الخميس 6 أغسطس 2015 08:08 ص

دخلت علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها التقليديين في حالة خطيرة ومرحلة حرجة. وبالنظر إلى أن الشبكة الأمريكية العالمية من التحالفات كانت عنصرا حاسما في قوة دولية في البلاد، لا مثيل لها من قبل أي دولة أخرى، فإن التراجع عن الضرر الذي لحق هذه الأصول من الأمن القومي الحيوي تجب أن يكون أولوية عاجلة للرئيس القادم للولايات المتحدة.

هناك العديد من الأسباب التي دهورها الوضع وباتت كما هي عليه الآن. وهي تبدو طبيعية تماما. وتم تشكيل العديد من التحالفات الأكثر أهمية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وبهدف مواجهة تحديات الحرب الباردة وغيرها من التهديدات خلال القرن 20، فقد صممت ونمت هذه الشراكات على نحو متزايد حتى عفا عليها الزمن وأخرجها من إطار الهدف المرجو. المثال الأبرز هنا هو تحالف الولايات المتحدة مع أوروبا عبر حلف شمال الأطلسي. جهود حلف شمال الأطلسي لتحديد مهمة ما بعد الحرب الباردة على مدى العقدين الماضيين أنتجت حالة من التردد وعدم التماسك، والنتائج السيئة عندما تم تبني عمل من نوع ما من أفغانستان إلى ليبيا وحتى أوكرانيا. وإذا كانت روسيا لتقدم على غزو أوروبا عبر فولدا جاب، سيناريو الحرب الباردة الذي تم الاستعداد له من التحالف، فإن حلف شمال الأطلسي قد يكون فعالا. وفي أي ظروف أخرى، فإن ذلك يستحيل إلى ضباب وجودي يتسبب في إنتاج إجراءات جزئية وشجار وسخف (مثل عروض الحلول الدقيقة التي تهدف إلى إرسال رسالة إلى فلاديمير بوتين للرد على غزوه لأوكرانيا، التي تبدو أنها رسالة مترهلة ترسل بالضبط عكس ما هو مقصود).

حلف الأطلسي يفقد فاعليته في مواجهة روسيا

وبطبيعة الحال، فإنه في حالة حلف شمال الأطلسي ليس فقط أن الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا وطبيعة الصراع قد فاقت قدرة المنظمة على التكيف. وإنما هو أيضا مسألة الخلل السياسي داخل حلف شمال الأطلسي. أوروبا لم تعمل على إيجاد سياسة خارجية موحدة لها. دول القارة الأكثر أهمية، ألمانيا وفرنسا، لديهم أفكار مختلفة جدا حول المسائل الأمنية، ودخلت الدول الأوروبية الأخرى في مشاكل اقتصادية ولا تعرف كيف مجرد النظر في مثل هذه القضايا والتعامل معها. وفي الوقت نفسه، توفر واشنطن حظ عاثر مزدوج من عملية تشريعية مكسورة ورئيس كاره لكل جهد ضروري سواء على مستوى الجهد اللازم لقيادة الحلف كما كان الرؤساء التنفيذيون للولايات المتحدة في الماضي، والصراع الدولي في أي شكل تقريبا.

الضعف وقلة العزم وحالة الفوضى، والتفكير الذي عفا عليه الزمن هو مزيج رديء من حالة الركود في وقت السلم. لكن التحالف يجري اختباره كما يتعرض للتهديد بشكل يومي من قبل أحد جيران الروس، والذي كان رائدا في جوانب الحرب الهجينة في أوكرانيا بناء على تحديد حذر ودقيق لما عليه الخطوط الحمراء الحقيقية للناتو. وبشكل يثير الدهشة، فإن «بوتين» يحدد بدقة ما عليه القيام به فيما يتعلق بأي شيء يريده، بما في ذلك إسقاط طائرة تجارية، شريطة أن قواته لا ترتدي شارات وأنه يتبرأ من كل شيء.

وسوف يلاحظ المدافعون عن حلف الناتو بسرعة أن أوكرانيا ليست جزءا من التحالف الأطلسي، وبطبيعة الحال، هذا صحيح. ولكن هذا لا يعني أن غزو روسيا وضم أجزاء من أوكرانيا (بعد إجراء مماثل في جورجيا في عام 2008) لا يشكل تهديدا حقيقيا لمصالح حلف شمال الأطلسي يستدعي بعض إظهار قوي العزيمة. ورغم ما شاهدناه من الفظائع الحقيقية، فإننا ما زلنا نناقش منح أوكرانيا النوع الأكثر تواضعا من الأسلحة لمحاربة هذا الخطر الذي يهدد الاستقرار الأوروبي. العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل الغرب، حظيت بترحاب وتهليل كما لو كانت علامة على صلابة جماعية، وهي التي لم تحقق تأثيرا واحدا على قرارات موسكو بشأن المنطقة. وفي الواقع، فإنه في الآونة الأخيرة، بدا «بوتين» أكثر جرأة، وذهب إلى حد القول أن روسيا لن تتسامح مع السويد لانضمامها إلى الناتو. وتوضح الإجراءات الاستفزازية من الجيش الروسي حول بحر البلطيق أن بوتين في خلاف مع نظرائه في منظمة حلف شمال الأطلسي، فقد بدا جريئا وغير متقيد بتفاصيل القانون الدولي أو الاتفاقيات الظاهرية التي وضعها التاريخ الحديث.

وفي مرحلة ما، وعلى الأرجح خلال فترة الرئيس المقبل للولايات المتحدة، فإن «بوتين» قد يختبر عزم حلف الناتو بشأن مزيد من التحركات بين «الروس الأصليين» في واحدة من دول البلطيق، أستونيا على سبيل المثال، قريبة من تلك التي وقعت في أوكرانيا. وسوف يسعون إلى الانفصال ما يمكنهم من الحصول على المساعدة الروسية، ولكن هذه المرة سيكون السيناريو مختلفا تماما. أستونيا، لاتفيا، وليتوانيا أعضاء حلف شمال الأطلسي. إنهم يتمتعون بمادة الحماية رقم 5: «يلتزم حلف شمال الأطلسي بالتدخل للدفاع عنهم». ولكن هل سيكون ذلك؟ فهل سيحدث ذلك إذا كان "للغزو" أن يتسبب في نسج جماعة عرقية تسعى ببساطة للتعبير عن حقها في تقرير المصير؟ تخميني هو أنه في ظل القيادة الحالية لحلف شمال الأطلسي، فإن الجواب يكون لا، سيكون الخطاب مخالفا لذلك. والسؤال هو ما إذا كان الرئيس الأمريكي المقبل غير قادر تماما على استيعاب «بوتين» كما كان «باراك أوباما».

وربما حتى أكثر إثارة للقلق هي العلاقات المتنامية لـ«بوتين» مع الأحزاب القومية في جميع أنحاء أوروبا، من سيريزا في اليونان إلى حزب رابطة الشمال في إيطاليا وحتى الجبهة الوطنية في فرنسا. وهذه هي المجموعات التي على الأرجح في طريقها لزيادة في النفوذ في الوقت الذي تنزوي فيه في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويفتح الضعف في جنوب أوروبا الباب لتدفق أكبر عدد من المهاجرين إلى أوروبا. وهذا يغذي قوة هذه اليمين الأوروبي، الذين هم الحلفاء السياسيين لـ«بوتين»، ويخلق مشكلتين؛، أحدهما القومية البغيضة في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي (مسرحية رأيناها من قبل في أوروبا)، وتنامي نفوذ السياسيين الأوروبيين الذين هم على استعداد لتحمل أو حتى تشجيع النهب من الرئيس الروسي الذي يتمنى أن يرى بلاه تعود إلى سابق عهدها.

بريطانيا

وما يؤثر أيضا على تغيير الوضع في أوروبا هو الانخفاض الواضح في النفوذ والطموح للمملكة المتحدة. ليس فقط في البلاد بسحب قدراتها العسكرية، وإنما دخولها في خطر التشرذم مع صعود الحزب الوطني الاسكتلندي. وعلاوة على ذلك، فإن نفوذها داخل أوروبا (وفي واشنطن) طغى عليه نفوذ كل من ألمانيا وفرنسا. وكنت قد كتبت من قبل عن تراجع العلاقات الخاصة التقليدية لدينا، والتي هي مرتكزات التحالفات. ومن الواضح أن هذا يمثل مشكلة في حد ذاته، ويتجلى ذلك أيضا في الشرق الأوسط مع تراجع حاد وشديد في نوعية العلاقة الخاصة الأمريكية مع إسرائيل.

فوضى الشرق الأوسط

ولكن التحالفات الأمريكية الأوسع في الشرق الأوسط تعيش حالة من الفوضى. وعلى الرغم من شبه تأزم في العلاقة بين قادة إسرائيل والولايات المتحدة والذين باتوا من الصعب أن يقفوا سويا الآن، فإن هناك حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، الذين بدأوا يشككون في طبيعة العلاقة، بعد توقيع الاتفاق مع إيران مؤخرًا فضلا عن الظروف الخاصة لكل دولة في المنطقة. مصر في حالة من الفوضى، وقوبلت ازدواجية الولايات المتحدة تجاه التحولات السياسية بتناقص الثقة في واشنطن تجاه القاهرة. ويعاني الحلفاء في الخليج تهديدا متزايدا من التطرف العنيف مع ردود غير فعالة من الولايات المتحدة وحلفائنا الأوروبيين. وفي الوقت نفسه، يزداد رعبهم بشكل بالغ نتيجة التقارب الأمريكي المتنامي إلى منافسهم الرئيسي في المنطقة، إيران. وفي حين أن إعادة تقييم العلاقة بين إيران والغرب (ناهيك عن الصين والشرق) قد تشكل التعاون في المستقبل، فإن الفترة الانتقالية الحالية (التي تضم تعاونا أمريكيا مربكا مع إيران على أرض الواقع في العراق، ولكنها تنكر ذلك، وإبرام صفقة كبرى لاستعادة المكانة الدولية لهذا البلد كله يحدث في وقت واحد) خطيرة للغاية.

القول بأن العلاقات التقليدية ليست بالضبط في مكانها هو قول بخس. أنا لم أتحدث عن الضعف والتحديات التي تواجه الحكومات في بلدين استثمرت فيهما الولايات المتحدة أكثر خلال العقد الماضي: العراق وأفغانستان.

في آسيا

وفي آسيا، نفذت الصين خطة دقيقة لتوسيع نفوذها: عن طريق الاستثمارات النشطة في البلدان المجاورة، والتوسع الصاخب للقدرات العسكرية، ومبادرة بنك الاستثمار في البنية التحتية الآسيوية الذي يقوم بإدارة دوائر حول معارضة الولايات المتحدة قليلة الحظ، وتطبيق سياسة «حزام واحد، طريق واحد» التي جلبت بالفعل الثمار في آسيا الوسطى (حيث وجود الولايات المتحدة - حتى الوعي - هو الحد الأدنى)، وباكستان، وأفغانستان (حيث تم الترحيب بالصين بصفة مراقب في المحادثات مع طالبان)، وإيران (حيث إن الصين ستصبح المشتري رقم 1 للنفط الإيراني). وبينما سعت الولايات المتحدة لمواجهة هذا التوسع مع تحركات متواضعة مثل إعادة نشر بضعة آلاف من مشاة البحرية في داروين، قامت أستراليا بإعادة فتح العلاقات مع ميانمار. الاستثمار أكثر في العلاقة مع الهند، وقبول إعادة تسليح اليابان أفقدها المزيد من النفوذ النسبي الذي اكتسب في السنوات الأخيرة. وعلاوة على ذلك، فإن طرائق تحقيق التوازن بين طموحات بكين مع الحفاظ على العلاقات الجيدة التي يطلبها اقتصادنا لا تزال غير واضحة. هذا هو السبب في أن الصين اختبرت الولايات المتحدة وحلفاءئنا بقدر ما فعل «بوتين»، تحديد مكان الخطوط الحمراء هي في الواقع في بحر الصين الجنوبي. كيف يمكن لهذا أن يدفع اليابان صاحبة التسليح والقتالية العالية) أن تكون مصدر قلق بالغ. لذا يجب أن يكون أيضا هناك سيناريوهات تشمل الاضطرابات المحتملة في كوريا الشمالية.

وتشير الأهمية المتزايدة للصين ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ إلى أن الولايات المتحدة يجب أن تكرس نفس القدر من الاهتمام أو أكثر لإعادة التفكير وإعادة تأهيل التحالفات هناك كما هو مطلوب في أوروبا. (هل تذكر المحورالآسيوي؟ لقد كانت فكرة جيدة علا ضجيجها وانخفض، ولكن الذي يستحق البقاء واضح). مفتاح واحد لهذا قد يكون في زراعة واحتضان «علاقات خاصة» جديدة لتستأصل أو تعزز تلك التي من الماضي والتي هي في انخفاض.

هناك نوعان مهمان بشكل خاص من الدول، مع بعض الصلات الثقافية وعمليات التواصل مع الولايات المتحدة، التي ينبغي أن تكون تلك المراسي أو محطات الوصول: أستراليا والهند. أحد هذه العلاقات، مع الهند، ستكون أكثر صعوبة بكثير، ولكن من حيث الفوائد المحتملة سوف هناك حتما إفادة أيا كان الجهد الذي تستغرقه. وستكون الهند قريبا أكبر دولة في العالم من حيث تعداد السكان، وسوف تصبح موازنا هام للصين في آسيا والشرق الأوسط، ولديها رابع أكبر أسطول بحري في العالم، وتشارك العديد من القيم والمصالح مع الولايات المتحدة. أما الدولة الأخرى فهي أستراليا، والتي معها الأمور في الغالب تكون أسهل. وفي الواقع، نحن قريبون مما يجري هناك. أستراليا من بين الشركاء الدوليين للولايات المتحدة وعلى صلة وثيقة بواشنطن، وذلك قائم منذ القرن الماضي. ولكن طوال تلك الفترة، لعبت كانبيرا دورا ثانويا. ونظرا للنمو الاقتصادي في استراليا، وقوة الموارد، والتمركز الحيوي في المحيط الهادئ، والهوية المتنامية باعتبارها دولة آسيوية، فعلى ما يبدو أنها تستعد لتحل محل المملكة المتحدة في التسلسل الهرمي لصداقات الولايات المتحدة في القرن المقبل.

حقيقة أن مستقبل الاستقرار في المنطقة الأكثر أهمية في العالم ربما تلفت الضوء إلى الأهمية الأساسية للقيم المشتركة والمصالح التي قامت عليها التحالفات الأكثر فعالية. (دعونا لا ننسى سنغافورة قليلا، التي لديها دور حوي للعب في كل هذا، ولكنها غير حكيمة جدا في علاقتها مع الصين أكثر من أي وقت مضى لدرجة أن ينظر إليها على أنها في تقارب خاص مع  الولايات المتحدة). بالنسبة لزواج مصلحة قصير الأجل مثل الذي لدينا مع إيران اليوم أو كان مع السوفييت في الحرب العالمية الثانية، فهناك أكثر بكثير من مجرد التحمل.

ويقال إن الانتماءات والأهداف الثقافية المشتركة وحدها لا تكفي، والعالم يتغير بسرعة. وتنشأ التهديدات الجديدة تماما كالطرق الجديدة لتحديد وإدارة واحتواء تلك التهديدات. من الجيل المقبل من تكنولوجيا الإنترنت وتمكين الطائرات من دون طيار، وقريبا، جيوش الروبوت والقوات الجوية التي وجدت مقترنة بعالم  الخيال العلمي، إلى مناطق جديدة حيث من المرجح أن تنطوي على المصالح المشتركة بيننا مع حلفائنا في التحديات الأمنية، من القطب الشمالي إلى إفريقيا إلى التداعيات الإنسانية والسياسية والاقتصادية لتغير المناخ، والتحالفات تتطلب شيئا آخر. إنها تتطلب التجديد. وتتطلب كذلك الإبداع. إنها تحتاج إلى الرعاية والتغذية. إنها لا يمكن أن يكون أمرا مفروغا منه أو يساء استخدامه أو إهماله تماما كما كان لفترة طويلة جدا.