الثلاثاء 31 مارس 2020 03:34 م

أثار قرار الصومال طرد البعثة التعليمية المصرية من على أراضيها بدعوى تورط المسؤولين عنها في عمليات تمس العلاقات بين أديس أبابا وجيبوتي تساؤلات كبيرة حول أسرار تراجع الحضور المصري في القرن الأفريقي، والريبة المتزايدة لدى دول المنطقة تجاه القاهرة.

ومما زاد من حدة التكهنات أن هذا القرار جاء بعد أيام فقط من تصريح وزير الخارجية الإثيوبي، "جيدو أندارجاشيو"، الذي أكد فيه أن "كلا من الصومال وجيبوتي اعتذرتا عن دعم موقف مصر في أزمة سد النهضة".

ويحمل تراجع كل من الصومال وجيبوتي (دولتين عربيتين) عن دعم حق مصر التاريخي في مياه النيل، إشارات لا يمكن تجاهلها حول فقدان مصر تأثيرها ونفوذها في القارة السمراء، وفي القرن الأفريقي تحديدا.

  • منطقة استراتيجية

تضم منطقة القرن الأفريقي 6 دول، من بينها 3 دول عربية (الصومال والسودان وجيبوتي)، إضافة إلى إريتريا وكينيا وإثيوبيا.

وتتمتع المنطقة الواقعة على رأس مضيق باب المندب من الساحل الأفريقي، بمكانة استراتيجية متميزة؛ كونها تطل على خليج عدن، وتشرف على مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويمر من خلاله 12% من حركة التجارة العالمية.

ويمر حوالي 3.8 ملايين برميل من النفط يوميا عبر باب المندب، كما تعبره سنويا 21 ألف سفينة؛ لذلك ظلت منطقة القرن الأفريقي عبر التاريخ مطمعا للقوى الاستعمارية، ومحطة للقواعد العسكرية.

وتضم المنطقة حاليا قواعد عسكرية لكل من الولايات المتحدة وفرنسا والصين واليابان والسعودية والإمارات وعدد من دول الاتحاد الأوربي وتركيا وحتى (إسرائيل).

  • حضور مصري ضعيف

على الرغم من أهمية المنطقة الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية لمصر، فإن القاهرة ابتعدت عن دولها ولم تعد تتمتع بتأثير قوى.

وينحصر الدور المصري اليوم في تقديم مساعدات إنسانية، من آن لآخر، لبعض تلك الدول، مع حضور ضئيل نسبيا في المشروعات التنموية مقارنة بباقي القوى الإقليمية.

وفي فبراير/شباط 2019، أعلنت الخارجية المصرية عن خطط لإقامة منطقة حرة لوجيستية مصرية في جيبوتي؛ بهدف إنعاش اقتصاديات دول منطقة القرن الأفريقي، وجذب الاستثمارات المصرية لجيبوتي، فضلا عن زيادة التبادل التجاري بين دول المنطقة.

كذلك تقوم "الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية" بتقديم خدمات تدريبية لدول القرن الأفريقي في مجالات الصحة والطاقة والدبلوماسية، إضافة إلى تبني مبادرات لتعزيز الصحة العامة في القارة كمبادرة علاج مليون أفريقي من فيروس "سي"، وتوفير التطعيمات المختلفة في الدول الأفريقية، وإيفاد القوافل الطبية.

وتقدم مصر دعما مكثفا لإريتريا في مجالات الزراعة وتنقية المياه والطاقة والصرف، لكن مع انتهاء حالة الحرب بين إثيوبيا وإريتريا، خسرت القاهرة ورقة ضغط هامة على أديس أبابا.

وفي مقابل الدور المصري الضعيف نسبيا، دفعت دول إقليمية ودولية، مثل الإمارات وتركيا وإثيوبيا، على سبيل المثال، باستثمارات اقتصادية ضخمة في تلك المنطقة، وأقامت بها مشروعات عملاقة، وعززت تواجدها بمشروعات خدمية (مدارس، مستشفيات)، وكثفت من أنشطة التبادل التجاري والتعاون العسكري.

وعلى الرغم من رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي، العام الماضي، فإن القاهرة لم تستطع تعزيز نفوذها في القارة السمراء، التي تراجعت أهميتها على أجندة صانع القرار المصري، منذ سنوات، لصالح العلاقات مع دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة.

  • أسباب التراجع

خلال العقود الأخيرة، وتحديدا منذ عهد الرئيس المصري الراحل "محمد أنور السادات"، بدأ الدور المصري في القرن الأفريقي، وفي القارة بشكل عام، في الانكماش والانحسار تدريجيا.

وتعاني مصر، فقدانا واضحا لقوتها الناعمة المتمثلة في البعثات الأزهرية والطبية والشركات الاستثمارية والفعاليات المدنية والمجتمعية الأخرى.

وتفاقم الغياب السياسي والاقتصادي مع انسحاب شركات مصرية عملاقة أشهرها "النصر للتعدين"، و"النصر للاستيراد"، و"مصر للاستيراد والتصدير"، التي كانت تروج للمنتجات المصرية بواسطة أكثر من 52 مكتبا داخل القارة، خلال فترة الستينات من القرن الماضي.

اللافت أيضا أن قضايا التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب تسيطر على المنظور المصري في التعامل مع دول تلك المنطقة، وكذلك على زيارات المسؤولين والدبلوماسيين المصريين؛ ما أفقد القاهرة ديناميكية التأثير في بلدان تحتاج إلى الاقتصاد والاستثمار كأولوية أولى.

  • تفوق إثيوبي

وفي الوقت الذي يتراجع فيه دور مصر، تبرز إثيوبيا كلاعب مؤثر وفاعل على مختلف المستويات، وهو ما ظهر بوضوح في تدخل رئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد على" في الأزمة السودانية؛ لينجح في وضع خارطة طريق لفترة حكم انتقالي تنتهي بتسليم السلطة إلى المدنيين.

وانتهج "آبي أحمد" سياسة تصفير المشاكل مع دول القرن الأفريقي، وقام بإجراء مصالحة تاريخية مع الجارة إريتريا، ومصالحة سياسية مع مقديشو، وقدم استثمارات كبيرة في 4 موانئ بحرية رئيسية في الصومال.

وترتبط إثيوبيا أيضا مع جيبوتي عبر خط سكة حديد بطول 750 كم، وتكلفة 3.4 مليارات دولار، تم إنشاؤه بتمويل صيني. فيما يعتمد ميناء جيبوتي بشكل رئيسي على حركة البضائع من وإلى إثيوبيا، وهو ما يفسر انحياز جيبوتي إلى أديس أبابا في ملف سد "النهضة".

كذلك تدعم أديس أبابا، نيروبي، في مشروع ضخم للبنية التحتية يربط بين إثيوبيا وجنوب السودان وميناء لامو الكيني الشهير، وهو مشروع يشمل 6 محاور لوجيستية ضخمة تشمل تطوير الموانئ، وبناء طرق إقليمية سريعة، وخطوط أنابيب لنقل النفط الخام، وسكك حديدية، وعدة مطارات دولية.

الخلاصة أن إثيوبيا تقود حاليا تفاعلات منطقة القرن الأفريقي، بل وتتحكم في البوصلة السياسية والاقتصادية لبلدان المنطقة بدرجة كبيرة؛ كونها تعتبر دول شرقي أفريقيا منطقة نفوذ خاصة، وطوق نجاة لها مع افتقادها لأي منافذ بحرية، وقاعدة دعم سياسي لا تقدر بالثمن في مواجهة مصر التي تعاني من تراجع حقيقي في الحضور وانحسار واضح في النفوذ.

المصدر | الخليج الجديد