السبت 28 مارس 2020 03:41 م

لن ينجو أي جزء من العالم من تداعيات جائحة فيروس "كورونا"، ومع أن الصين وإيطاليا كانتا أول من تضرر بشدة، فهذا لا يعني أن العبء الأكبر من الضرر سيكون من نصيبهما في نهاية المطاف.

ففي الواقع، هناك سوابق تاريخية كثيرة تشير إلى أن الدول التي تقع على هامش الاقتصاد العالمي هي الدول الأكثر تضررًا، و التي تتحمل في الأغلب الجزء الأكبر من الوفيات في الجائحة.

الاضطراب المحتوم

قد يكون الوقت مناسبا لتحديث القول المأثور: "عندما تعطس أمريكا، يصاب العالم بالبرد"، لتصبح النسخة المناسبة لمنتصف القرن الحادي والعشرين هي: "عندما تسعل الصين، تعاني أفريقيا من فشل الدولة".

نعيش في زمن يتسم فيه النظام الدولي باضطراب دائم وتراجع في القيادة العالمية؛ وسيزيد الفيروس من هذه التوجهات الموجودة مسبقًا.

في الأوضاع الطبيعية، يعتبر توقع سلسلة السببية غير المباشرة أمرًا صعبًا للغاية. أما في هذه الحقبة فهي تجمع بين ذروة ما لا يمكن التنبؤ به مع آثار ذروة الترابط بين مناطق العالم.

تعتمد دول شمال أفريقيا على أسعار السلع العالمية، والسياحة، والدعم السياسي والنقدي من أوروبا والخليج، حيث تتقاطع هشاشة النظام مع بطالة الشباب والحركات الراديكالية.

تفتقر اقتصادات شمال أفريقيا للتكامل مع بعضها البعض، ولكن المهاجرين والجهاديين والعمال يعبرون المنطقة بسلاسة.

ومع امتداد دوامات تأثير فيروس "كوفيد-19" إلى نطاق أوسع من ووهان، يمكننا أن نتنبأ، استنادًا للتاريخ، بتأخير كبير قبل أن تشعر المناطق الأقل عولمة بالقوة الكاملة لتأثيرات الفيروس.

فقد غيرت هجمات 11 سبتمبر/أيلول والأزمة المالية للكساد الكبير في 2008-2009 وجه العالم، وعلى الرغم من أن هناك مناطق معينة من العالم أو قطاعات من الاقتصاد بدت كأنها لم تتأثر على الفور بتلك الأحداث، إلا أنها واجهت بالفعل اضطرابات أكثر عمقًا في وقت لاحق.

كانت اقتصادات شمال أفريقيا في البداية معزولة للغاية عن انهيار سوق الأسهم والانخفاض في حجم التجارة الناتج عن الركود الكبير في 2008-2009.

ومع ذلك، فهناك أبحاث تشير إلى أن الركود العظيم أدى إلى تفاقم التدهور المتزايد في بطالة الشباب في تلك المنطقة، ليغذي ثورات الربيع العربي في 2011.

استجابة حكومات شمال أفريقيا

يختلف فيروس "كورونا" عن الذعر المالي العادي في أنه يجبر الحكومات على فرض الحجر الصحي على المواطنين، وإدارة أزمة الرعاية الصحية المعقدة على مستوى المجتمع مع تحديد كيفية توزيع الموارد النادرة دون التعرض لخطر الاضطرابات الاجتماعية.

هناك مؤشرات مبكرة على أن أنظمة شمال أفريقيا تحاول التعلم من إخفاقات إيران لتجاوز الجائحة. فمثلًا؛ تتبع السلطات المصرية إرشادات مراكز مكافحة الأمراض ومنظمة الصحة العالمية من خلال فرض حظر التجول وإغلاق الأعمال غير الضرورية. كما أنشأ قطاع الأعمال مجموعة من خيارات الاستشارة الهاتفية للشباب الذين يعانون من الاكتئاب بسبب العزلة الاجتماعية.

أما المغرب وتونس فتقومان بتمويل جماعي لتحديث أنظمة الرعاية الصحية، وحتى حكومة الوفاق الوطني الليبية المعروفة بضعفها، أعلنت عن إجراءات للحد من السفر وزيادة الوعي.

وبالرغم من ذلك، تورطت هذه الحكومات في عدم الإبلاغ عن أعداد الحالات، كما أنها فرضت الإجراءات الوقائية بعد فوات الأوان.

ولكن يبدو أن حكومات شمال أفريقيا تستمتع بهذه اللحظة مع ترجيح كفة الانتصارات على الخسائر، متفاخرة على "تويتر" بأعدادها الصغيرة نسبيًا من الحالات المؤكدة.

