الجمعة 20 مارس 2020 05:33 م

انخرطت قوات النظام السوري في هجوم عسكري لاستعادة محافظة إدلب منذ 1 ديسمبر/كانون الأول 2019. ولوقف تقدم قوات "بشار الأسد"، بدأت تركيا حملة عسكرية في 1 مارس/آذار، الأمر الذي مثّل عقبة جديدة أمام مصالح روسيا في سوريا.

وما بين مهمتها الأساسية في ضمان بقاء حليفها "بشار الأسد"، مع رغبتها في الحفاظ على العلاقات الشاملة مع تركيا، تتطلع روسيا إلى تحقيق التوازن بين الجانبين لتعزيز نفوذها الإقليمي.

ومن الواضح أن الأعمال العدائية في إدلب تعقد خطط روسيا. وبالفعل، في 31 يناير/كانون الثاني، قال "أردوغان": "حتى الآن، لم تلتزم روسيا باتفاقي أستانا وسوتشي"، مضيفا أن صبره "بدأ ينفد".

ومع ذلك، استمرت معركة إدلب. وتفاقمت التوترات مع هجوم تسبب في قتل العشرات من القوات التركية في 27 فبراير/شباط، وألقت تركيا فيه باللوم على النظام السوري. ونفت موسكو أنها نفذت أي غارات جوية في معركة إدلب، حتى وإن كانت تدعم الهجمات الأخيرة التي شنها النظام السوري.

والتقى الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" بالرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" في 5 مارس/آذار، وتوصل الطرفان إلى اتفاق هش لوقف إطلاق النار. وبالرغم أن المدنيين أفادوا بتوقف هجمات النظام السوري وروسيا، إلا أن الاتفاق يضمن احتفاظ "الأسد" بالمكاسب الاستراتيجية في المحافظة، بعد أن استعاد النظام الطريق السريع الاستراتيجي "إم 5" بين إدلب وحماة في فبراير/شباط.

وقد ساعد وقف إطلاق النار، الذي استخدمه "بوتين" كورقة رهان لخدمة مصالحه الخاصة، على نزع فتيل الموقف. وبدأت الدوريات المشتركة على الطريق السريع الاستراتيجي الآخر "إم 4" إلى اللاذقية في 15 مارس/آذار، بالرغم من أن قضية الطريق السريع "إم 5" لم يتم تناولها.

وتدخلت روسيا للمرة الأولى في الصراع السوري في سبتمبر/أيلول 2015 لدعم نظام "الأسد" ضد قوات المعارضة، بهدف مساعدته على استعادة البلاد بأكملها، حيث يعمل سلاحها الجوي كحليف رئيسي. كما استخدمت روسيا حق النقض "الفيتو" ضد قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن سوريا 14 مرة طوال الصراع، ما يظهر دورها الجوهري في حماية "الأسد" دوليا.

لكن تركيا، التي دعمت المعارضة في سوريا وتعارض حملة "الأسد"، لديها مخاوف بشأن نزوح اللاجئين على حدودها. وقد استوعبت بالفعل ما يقرب من 4 ملايين سوري فروا من العنف طوال فترة الصراع. وبينما تقف بقية أوروبا موقف المتفرج، دعت أنقرة حلفاءها في "الناتو" إلى تقديم دعم إضافي.

وحاولت روسيا لعب دور الوسيط لتهدئة الاشتباك بين تركيا والنظام السوري بشكل تكتيكي مثل الدور الذي لعبته لتخفيف التوترات بين (إسرائيل) منجهة وإيران ووكلائها من جهة أخرى.

ونظرا لعلاقاتها القوية السابقة مع أنقرة، فقد حاولت موسكو المناورة والاحتفاظ بالعلاقات مع كل من "أردوغان" و"الأسد".

وقال "مارك كاتز" أستاذ العلوم السياسية في جامعة "جورج ميسون"، لـ"إنسايد ارابيا": "سعت موسكو منذ فترة طويلة إلى التوازن بين أنقرة ودمشق في شمال سوريا. وربما تلاعب بوتين بأردوغان من خلال دفع  خصوم الأسد المهزومين في أماكن أخرى في سوريا للتوجه إلى إدلب، مع علمه بأنه سيكون هناك في النهاية مواجهة حول إدلب".

وبالرغم من دعم الجانبين المعاكسين في الصراع، إلا أن روسيا وتركيا تمكنتا من التنسيق مع بعضهما البعض، ويشهد وقف إطلاق النار في مارس/آذار على ذلك. وفي سبتمبر/أيلول 2018، وقعت موسكو وأنقرة مع طهران اتفاقية "سوتشي" حول إدلب، لأجل إبقائها منطقة خالية من الصراع.

واتهم "دولت بهشلي" زعيم حزب الحركة القومية التركي "بوتين" "بلعب لعبة مزدوجة" لدعم النظام السوري ضد حليفته تركيا.

وبالرغم من أهدافهما المتباينة في الصراع، من الواضح أن كلا البلدين يرغبان في تجنب مواجهة كبيرة، ولا يرغبان في تعريض علاقتهما للخطر.

وفي نهاية المطاف، تسعى روسيا إلى الحفاظ على علاقاتها مع تركيا كحليف إقليمي مهم، بعدما قامت موسكو ببيع معدات عسكرية كبيرة إلى أنقرة، بما في ذلك نظام الدفاع الجوي "إس-400".

 علاوة على ذلك، في 8 يناير/كانون الثاني، احتفل الجانبان بافتتاح خط أنابيب بطول 580 كيلومتر تحت البحر الأسود بين البلدين. وأخيرا، تسعى روسيا أيضا إلى استخدام تركيا لتكون بمثابة حليفها داخل "الناتو".

وبعد أن أسقطت تركيا طائرة روسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، كانت هناك مخاوف من تصعيد كبير بين البلدين. ومع ذلك، نجت علاقاتهما. ويبدو أن العلاقات التركية الروسية يمكنها النجاة في سوريا مرة أخرى.

وفي غضون ذلك، ستواصل موسكو مساعدة نظام "الأسد"، من خلال توفير المزيد من المعدات العسكرية، في حين تسعى إلى الحفاظ على العلاقات مع أنقرة. وأجرى "بوتين" في 29 فبراير/شباط محادثات مع الرئيس الإيراني "حسن روحاني" حول عملية "أستانا"، وهي المبادرة الدولية لإنهاء الصراع السوري، ما يعني أن موسكو سعت على الأرجح إلى استخدام الموقف التركي لتعزيز علاقاتها مع طهران، التي دعمت أيضا نظام "الأسد".

وبينما تعمل اتفاقية وقف إطلاق النار، التي خرجت للنور في مارس/آذار، كإجراء مؤقت لتأمين سيطرة "الأسد" على البلاد، فسوف تسعى موسكو إلى المزيد من استغلال التوترات في حالة استئناف القتال.

ويشعر سكان إدلب بالفعل أن هذا قد يحدث بسهولة. فبعد كل شيء، رفض وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" الدعوات لوقف إطلاق النار قبل أيام قليلة من تدخل تركيا، وكشف عن عزم موسكو الحقيقي على ضمان انتصار "الأسد" في سوريا.

وقال "كاتز": "بمساعدة موسكو، قد تكون قوات النظام السوري قادرة على دفع القوات التركية إلى الوراء واستعادة إدلب، ولكن فقط بتكلفة بشرية كبيرة من الجانبين".

وإذا تم استئناف القتال مرة أخرى، فسوف يمنح هذا روسيا فرصة أخرى لمساعدة "الأسد" على استعادة البلاد. وفي الوقت نفسه، مكّن الوضع الحالي موسكو من تعزيز علاقاتها مع طهران ودمشق.

وبالتالي، في حين أن روسيا لا تزال بحاجة إلى الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع تركيا، فإن موقف أنقرة المعادي لـ"الأسد" يمثل تحديا مباشرا لمصالح "بوتين" في حين يسعى إلى فرض قبضته على سوريا وتأمينها كدولة تابعة.

وحذر محللون بأن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى اشتباكات مباشرة، بين روسيا وتركيا على المدى الطويل. لكن الوقت فقط هو ما سيحدد إذا كانت موسكو ستنجح في الوصول إلى أهدافها في كلا الاتجاهين أم لا.

المصدر | جوناثان هارفي - إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد