الجمعة 6 مارس 2020 10:16 ص

كورونا .. العولمة وهشاشتها

«عدم يقين عالمي» وفقدان أسواق العالم مئات مليارات الدولارات وهبوط بورصات وانكماش السياحة والسفر.

أظهر «كورونا» أن العالم قرية كونية بالفعل ولكن هذه «الكونية» ليست بمنجاة من المخاطر الآتية إليها من أحد مراكزها أو أطرافها.

لا يمكن أن نغفل عن أن الماكينة الإعلامية العالمية تساهم بحصة كبيرة في بث الهلع غير المسبوق جراء الفيروس.

كشف تفشي «كورونا» عاهات تنخر عالم البشر بعضها ظاهر لا يتوارى أو كامن ينتظر الفرصة فقط لمعاودة التذكير بأنه «حي يرزق».

*     *     *

 عدد من يموتون يومياً في مختلف بلدان العالم، قليلاً قبل انتشار فيروس «كورونا»، أو ما سبقه من فيروسات قاتلة، يبلغ الآلاف لأسباب شتى، بينها التقدم في العمر والأمراض المزمنة والسرطانات وما إليها.

عدد من ماتوا ويموتون كل يوم منذ أن أعلن عن اكتشاف «كورونا» لا يعدّ شيئاً مهولاً قياساً لما كان يحدث قبله من حالات وفاة في مختلف البلدان، خاصة منها كثيرة السكان، أو التي تعاني الفقر وتدني الخدمات الطبية، فضلاً عن ضحايا الحروب المدمرة، أهلية كانت أو بين الدول، وضحايا المجاعات والقحط والكوارث الطبيعية كالفيضانات والحرائق وغيرها.

لا نرمي البتة إلى التقليل من خطر «كورونا» الذي يجتاح البلدان، بلداً وراء آخر، ويستنفر العالم كله لمواجهته، وتعمل المختبرات ليل نهار للوصول إلى لقاح يمنعه وعلاجات تشفي منه.

لكننا لا يمكن أن نغفل عن أن الماكينة الإعلامية العالمية، غير الملامة على كل حال، تساهم بحصة كبيرة في بث الهلع غير المسبوق جراء الفيروس.

ما لا يحظى بالتغطية الكافية هو ما كشف عنه تفشي «كورونا» من عاهات تنخر عالم البشر. بعضها ظاهر لا يتوارى أبداً، وبعضها كامن ينتظر الفرصة فقط لمعاودة التذكير بأنه «حي يرزق».

ومن ذلك ما بات يشكو منه المهاجرون إلى البلدان الأوروبية، خاصة منهم ذوي الأصول الصينية والآسيوية، من نظرة التمييز والازدراء وتجنب الاختلاط بهم، مع أن الكثيرين منهم قد يكونون ولدوا في البلدان التي يعيشون فيها، وأن صلتهم قد انقطعت فعلياً بالبلدان التي إليها تعود جذورهم. وشيء مثل هذا بدأ يفصح عن نفسه في بعض مجتمعاتنا على خلفيات طائفية ومذهبية.

جانب آخر جدير بالوقوف عنده، هو ما أظهره التداول الواسع للأنباء عن تفشي الفيروس بما نريد وصفه ب «هشاشة» العولمة.

ونقول ذلك مجازاً فقط، فالعولمة، في وجهها الاقتصادي خاصة، بلغت مديات لم يعد بالوسع العودة عنها، ولكنها اليوم تتعرض لاختبار حقيقي حول مدى صلابتها وقدرتها على تحدي الصعاب الماثلة.

تقرير على أحد المواقع يتحدث عما يصفه بـ«عدم اليقين العالمي». حتى الآن يجري الحديث عن فقدان الأسواق العالمية لمئات المليارات من الدولارات، وهبوط التعاملات في البورصات، وانكماش حركة السياحة والسفر.

وفي الأمر مفارقة جديرة بالوقوف عندها. أظهر «كورونا» من جهة بأي مقدار هو العالم قرية كونية بالفعل، ولكن هذه «الكونية» ليست بمنجاة من المخاطر الآتية إليها من أحد مراكزها أو أطرافها، ما كانت ستعرفها لو ظلت مجرد قرية.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين.

المصدر | الخليج - الشارقة