاديون السوريون الاستراتيجية كسيناريو مستقبلي، لكن حتى الآن كان عليهم تحديد أولويات المعركة الحالية.

ولا يستطيع النهج الروسي، المتمثل في إعادة السيطرة على المناطق، حل مشكلة طويلة الأمد للنظام الهش في دمشق، ألا وهي الافتقار إلى القوة البشرية للسيطرة الكاملة على مناطق واسعة وضبطها بشكل مستمر.

وفي كثير من الحالات، لا تزيد حقيقة عودة النظام إلى المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة في السابق، عن رفع العلم السوري على أحد مباني البلدة، وقد يؤدي تحول القتال من الوسائل التقليدية إلى التمرد السري إلى رؤية الكثير من هذه المناطق في أيدي المعارضة المسلحة من جديد.

باختصار، لا ينبغي لمن هم خارج سوريا أن يحكموا على الصراع السوري فقط بالنظر إلى الوضع في الأعوام الأخيرة، حيث استعاد النظام وحلفاؤه الدوليون المناطق من خلال حملات الإرهاب الدامية التي لا هوادة فيها، فلا يزال هناك فصل رئيسي قادم من هذه القصة، بل قد يكون الفصل الأهم.

المصدر | حسام حسن | الجارديان - ترجمة وتحرير الخليج الجديد