الاثنين 24 فبراير 2020 06:35 م

لم يكن الكشف عن مشاركة جهاز قطر للاستثمار، في صفقة لشراء حصة في أكبر علامة تجارية موسيقية عالمية "يونيفرسال ميوزيك جروب"، الشهر الماضي، سوى إشارة جديدة إلى تمدد استثمارات الدوحة، في قطاعات مختلفة، وبلدان مختلفة حول العالم.

ويسعى قطر للاستثمار، وهو صندوق الثروة السيادي للدولة الخليجية الصغيرة، إلى امتلاك محفظة استثمارية ضخمة، توفر للدوحة أداة للنفوذ الاقتصادي والسياسي في عواصم أوروبية وغربية مؤثرة.

وحسب بيانات معهد صناديق الثروة السيادية المتخصص في دراسة استثمارات الحكومات والصناديق السيادية العالمية، تبلغ مجموع أصول جهاز قطر للاستثمار 328 مليار دولار.

محفظة عالمية

من الموسيقى إلى الكرة، ومن العقارات إلى النفط، ومن البنوك إلى التكنولوجيا، تتمدد استثمارات الجهاز، الذي يحتل المركز التاسع عالميا من حيث حجم أصول الصناديق السيادية.

ويملك الجهاز حصصا في 60 شركة، ضمن محفظة تتنوع بين استثمارات الأسهم، والدخل الثابت، وأدوات الاستثمار البديلة كالعقارات، والأسهم الخاصة.

وتستهدف خطط الاستثمار القطرية، في المقام الأول، أسواقا دولية كأوروبا، والولايات المتحدة، وآسيا، والمحيط الهادي.

وتبلغ استثمارات قطر في كل من أمريكا وأوروبا وآسيا نحو 165 مليار دولار، حصة أمريكا وأوروبا منها نحو 135 مليار دولار، في حين تبلغ حصة آسيا نحو 30 مليار دولار، منها 10 مليارات دولار في الصين و13 مليار دولار في روسيا.

ويستأثر القطاع المالي بـ55.4% من استثمارات قطر الخارجية، وقطاع الاستهلاك بـ18.5%، والخدمات بـ9%، و5.6% للصناعة، و4.8% للاتصالات، و4.3% للسلع الاستهلاكية، و1.8% لقطاع التكنولوجيا والطاقة، وتمثل القطاعات الأخرى 0.6%، وفق وكالة "بلومبرج" الأمريكية.

رؤية طويلة الأجل

وينتهج الجهاز، بشكل معلن، استراتيجية طويلة الأجل، تجاه الاستثمار في المملكة المتحدة، عبر الإعلان عن ضخ 5 مليارات جنيه إسترليني (نحو 6.3 مليار دولار) إضافية، في قطاعات تشمل البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة، تضاف إلى 40 مليار جنيه إسترليني، سبق أن ضخها الجهاز في أنحاء المملكة.

ويمتلك جهاز قطر للاستثمار، حصة 5.9% في بنك "باركليز" ما يجعله ثاني أكبر مستثمر بالبنك البريطاني، كما يمتلك 21.8% في "سينسبري" ثاني كبرى سلاسل متاجر البقالة في بريطانيا، ويحتفظ بملكية متجر "هارودز" الشهير في لندن.

ويعد "قطر للاستثمار" جزءا من كونسورتيوم يمتلك "مطار هيثرو" المطار الأكبر في بريطانيا، وحي "كناري وارف" للأعمال في لندن، وناطحة السحاب "شارد" في العاصمة البريطانية.

واستحوذ الجهاز على 3.3% من أسهم شركة "Sirius Minerals" البريطانية، المعنية باستخراج "البولي هايليت" من منجم يزيد عمقه على 1.6 كيلومتر، كما اشترى حصة بقيمة 200 مليون جنيه إسترليني في شركة "سيفرن ترينت" للمياه البريطانية.

أوروبيا، كذلك، تستحوذ قطر، على فندق "Burgenberg" السويسري الفاخر، أحد أبرز التحف المعمارية في جنيف.

وتملك قطر 10% من أسهم شركة "بورشه" الألمانية للسيارات، التي تندرج تحت مظلة مجموعة "فولكسفاجن".

ويستحوذ الصندوق السيادي القطري، على شركة "لويس فويتون" الفرنسية المتخصصة في المنتجات الجلدية والملابس الجاهزة والأحذية والساعات والمجوهرات، بالإضافة إلى حصة مهمة من شركة البترول الفرنسية الشهيرة "توتال".

ويبحث الصندوق القطري، شراء أحد ناديي "روما"، أو "آ سي ميلان"، ليكون أحدهما بوابته لدخول عالم الكرة الإيطالية، على غرار نادي "باريس سان جيرمان" الفرنسي.

النفط والطائرات

وتعد الولايات المتحدة الأمريكية، وجهة مفضلة لمحفظة لجهاز الاستثمار القطري الذي يضح 45 مليار دولار في قطاعات النفط والطاقة والتكنولوجيا الأمريكية.

ويستحوذ الجهاز على حصة كبيرة في شركة "أوريكس-Oryx" للخدمات الوسيطة، أكبر مشغل لخدمات النفط الخام في القطاع الخاص في حوض برمين، جنوب غربي الولايات المتحدة.

وتتجه الاستثمارات القطرية، من خلال شركة "برزان للطائرات"، إلى مشروع ضخم باستثمارات كبيرة، لإنتاج الطائرات في ولاية ساوث كارولينا الأمريكية، كجزء من جهود الجيش القطري لتطوير وإنتاج طائرات الرصد والمراقبة.

ويستحوذ الصندوق السيادي القطري، بالتعاون مع مجموعة "دوجلاس إيميت" الأمريكية، على مشروع عقاري بقيمة 365 مليون دولار، بولاية كاليفورنيا، يضم 350 شقة ومساحات للتجزئة تبلغ نحو 50 ألف قدم مربع.

والعام الماضي، نجح الصندوق في الاستحواذ على فندق "سانت ريجيس نيويورك" بعد شرائه من شركة "ماريوت الدولية" بمبلغ 310 ملايين دولار.

وفي روسيا، يستحوذ الصندوق السيادي القطري على حصة تبلغ نسبتها 19.5% في شركة النفط الروسية "روسنفت"، وحصة نسبتها 24.9% في الشركة المشغلة لمطار "بولكوفو" في سان بطرسبرج.

امتداد آسيوي

خلال العام الماضي، قام جهاز الاستثمار القطري بشراء حصة في شركة الكهرباء الهندية "أداني ترانسميشن"، وإحدى الوحدات التابعة لها، في مومباي؛ العاصمة المالية للهند، مقابل 450 مليون دولار.

كذلك أعلن الجهاز استثمار مبلغ 150 مليون دولار، في شركة "بايجوس"، إحدى كبريات الشركات التعليمية في الهند والمتخصصة في ابتكار تطبيقات التعليم لطلبة المدارس في العالم.

وتسعى الدوحة للاستثمار في ميناء "جوادر" الواقع على المسار المؤدي لمضيق هرمز الذي تسلكه ناقلات النفط، والذي يعد أحد أهم أعمدة مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.

وآلت ملكية برج ساحة آسيا بقيمة 2.5 مليار دولار، لجهاز الاستثمار القطري في واحدة من أكبر صفقات الاستحواذ في سنغافورة، إضافة إلى قيام الجهاز بالاستحواذ على حصة نسبتها 19.9%، من شركة "لايف ستايل إنترناشيونال"، المسجلة في هونج كونج بما قيمته نحو 600 مليون دولار.

صناعة النفوذ

وبالإضافة إلى "قطر للاستثمار"، هناك أذرع استثمارية قطرية عدة، منها "قطر للبترول"، والخطوط الجوية القطرية، و"حصاد القطرية"، وهي أذرع قوية تصنع للدوحة شبكة استثمارات واسعة متنوعة، تؤمن لها النفوذ على الساحة الدولية.

ومن الأهمية النظر ليس فقط إلى حجم الاستثمارات وانتشارها بأنحاء العالم، بل نوعية تلك الاستثمارات التي شملت مجالات النفط والتكنولوجيا، وصناعة الطائرات والسيارات، والعقارات والأندية.

ويمنح الاستثمار في الاقتصادات الدولية الكبرى، قوة ناعمة لصانع القرار القطري، في صياغة مواقف إقليمية ودولية تجاه القضايا المختلفة، وهو ما ظهر جليا في إجهاض الحصار المفروض على الدوحة، من دول الرباعي العربي (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، منذ يونيو/حزيران 2017.

ومن أبرز المكاسب التي تجنيها الدوحة، نتيجة تمدد محفظتها الاستثمارية، تنويع موارد دخل البلاد، وزيادة الاستثمارات طويلة الأجل، والتحول الناجح إلى مرحلة ما بعد النفط، وتعزيز شراكاتها الاقتصادية والعالمية.

ومنذ العام 2005، تاريخ تأسيس الصندوق السيادي القطري، وعبر 15 عاما، نجحت الدوحة في تأمين محفظة متنوعة من الاستثمارات في لندن وباريس وبرلين وواشنطن وموسكو، حولتها الدوحة إلى أداة للقوة الناعمة والنفوذ على الساحتين الإقليمية والدولية.

المصدر | الخليج الجديد