السبت 28 مارس 2020 07:14 ص

كورونا عربيا: مسلسل الكذب والقمع

لقد أجّل الوباء، مؤقتا، الحراك، لكنه لم يؤجل الحساب.

وما عاد التفريق ممكنا بين قمع يدعي منع انتشار الوباء وقمع للقمع وهو شارة الامتياز للأنظمة العربية.

التقاليد الأمنية والتصريحات البائسة تستعاد بقوة تحت غطاء الحظر والحجر المنزلي والحفاظ على صحة البلاد والمواطنين.

النيابة السعودية تعتبر إنتاج صور أو فيديو لمخالفات منع التجول ونشرها «جريمة كبيرة» يعاقب عليها بالسجن 5 سنوات وغرامة 3 ملايين ريال.

*     *     *

استقبلت بعض دول العالم، بما فيها بعض أهم الدول الغربية وأغناها، موضوع انتشار فيروس كورونا بأشكال من الركاكة والخفة وعدم الاستعداد الحقيقي للكارثة المقبلة، كما حصل في بريطانيا التي طرحت قيادتها السياسية فكرة «مناعة القطيع» التي ستتشكل مع إصابة قرابة 60% من المواطنين، وطالب رئيس وزرائها مواطنيه بالاستعداد «لتوديع أحبتهم»!

في حين رصدت وسائل إعلام 15 أكذوبة طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مواطنيه، بدءا من طمأنتهم بأن «الأمور تحت السيطرة»، وبأن الفيروس سيضعف في نيسان/ابريل مع الطقس الدافئ، وأنه سيختفي «بمعجزة»، وأن أعداد المنتحرين، إذا حصل ركود اقتصادي، ستفوق عدد وفيات الفيروس، والنتيجة أن عدد الإصابات في أمريكا صارت الأعلى في العالم!

أما في الدول العربية، فقوبل الموضوع بداية، باستخفاف شديد، وكان موضوعا للتفكّه لدى بعض المذيعين والفنانين، بل إن "وزير" صحة النظام السوري أجاب على سؤال مذيعة حول خطر الفيروس بالقول وهو يتبسّم للكاميرا «إن الجيش العربي السوري طهر كل البلاد من الجراثيم».

أما في مصر فقامت الحكومة بطرد روث مايكلسن مراسلة صحيفة «الغارديان» لفضحها أرقام الحكومة الرسمية التي تدعي عدم وجود إصابات في البلاد.

والواضح أن السلطات كانت تحاول، عبر تجاهل انتشار الوباء، الإبقاء على الموسم السياحي من دون تحسّب لا لصحّة أولئك السياح، الذين اكتشفت حالات إصابة بالفيروس حال عودتهم، ولا لمواطنيها أو للأثر اللاحق على الاقتصاد المصري برمّته.

الأسوأ من ذلك أنه، ورغم الخطر الهائل الذي يشكّله الوباء على الإنسانية كلّها، فإن بعض الأنظمة العربية وجدت في هذا الظرف فرصة «لمعالجة» خطر أكبر بالنسبة لها، وهو الحراكات الجماهيرية المندلعة ضدّها، وحين قررت قيادات هذه الحراكات بنفسها وقف التظاهرات والاعتصامات والفعاليات وقاية للمتظاهرين من المرض، عادت «حليمة إلى عادتها القديمة».

ونفخ زبانية السلطة والأمن والعسكر صدورهم واعتبروا أن الحراكات انتهت، وبدأنا نرى التقاليد الأمنية تستعيد سيطرتها، والتصريحات البائسة تستعاد بقوة تحت غطاء الحظر والحجر المنزلي والحفاظ على صحة البلاد والمواطنين، وما عاد التفريق ممكنا بين القمع الذي يدعي منع انتشار الوباء والقمع للقمع، الذي هو شارة الامتياز للأنظمة العربية.

من ذلك أن النيابة السعودية صارت تعتبر إنتاج صور أو مقاطع فيديو لمخالفات أمر منع التجول ونشرها عبر وسائل التواصل «جريمة كبيرة» يعاقب عليها بالسجن 5 سنوات وغرامة 3 ملايين ريال.

وفي سوريا، وبعد يوم واحد من اعتراف السلطات بتسجيل أول إصابة بفيروس كورونا، أصدرت وزارة الداخلية بيانا يهدد السوريين بالملاحقة والاعتقال «في حال نشرهم معلومات عن فيروس كورونا». ويدخل في هذا التعميم البيانات التي تصدرها منظمة الصحة العالمية، أو أي تقارير من جهات إعلامية مستقلة.

وردا على مطالبة منظمات حقوقية عالمية وجهات سياسية بإطلاق المعتقلين في السجون العربية، ورغم أن الرئيس المصريّ عبد الفتاح السيسي قام نفسه ببث خطاب متلفز ابتدأه بدعاء طويل مثل خطيب جامع، فقد قامت السلطات المصرية بحملة اعتقالات جديدة طالت صحافيا وشقيقين لناشط معارض وبعض الأهالي بعد قيام عشرات المصريين بمسيرة دعاء للخلاص من الفيروس.

كما قبضت على متظاهرين من 6 محافظات، بتهم «ترويج الأخبار الكاذبة»، وهذه الوقائع تعاكس بعضها بعضا، فالنظام الذي يروّج أخبارا كاذبة ويقوم رئيسه بوصلة دعاء لله يعتقل من يلجؤون لله بالطلب ومن يتجرؤون على الشكوى من الوباء الذي يتهددهم.

السلطات العراقية، من جهتها، سلّطت الأجهزة الأمنية على المشتبه بإصابتهم بالفيروس، حيث تتوجه دوريتان للشرطة والأمن لـ»اعتقالـ« المصاب، أو تقوم باحتجاز نساء في أماكن غير مناسبة، وحين اضطرت، إحدى هؤلاء المحجورات، للفرار طوردت أسرتها كمجموعة من الإرهابيين، وبعد وفاة بعض المصابين ووجه أهاليهم برفض بلديات لدفنهم في مقابرها، فاجتمع بؤس المرض مع قمع السلطات.

لقد أجّل الوباء، مؤقتا، الحراك، لكنه لم يؤجل الحساب.

المصدر | القدس العربي