الأحد 29 مارس 2020 11:13 ص

كشفت أزمة انتشار فيروس كورونا في العديد من دول العالم عن تراجع واضح للقيادة الأمريكية؛ نتيجة لتقاعس الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عن الدور الذي كان يقوم به أسلافه في الأزمات الدولية مثل دعم الدول المتضررة وتنسيق استجابة دولية موحدة.

وفى المقابل، تحاول الصين استغلال الفراغ الأمريكي من خلال إرسال المساعدات للدول المتضررة حتى من حلفاء واشنطن في الاتحاد الأوروبي.

ولم تكتف واشنطن بعدم تقديم المساعدة للدول الأوروبية فحسب، بل إن تقارير كشفت أن واشنطن قامت بالضغط على دول بأوروبا الشرقية وأوارسيا لزيادة إنتاج المعدات الطبية المنقذة للحياة والمعدات الوقائية وتصديرها إلى الولايات المتحدة.

وفي ضوء ذلك، قالت صحيفة "واشنطن بوست" إن وباء كورونا ربما يتسبب في تراجع الزعامة الامريكية في العالم، مشيرة إلي أن السبب في ذلك واضح ومباشر، وهو تنازل "ترامب" عن الدور الذي لعبه أسلافه في كل أزمة عالمية سابقة، إذ مضوا قدما لتقديم العلاجات ودعم الدول الأخرى، وتنسيق الجهود مثل ما حصل في الأزمة المالية العالمية عام 2008.

وأشارت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة تتولي حاليا القيادة الدولية لمجموعة السبع، لكن الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" هو الذي بادر بتنظيم قمة المجموعة عبر الفيديو.

وأكدت الصحيفة أن الفائز الأكبر من هذا التراجع الأمريكي غير المسبوق هي الصين التي أوقفت انتشار فيروس كورونا على أراضيها وبدأت بتقديم الدعم لإيطاليا وصربيا إضافة إلى الاتحاد الأوروبي ودول العالم بشكل عام.

حضور صيني وغياب أمريكي

وعلى نفس المنوال قالت صحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية إن المساعدات التي وصلت إلى إيطاليا خلال الساعات والأيام الأخيرة لم تكن تحمل ألوان العلم الأمريكي كما كان معتادا، بل حملت علم الصين الأحمر الذي بات يوضع إلى جانب العلم الإيطالي في معظم مناطق إقليم لومبارديا في شمال البلاد.

وأشارت الصحيفة إلى أنه قبل أيام، وصل إلى إيطاليا 9 طائرات شحن من روسيا على متنها أطنان من المواد الطبية ونحو 120 طبيبا مختصا بالأمراض المعدية.

وخلصت الصحيفة إلى القول إن العالم يقرأ حاليا العلامات الأولي على تغير سياسي متسارع في منطقة البحر المتوسط حيث باتت الولايات المتحدة غائبة وبعيدة بشكل متزايد.

وفي حين أن الولايات المتحدة امتنعت عن تقديم المساعدة للدول المصابة كما فعلت في السابق فإنها لم تكتف بذلك فحسب، لكنها قامت أيضا بممارسة ضغوط دبلوماسية على الحكومات والشركات في أوروبا الشرقية وأوراسيا؛ لزيادة إنتاج المعدات الطبية المنقذة للحياة والمعدات الوقائية وزيادة هذه الصادرات إلى الولايات المتحدة.

ووفق مصادر لمجلة "فورين بوليسي" فإن الخطوة السابقة هي جزء من حملة دبلوماسية يائسة لسد أوجه القصور الرئيسية في النظام الصحي الأمريكي وسط ارتفاع عدد ضحايا كورونا.

ولفتت المجلة إلى أن الطلب الأمريكي يأتي في الوقت الذي تكافح فيه الحكومات الأوروبية نفسها للنجاة من الوباء الأسوأ الذي يواجه العالم منذ أنفلونزا عام 1918.

وذكرت أن الخطوة الأمريكية تمثل تحولا صارخا في طريقة تعامل الولايات المتحدة الأمريكية، التي لطالما أخذت زمام المبادة في تقديم يد العون للبلدان الأخرى الأقل نموا في مواجهة الكوارث الإنسانية والأوبئة.

ورأت المجلة أن الطلب الأمريكي يطعن في ادعاء "ترامب" أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها ما يكفي من المعدات الطبية اللازمة للتعامل مع أزمة كورونا.

كما يأتي الطلب الأمريكي أيضا في وقت تعاني فيه البلاد من احتمال حدوث ركود اقتصادي حاد، حيث تواجه إدارة ترامب مفاضلة صعبة بين رفع القيود الصحية من أجل إنعاش الاقتصاد ومن ثم المخاطرة بسقوط مزيد من الضحايا، أو الاستمرار في اتخاذ تدابير وإجراءات صحية صارمة والمخاطرة بالوظائف الأمريكية.

قوة ناعمة صينية

في المقابل، يرى البعض أن الصين تهدف بلعبها دور المانح للمساعدات والخبرات للدول الأخرى، إلى إصلاح صورتها التي تضررت عالميا بسبب مسؤوليتها عن تفشي الفيروس.

وخير دليل على ذلك، ما جاء على لسان الرئيس الصربي أن المساعدات التي أرسلتها الصين لمساعدة بلاده في مواجهة فيروس كورونا "ستساهم في إنقاذ حياة آلاف المواطنين الصرب"، مشيرا إلى أن بلاده لا ترد على ذلك فقط بشكل عاطفي بل بشكل عقلاني، وأنها لن تنسى هذا الموقف (الصيني) أبداً.

وفى المقابل الإشادة بالصين هاجم الرئيس الصربي الاتحاد الأوروبي بعد قرار الأخير عدم إرسال معدات طبية إلى الدول غير الأعضاء.

وقال إنه طلب من الصين جميع أنواع المساعدات حتى إرسال الطواقم الطبية، وانتقد بشدة تخلي الأوروبيين عن بلاده في وقت كانوا يطالبون فيه صربيا بعدم شراء البضائع الصينية.

ووفق صحيفة "فايننشيال تايمز" البريطانية؛ فإن ما قاله الرئيس الصربي هو بالضبط ما كانت تتطلع إليه الصين، وهو الظهور بدور القوة العالمية الكبيرة التي تمد يد العون وتقدم الدعم وقت الذعر لدول العالم.

وفى هذا الصدد يقول "يو جي"، وهو باحث بارز في الشئون الصينية في مركز تشاتام هاوس (مركز بحثي بريطاني) إن الصين تحاول تحويل أزمتها الصحية إلى فرصة جيوسياسية، حيث تطلق حملة قوة ناعمة تهدف إلى ملء الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة الأمريكية حول العالم.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات