الأحد 29 مارس 2020 11:24 ص

يصادف هذا الشهر الذكرى الخامسة للصراع في اليمن. لم يتراجع العنف بعد، وأصبح المستنقع أكثر تعقيدًا. ويبدو أنه لا يمكن إيقاف الصراع ولا يمكن التنبؤ بنهايته إلى حد كبير.

مرت 5 سنوات بالضبط منذ تدخل التحالف السعودي الإماراتي عسكريا في الصراع اليمني لدعم الحكومة اليمنية في مواجهة صعود الحوثيين القوي في البلاد. وحتى الآن، لا تزال الحرب جارية ولا يمكن وقفها ويعتبر السلام بعيد المنال.

ألحقت الحرب خسائر فادحة بالناس مع مرور السنوات، مما خلف آلاف القتلى وملايين المشردين المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية. وصفت الأمم المتحدة الوضع في اليمن بأنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم بسبب فشل جهود السلام وتفضيل الخيارات العسكرية.

اليوم، مع دخول حرب اليمن المدمرة عامها السادس، تستمر المواجهات المسلحة والغارات الجوية بلا هوادة. لم تتوقف موجات النزوح وتجري الاستعدادات لساحات المعارك من الجانبين على قدم وساق. إنها حرب لم يظهر فيها أي طرف علامات التعب أو الاستسلام.

يمكن القول إن البلاد تواجه سيناريو أسوأ إذا قورنت بعام 2015. في حين أن الشمال متورط في مواجهات متفرقة بين الحكومة والحوثيين، فإن الجنوب عالق في صراع مميت على السلطة بين الحكومة والانفصاليين الجنوبيين.

تسبب القتال العنيف في إحداث دمار في محافظة الجوف شمال اليمن في مطلع هذا الشهر، وانتهى باستيلاء الحوثيين على مدينة الحزم التي كانت تسيطر عليها القوات الموالية للحكومة ورجال القبائل الموالين لها. وتم استئناف القتال في منتصف مارس/آذار في بعض مناطق المحافظة، مما أسفر عن مقتل 35 مقاتلاً من الجانبين.

انتصر الحوثيون على خصومهم في منطقة نهم بصنعاء وحزم الجوف. وهذا يمكن أن يشجعهم على الدفع باتجاه مأرب، وهي مقاطعة غنية بالنفط والغاز. ومن المرجح أن تستمر المعركة.

زار مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى اليمن "مارتن جريفيث" مأرب للمرة الأولى في 7 مارس/آذار في أعقاب سقوط مدينة الحزم على يد الحوثيين. ودعا إلى تجميد فوري للأعمال العدائية.

وأشار "جريفيث" إلى أن الأمر بين خيارين إما القيام بإسكات الأسلحة واستئناف العملية السياسية، أو الانزلاق مرة أخرى إلى صراع ومعاناة على نطاق واسع، سبق أن حدث في مأرب. لكن تحذير "جريفيث" لم يتم الاكتراث به حيث لم تتوقف الفظائع.

ويمكن أن يمتد القتال إلى مقاطعات مأرب، مثل صرواح، وقد تؤدي المعركة من أجل هذه المقاطعة الاستراتيجية إلى مأساة أخرى بالنظر إلى أن كلا الجانبين مدجج بالسلاح ومستعد للقتال حتى آخر نفس. وإذا انتزع الحوثيون السيطرة على المدينة، فقد يعني هذا أن الحكومة اليمنية في الشمال قد تم القضاء عليها في نهاية المطاف.

تظهر صورة قاتمة أخرى ذات نتيجة غير مؤكدة في محافظة الحديدة حيث حدث تصعيد في الأيام القليلة الماضية مما قد يمهد الطريق لحرب شاملة. لن تضر العواقب بسكان الحديدة فحسب، حيث سيتحمل ملايين الناس في شمال اليمن أيضاً وطأة التداعيات. تعد موانئ الحديدة شريان حياة حيوي للإمدادات وتدفق المساعدات الإنسانية وقبل كل شيئ 80% من واردات الغذاء.

وقعت أطراف النزاع على اتفاق سلام في ديسمبر/كانون الأول 2018 لتجنيب المدينة الحرب، لكن تنفيذه فشل حتى الآن ولايزال الوضع متوترا ومتفجرا. يقوم الجانبان بتعبئة قواتهما، استعدادا للحرب مع استمرار جهود السلام في طريق مسدود.

يبدو أن الأمم المتحدة غير قادرة على الضغط من أجل تنفيذ اتفاق في محافظة واحدة في اليمن، الأمر الذي يثير تساؤلاً حول كيفية إقناع الجانبين بالتوصل إلى حل شامل ومستدام للصراع في البلد بأكمله.

مثل الشمال، يعاني جنوب اليمن من مشاكل سياسية وعسكرية خطيرة. منذ عام 2017، أدى الصراع على السلطة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي إلى تفتيت الجنوب وزعزعة استقرار العديد من المحافظات الجنوبية الخالية من الحوثيين. وأدت الخطط المختلفة للأحزاب إلى تحطيم السلام في الجنوب وعرقلت التقدم نحو تسوية سياسية.

تحكم المجلس الانتقالي الجنوبي حرفياً بمحافظة عدن ولحج والضالع وأبين حيث يعتبر تواجد الحكومة شبه معدوم. تتمثل رؤية المجلس الانتقالي الجنوبي في استعادة الاستقلال عن شمال اليمن وأن يصبحوا دولة مستقلة مرة أخرى، مث ما قبل عام 1990. تعارض الحكومة اليمنية مثل هذا المخطط وهي حريصة على الحفاظ على وحدة اليمن. ومن الصعب سد مثل هذه الفجوة دون ضغوط وجهود إقليمية ودولية كبيرة.

نجح جيش التحالف بقيادة السعودية والإمارات في طرد الحوثيين من عدن والمناطق الجنوبية الأخرى في عام 2015، لكنه فشل في هزيمة الحوثيين في الشمال أو منع الاقتتال الداخلي في المحافظات الخالية من الحوثيين في الجنوب. لقد ولد هذا الفشل بُعدًا جديدًا للنزاع، أو ما وُصف بأنه حرب داخل حرب.

كان يمكن أن يكون نصف اتفاق أو أقل كافياً لإخماد لهيب الحرب في اليمن لو لم ينحرف التحالف عن هدفه الأساسي المعلن الذي أعلنه عند إطلاق عملية "عاصفة الحزم" في مارس/آذار 2015.

كان الهدف واضحًا: استعادة الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة في اليمن التي أطاح بها الحوثيون المتحالفون مع إيران. لكن الأولويات المتضاربة للتحالف حالت دون تحقيق ذلك. لم تتم إعادة الحكومة إلى السلطة ولا هزيمة الحوثيين.

كلّف الصراع المطول اليمن ثمناً باهظاً في كل جانب. فقد تم القضاء على النظام الصحي في البلاد على مدى السنوات الخمس الماضية. وقد انتشرت الأوبئة مثل "الكوليرا" و"حمى الضنك" وحصدت أرواح الآلاف. وتعطلت 50% من المرافق الصحية والبنية التحتية في اليمن بسبب الغارات الجوية للتحالف بقيادة السعودية والإمارات، ولذلك كانت الأمراض القابلة للعلاج مميتة.

في الآونة الأخيرة، مثّل انتشار فيروس "كورونا" العالمي تهديدًا كبيرًا لليمن. أدى الفيروس في البلدان التي تعتبر فيها النظم الصحية قوية ومتطورة مثل إيطاليا والصين وأمريكا إلى وفاة الآلاف، وإصابة آلاف آخرين. إن تفشي "كورونا"  في هذه الدولة التي مزقتها الحرب سيكون غير قابل للإدارة ولا يمكن السيطرة عليه. 

في الوقت الحاضر، يبدو المجتمع الدولي والأمم المتحدة وحتى التحالف بقيادة السعودية والإمارات عاجزين عن فرض نهاية للحرب المدمرة في اليمن.

وكما اعترف "جريفيث" في بيان صدر مؤخراً، قائلا إن "قرار مواصلة الحرب هو قرار الأطراف. لا يمكن تحقيق السلام إلا عندما تتخذ الأطراف القرار المسؤول أولاً وإلقاء السلاح".

يبدو من غير المحتمل أن تتخلى الأطراف المتحاربة عن أسلحتها في أي وقت قريب ولا يزال الطريق إلى السلام طويلاً. لاتزال نهاية النزاع غير متوقعة، ولكن ما يمكن توقعه هو أن السنة السادسة من الحرب في اليمن ستحمل المزيد من العنف والمعاناة الإنسانية.

المصدر | خالد الكريمي - إنسايد أرابيا- ترجمة وتحرير الخليج الجديد