الخميس 5 مارس 2020 08:33 ص

تزامنت الرواية الصهيونية الرامية لتشكيل هوية قومية لمجموعات بشرية مختلفة الأعراق ومحاولة تجميعها مع ولادة السينما.

وقد تنبه صانعو الصهيونية إلى هذه الوسيلة كأداة دعاية تعبوية يمكنها أن تصيغ فكرة بعث شعب تبعثر في العالم لـ2000 عام على شكل أمه موحدة، وكان لابد من استخدام السينما كوسيلة لذلك، وهو ما حدث منذ البدايات.

أدرك "تيودور هرتزل" خطورة السينما كوسيلة داعمة لمشروعه، فحاول صناعة فيلم دعائي بعنوان "أرض الميعاد"، بين السنوات 1899 و1902، لكنه لم ينجح، لكن الأمر تبدل عام 1903 عندما أوفدت شركة "إديسون" أحد المصورين لفلسطين لينتج أفلاما قصيلاة عن نشاطات الوكالة اليهودية بهدف توثيق وصول المهاجرين إلى (أرض الميعاد) واستيعابهم مع التركيز على فكرة (أرض بلا شعب).

استمر تصوير هذه النوعية من الأفلام حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى لتوثق أيضا هزيمة الجيش التركي، ومشاهد الحرب في فلسطين، ليبدأ بعدها ومع ازدياد أعداد المهاجرين اليهود إنتاج أفلام وثائقية في صورة مجلة إخبارية، لتبدأ أولى محاولات إنتاج فيلم صهيوني عام 1932 وهو فيلم "صبار"، على يد المخرج البولندي "موشيه ليفيشيش"، الذي استخدم فيه تقنية السينما الناطقة.

ومع ذلك فالفيلم لم يعرض للمهاجرين الصهاينة في (إسرائيل)، ولم يلق أي نجاح في العروض الأوروبية لأنه بالغ في تصوير الصراع على نبع ماء بين الفلسطينيين والصهاينة، وباءت التجربة بالفشل.

اختراع الواقع

كانت أفلام مرحلة ما قبل الدولة وما قبل خرافة الهولوكست تركز على خلق واقع وهمي، وخلق يوتبيا الأرض المقدسة الخالية من السكان والتي تنتظر من سيعمرها.

كما ركزت أيضا أفلام تلك المرحلة على خلق الرموز الصهيونية، وجعلها أيقونات النضال، واتسمت تلك المرحلة من الإنتاج بما يمكن أن نسميه الصهيونية الاشتراكية، فقد تأثرت كثيرا بتيار الواقعية الاشتراكية، خصوصا أن معظم صناعها كانوا من مهاجري أوروبا الشرقية الذين تلقوا دعما ماليا من الصندوق القومي اليهودي.

استمرت تلك الأفلام الدعائية المحملة بالأيدلوجيا الصهيونية في استجلاب المزيد من المهاجرين إلى أرض الأحلام، ولاقت دعما وتشجيعا من الأغنياء اليهود حول العالم، إلى أن قامت الحرب العالمية الثانية، فتوقفت، ويبدو أن التوقف كان لسببين: الأول بسبب انقطاع وصول المواد الخام من أوروبا، والثاني لتجهيز للأسطورة الجديدة من أساطير المؤسسة الصهيونية وهي أسطورة المحرقة.

المحرقة والتأسيس الجديد

كان لابد من تأهيل اليهودي الجديد وعتقه من عبودية الغرب وتحريره أيضا من الصورة النمطية التي ارتبطت به وإنتاج ذكوريته من جديد، فالخطاب الطبي في أوروبا كان دوما ما يصم الجسد اليهودي بالمرض والجنون والأنوثة والانحراف الجنسي، وقد ظهرت هذه النزعة في كتابات فلاسفة ومفكرين حتى من اليهود ومنهم "فرويد".

لذلك كان على السينما ترميم ذلك الذكر وتجهيزه لامتلاك الأرض بالقوة، فأنتجت بعض الأعمال خلال تلك الفترة تتعامل مع أكذوبة المحرقة بمعيار أن الناجين منها ليسوا ضحايا بل جبناء يلزمهم إعادة تأهيل، وكان من أهم هذه الأفلام، فيلم "غدا يوم رائع" الذي يعد نموذجا لصناعه اليهودي الجديد.

الفيلم يحكي قصة صبي نجا من الهولكوست لكنه عندما انتقل إلى فلسطين والتحق بـ"كيبوتس" كان عاجزا تماما عن مواجهه الحياة، لكنه من خلال إعادة التأهيل، وعندما يرسل ذات يوم للعمل مع أصدقائه في الحقل يصطدم بالأسلاك الشائكة، في إحالة إلى حواجزه النفسية ومخاوفه، ولكنه يتصرف بعنف مع النبات والحيوان ويبدأ في حالة التعافي بعدها، ليستقبل اليوم الجديد في حياته.

كانت أفلام الفترة ما بين عام 45 حتى 48 تعمل على خلق الصورة البديلة لليهودي الصهيوني، وتؤسس لثالوث (البطل الذكوري - الأرض - الوطن ) فالبطل يعيد للأرض خصوبتها ويؤسس الدولة بإزاحة الفلسطيني علما بأن الفلسطيني نادرا ما يظهر في مشهد الصراع.

سينما ما بعد زرع الكيان (إقامة الدولة)

بعد النكبة حاولت السينما التجارية أن تبدأ عملها لكنها لم تلق الترحيب من الدولة الصهيونية التي انصب اهتمامها على إقامة الجيش، وترسيخ الاقتصاد، حتى جاء العام 1954 الذي سن فيه قانون تشجيع الإنتاج السينمائي ليتم إنتاج فيلم "التل 24 لا يجيب"، الذي يعد أهم أفلام المرحلة، حيث يروي قصة ترسيم الحدود مع الأردن، وينتهي الفيلم بمشهد صعود جنود الهاداناه وضابط قوات دولية وضابط أردني إلى التلة، ليجدوا أن كل من عليها قد قتل وجميع القتلي يهود ويحسم ضابط القوات الدولية الخلاف عندما يرى علم الصهاينة مطوي بيد فتاة قتيلة ويقرر أن التلة لليهود.

الفيلم كان موجها ليهود الخارج لذلك فقد كانت لغته إنجليزية ومخرجه أيضا إنجليزي، ومعظم العاملين فيه كذلك، وانتهي الفيلم بعبارة كلمة البداية في إشارة إلى أن التضحية بالدماء هي السبيل إلى بناء أرض الميعاد، وكان هذا الفيلم نقطة تحول في إنتاج الأفلام التي اتخذت من الحرب موضوعا رئيسيا لها.

نستطيع القول إن العقد الخمسيني والستيني صعدت فيه أفلام الواقعية الصهيونية، مع التركيز على الصراع مع العرب، دون أن يظهر حضورهم حتى في الأفلام الحربية، ودون أن تظهر المواجهة مع الفلسطينيين بشكل مباشر وذلك بهدف تدعيم أن فلسطين أرض خالية من السكان، فعلى سبيل المثال فإن فيلم "المشي خلال الحقول" الذي أنتج عام 1967 رغم أنه كان يعالج أحداث نكبة 48 لكنه صورها على أنها حرب مع البريطانيين.

محاولة ترميم المجتمع من الداخل

في تلك الحقبة ايضا واجهت الكيان الصهيوني أزمة اليهود السفرديم "الشرقيين" الذين تدفقوا إلى ارض الميعاد المزعومة، وكان لابد من إيجاد صيغة مجتمعية لهم، فظهرت أفلام عرفت بأفلام البروبكس، والتي أقحمت الشرقيين على شاشات السينما بعد أن تم تغييبهم كلية في السنوات السابقة، غير أنها حافظت رغم كل شيء على التركيبة الهرمية للمجتمع، بل عززت الفوارق الطبقية بين الاشكنياز والسفرديم.

ولعل النموذج الأهم في هذه المرحلة هو فيلم "صالح شباتي" إنتاج عام 1964 والذي تعامل مع الثقافة الشرقية على أنها مرض لابد من التخلص منه، واللافت في هذه الأفلام أن الاشكناز فيها يؤدون دور السفرديم والاشكناز بينما السفرديم يقومون بأدوار العرب الذين نادرا ما يظهرون في هذه الأفلام.

عموما، استمرت أفلام الصهيونية الواقعية إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي حيث بدأت السينما الصهيونة مرحلة جديدة.

ولذلك رواية أخرى نرويها في جزء ثان من سلسلة "قصة سينما".

المصدر | الخليج الجديد