استقرار قصير مؤقت

ومع ذلك، فإن أزمة "كورونا" تعتبر سيفا ذا حدين بالنسبة لتلك الحكومات، فقد تزيد من الاستقرار على المدى القصير، لكنها ستتسبب في تآكله على المدى المتوسط.

فمن ناحية، تجبر الجائحة المواطنين ضمنيًا على الاعتماد على قادتهم، وحتى الإذعان لهم في بعض الأحيان، وهذا يناسب الجزائر بشكل خاص، بعد مرورها بمرحلة انتقالية قسرية وأكثر من عام من الاحتجاجات الشعبية الضخمة المستمرة. وكما هو متوقع، كان الخوف من فيروس "كورونا" بمثابة ناقوس الموت لهذه الاحتجاجات.

حتى في ليبيا التي مزقتها الحرب، قلل الفيروس بالفعل من شحنات الأسلحة وتدفقات المرتزقة، وينشغل الجانبان نسبياً بضرورة فرض حظر التجوال، متجاهلين الدعوات الدولية المستمرة لوقف إطلاق النار الإنساني.

لكن الصراع احتدم بهجوم جديد على محور "عين زارة" أطلقته القوات التابعة للجنرال "خليفة حفتر" في 23 مارس/آذار.

ومع ذلك، فإن القلق العالمي من الوباء خلال الأشهر القادمة سيجعل من الصعب جدًا على رعاة أي من الفصيلين المتحاربين، تسليم ما يكفي من الأسلحة والمدربين للسماح لوكلائهم بتسديد ضربة قاضية في أي وقت قريب.

ببساطة، يجعل الفيروس الجمود الذي طال أمده على الخطوط الأمامية لجنوب طرابلس أكثر قابلية للاستمرار.

من ناحية أخرى -مع استثناء جزئي لتونس الديمقراطية الجديدة- فإن أنظمة شمال أفريقيا هي من بين الأقل استعداداً لتوجيه استجابة متماسكة على انقضاض الفيروس الذي لا مفر منه.

تواجه هذه الأنظمة صعوبة في تلبية الاحتياجات الأساسية نسبيًا مثل الكهرباء والتعليم، وستتسبب الاستجابة المضطربة للجائحة في إثارة المزيد من السخط الشعبي.

هناك بالفعل اتهامات بالتربح على نطاق واسع، حيث تواجه الحكومة المصرية اتهامات بالتلاعب بالأسعار إزاء العمال الضعفاء الذين يسعون إلى الحصول على اختبارات لـ"كوفيد-19".

علاوة على ذلك، من المحتمل أن يكون الانخفاض الكبير في أسعار النفط مدمرًا على المدى المتوسط ​​للجزائر وليبيا، ومن المحتمل أن يشمل ذلك أيضًا مصر، حيث سيؤثر تدريجيًا على الاستثمار في مشروعات غاز شرق المتوسط والتحويلات من الخليج.

مستقبل الأنظمة

وبالتالي، من المحتمل أن نشهد استقرارا قصير المدى في الجزائر ومصر (وربما حتى في ليبيا) يليه ارتفاع خطير في السخط الشعبي على المدى المتوسط ​​عندما ينحسر الوباء.

إذا رأت الشعوب أن تعامل حكوماتها مع فيروس "كورونا" غير كفء (كما رأينا في إيران)، فقد نرى في وقت مبكر يبدأ من منتصف عام 2021 شمال أفريقيا وهو يشهد زمنًا صعبا.

يمكننا أن نرى حتى موجة من الاحتجاجات الشعبية تتزامن تقريبًا مع الذكرى السنوية العاشرة لأحداث الربيع العربي.

باختصار، فإن المسرح مهيأ تمامًا لفيروس "كورونا" ليسبب اضطرابات درامية في شمال أفريقيا، على الرغم من وصوله المتأخر.

لا ينبغي لأحد أن يتوقع أن تعتمد هذه الأنظمة بشكل استباقي إصلاحًا حقيقيًا تحت أي ظرف من الظروف، سواء لدى جنرالات الحرب في ليبيا، أو الأوليجارشية في الجزائر، أو الديكتاتورية العسكرية في مصر.

لقد أعطى هؤلاء القادة الأولوية دائمًا للحفاظ على سلطتهم الشخصية قبل رفاهية مواطنيهم على المدى الطويل.

في الماضي، كانت الحكومات الإقليمية تجتمع لديها عوامل المال والشرعية التاريخية والجيش المحترم والخوف من معارضة جهادية راديكالية، التي تضمن القبول الشعبي حتى في الأوقات العصيبة، لكن مثل هذه المقومات أصبحت من الماضي.

اختفى المال والشرعية وسمعة الجيش والقيادة الكاريزمية منذ الربيع العربي، ومن غير المرجح أن تعمل هذه الأنظمة الهشة على تخفيف حدة التوترات بذكاء، وقد يسعون إلى إثارة العنف مع الخصوم المحليين لتبرير حملة قمع المعارضة وإجبار المؤيدين الأجانب على مساعدتهم.

قد تتدخل الجزائر أو مصر مباشرة في الحرب الأهلية الليبية لتركيز انتباه جماهيرها إلى الخارج، وقد تنقسم النخب، مما يؤدي إلى محاولات انقلاب من قبل أولئك الذين يسعون إلى الإصلاح الشامل.

نظرة على الخليج

النتيجة الأكثر ترجيحًا هي أن الأنظمة ستواصل القيام بما فعلته على مدى السنوات العديدة الماضية: التطلع إلى الإمارات والسعودية للحصول على خطة إنقاذ.

ومع ذلك، ففي عام 2021، ستواجه هاتان الدولتان الخليجيتان مشاكلهما الخاصة بالميزانية، حيث يعد من شبه المؤكد أن أسعار النفط ستبقى دون نقطة التعادل.

ولا تزال دول الخليج تملك ما يكفي من المال لدعم وكلائها في الجزائر وليبيا ومصر لبضع سنوات، ولكن هل ستقبل شعوبها هذا الخيار عندما تكون آفاقهم الاقتصادية باهتة إلى حد كبير؟.

إن تقديم العطاء السخي المستمر لوكلائهم في شمال أفريقيا دون استخدام هذه الأموال لتنفيذ إصلاحات ذات مغزى، سيضعف نفوذ الإمارات والسعودية بمرور الوقت، ولن يحسن أوضاع وكلائهم في ذات الوقت.

ومع ذلك، تخبرنا السوابق التاريخية أن هذا النهج القديم هو ما سيتبناه كل من الوكلاء ورعاتهم.

ماذا يمكن لأمريكا أن تفعل؟

لن تفعل الولايات المتحدة شيئًا يذكر للتأثير على هذه القرارات، إذ لم تعد تتصرف كقوة مهيمنة عالميًا، حيث سعت الإدارات الحالية والسابقة إلى الانسحاب من الشرق الأوسط بشكل عام، مع تفويض صنع السياسة في شمال أفريقيا إلى الأوروبيين بشكل خاص.

ومع ذلك، يمكن للولايات المتحدة أن تمنع شيئين بشكل بنّاء وبتكلفة محدودة للغاية، وهما انهيار الحكومة التونسية واستيلاء الجنرال المارق "خليفة حفتر" على طرابلس.

تواجه تونس رياحاً معاكسة، لكنها على الأقل تحاول التطلع إلى المستقبل والتكيف بشكل بناء بما يتماشى مع إرادة شعبها.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للولايات المتحدة استخدام نفوذها الكبير وانخفاض أسعار النفط للحد من التدخلات الجارية لدولة الإمارات في شمال أفريقيا، إذ إن التدخل العسكري الإماراتي في ليبيا هو السبب الرئيسي الذي يجعل "حفتر" في وضع يمكنه من مواصلة الضغط على طرابلس. وبالمثل، تسمح الأموال الإماراتية والسعودية للنظام المصري بتجنب أي نوع من إصلاحات السوق.

بشكل أساسي، يجب أن تدرك أمريكا أن الأنظمة الجامدة الفاسدة والقمعية الموجودة حاليًا في السلطة في معظم دول شمال أفريقيا ليست متوافقة مع المستقبل، ويجب أن تكون سوريا دليلاً كافياً على أن السماح بانهيار الأنظمة ببساطة ليس ضماناً لمستقبل أكثر إشراقاً.

قد لا ترغب الولايات المتحدة في تعزيز نفسها في المنطقة الآن، ولكن التخطيط للتحديات الرهيبة التي من المقرر أن تظهر بعد الوباء، أمر براجماتي جدًا.

قد لا تمتلك الحكومات الإقليمية رؤية لمستقبلها الخاص، ولكن لا يوجد عذر للولايات المتحدة لتكون مثلها وتعتبر أن الغد لن يأتي أبدًا.

يجب على أمريكا أن تخطط لكيفية دعمها لهذه البلدان في عمليات انتقال منظمة للسلطة بعيداً عن المستبدين غير الأكفاء.

قد ينفجر ربيع عربي ثاني نتيجة لموجة مفاجئة من فشل الدولة والبطالة عبر شمال أفريقيا في أعقاب الجائحة. وبالرغم أن ذلك ليس بالضرورة أن يحدث، فمن المؤكد أنه قابل للتوقع وليس مستحيل الحدوث.

المصدر | جيسون باك ونيت ميسون - ميدل ايست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد