الخميس 2 أبريل 2020 01:55 م

"الدولة الصغيرة التي أسعفت إسرائيل الكبرى".. هكذا تحدث الكاتب الإسرائيلي، والمحلل الأمني لدى موقع "ميدل ايست آي" البريطاني، "يوسي ميلمان" عن دور الإمارات في دعم دولة الاحتلال في مواجهة أزمة فيروس "كورونا" الجديد.

وفي حين أن أبوظبي لم تقدم أي دعم لدول المنطقة العربية التي يعاني بعضها من أزمات وشيكة في توفير المستلزمات الطبية اللازمة لمواجهة الفيروس، فإنها قررت إرسال إمداداتها إلى دولة الاحتلال للمساعدة في احتواء الفيروس.

ولا شك أن التعزيزات الطبية المرسلة من أبوظبي إلى تل أبيب، تكشف جانبا مهما من الشراكة بين الطرفين، والتي تطورت من مجالات الاستخبارات والتجسس والتعاون الأمني، إلى التعاون السياسي، والاقتصادي، والرياضي.

حضور استخباراتي

ووفقا لتقارير صحفية، فإن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، (الموساد)، هو الذي يدير أزمة تفشي فيروس "كورونا" الذي أصاب أكثر من 6000 شخص، وتسبب في 30 حالة وفاة في (إسرائيل).

ويقدر خبراء اقتصاد، حجم خسائر الاحتلال الإسرائيلي نتيجة تفشي فيروس كورونا، بـ45 مليار شيكل (12.9 مليار دولار).

وقبل أيام، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، الإسرائيلين إلى البقاء في بيوتهم، قائلا في خطاب متلفز، إن "هذا الأمر لم يعد اختياريا، بل ستفرضه سلطات إنفاذ القانون".

ويعمل الموساد على سد النقص المريع في المعدات الطبية داخل (إسرائيل)، وتوفير أجهزة الكشف المطلوبة، والمعدات الوقائية، وسط انتقادات لحكومة "نتنياهو" بالإهمال بسبب القصور المتراكم في القطاع الطبي.

وكشفت وثيقة منسوية لوزارة الصحة الإسرائيلية، في وقت سابق، عن أن 50 جهاز تنفس فقط، هي ما تبقى في مخازن الطوارئ لديها، بعدما وزعت العشرات من تلك المعدات على مستشفيات في أنحاء (إسرائيل).

وتملك (إسرائيل) نحو ثلاثة آلاف جهاز تنفس صناعي، إلا أنها تخشى نقصا حادا في هذه الأجهزة الحيوية في حال استمر تزايد أعداد المصابين بـ"كورونا".

لذلك كان تكليف رئيس الموساد "يوسي كوهين" بالحصول على أدوات فحص "كورونا" مثيرا للانتقادات والتساؤلات بشان غياب دور الأجهزة المعنية بالصحة، لكن الرهان على جهاز استخباراتي قوي له سمعته حول العالم، كان ناجعا ومؤثرا.

لاحقا، وجه مدير عام وزارة الصحة الإسرائيلية "يوسي سيمانطوف"، الشكر لكل من "الموساد"(الاستخبارات الخارجية) و"الشاباك"(جهاز الأمن العام) على ما قاما به في مجال سد النواقص.

وتفيد تقارير عبرية، بتمكن الجهاز من الحصول على دفعة أولى تشمل، 100 ألف جهاز للكشف عن فيروس "كورونا"، و20 ألف وحدة فحص مخبري، و27 ماكينة للتنفس الاصطناعي، و10 ملايين كمامة جراحية و700 بدلة طبية لطواقم سيارات الإسعاف.

ومن المتوقع، وفق تقارير عبرية، وصول تعزيزات إماراتية جديدة تشمل 180 ماكينة تنفس جديدة، ومعدات ومستلزمات طبية أخرى، حيث تستهدف (إسرائيل) إجراء 3 آلاف عملية فحص يوميا على أن يرتفع الرقم إلى 10 آلاف في اليوم خلال أسبوعين.

علاقات وثيقة

التعاون الإماراتي الإسرائيلي تحت ستار مكافحة "كورونا"، ليس وليد اللحظة، لكنه يعد ثمرة لشراكة تتبلور في الخفاء منذ سنوات، وعلاقة وثيقة تشمل العديد من الملفات الحيوية.

ويحتفظ جهاز الموساد تحديدا بعلاقات جيدة مع العديد من الدول العربية والخليجية، وبخاصة الإمارات، في مجالات تبادل المعلومات، والتجسس، ومكافحة الإرهاب، وهو أمر بدا جليا في عملية اغتيال "محمود المبحوح"، العضو القيادي في حركة "حماس"، بأحد فنادق دبي، يناير/كانون الثاني 2010.

وتقول وسائل إعلام عبرية، إن التحالف بين أبوظبي وتل أبيب بدأ قبل 20 عاما وشمل تعاونا أمنيا، دبلوماسيا، واقتصادياً واسعا، لكنه أحيط بغلاف قوي من السرية.

وتحتفظ الخارجية الإسرائيلية، منذ العام 2015، بتمثيل لها داخل أبوظبي، تحت ستار الممثلية الدبلوماسية لوكالة الأمم المتحدة للطاقة المتجددة "إيرينا"، التي تتخذ من العاصمة الإماراتية مقرا لها.

وكان من المقرر أن تشارك تل أبيب بجناح في معرض "إكسبو دبي 2020"، وعلى خلفية ذلك، زار المدير العام للخارجية الإسرائيلية "يوفال روتيم"، دبي، العام الماضي، والتقى مسؤولين إماراتيين لبحث الاستعدادات.

وفي 2019، زار وزير الخارجية الإسرائيلي، "يسرائيل كاتس"، أبوظبي، وشارك في مؤتمر الأمم المتحدة لشؤون البيئة، والتقى مسؤولا إماراتيا كبيرا، وطرح مبادرة للسلام الإقليمي.

كذلك أعلنت الإمارات عن موعد إنشاء أول معبد يهودي رسمي في البلاد والأكبر بالمنطقة، والذي من المقرر افتتاحه عام 2022.

إضافة إلى ذلك، كانت الفعاليات الرياضية والدينية، بوابة لتسريع وتيرة التطبيع بين البلدين، بشكل تزايدت معه التكهنات حول قرح افتتاح سفارة إسرائيلية على الأراضي الإماراتية.

خدمة جليلة

 ورغم أن الإمارات لم تعلن إلى الآن عن صفقة توريد المعدات الطبية إلى (إسرائيل)، فإنها لم تنف الأخبار المتداولة حولها، في وقت تتعرض فيه لانتقادات شديدة بسبب عدم تقديمها لمساعدات مماثلة للفلسطينيين، الذي يواجهون الوباء في قطاع غزة المحاصر. 

ويقول موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، إن الموساد حصل على مجموعات الاختبار من الإمارات العربية المتحدة، قائلا إن مصر أو الأردن من غير المرجح أن تقدما على مثل هذه الخطوة في ظل حاجتهما الداخلية الماسة إلى هذه المعدات.

وتأتي الخطوة الإماراتية، في وقت رفضت فيه المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل"، طلبا من "نتنياهو" بتزويد تل أبيب بأجهزة تنفس صناعي؛ في وقت تعاني فيه أوروبا من نقص شديد في هذه الأجهزة.

وترتبط الإمارات باتفاقية مع الصين تمنحها الأولوية في الحصول على احتياجاتها من المواد الطبية، لذا من المرجح أن أبوظبي لا تزال تمتلك مخزونات مرتفعة من معدات الوقاية.

لكن يبقى الأمر اللافت هو ما كشفته صحيفة "ماكور ريشون" العبرية بشأن امتلاء المخازن الإسرئيلية الآن بفضل العتاد الذي وفرته الإمارات لها، إلى درجة أن وزارة الصحة الإسرائيلية ربما توفر في بيع هذه المعدات إلى دول أخرى في المستقبل.

مقابل ذلك، قد تحصل الإمارات مستقبلا عن معدات تجسس متقدمة بحوزة "الموساد" الإسرائيلي، وقد يكون الثمن سياسيا وهو حصول أبوظبي على الدعم الإسرائيلي في ملفات حساسة في اليمن وليبيا ومنطقة القرن الإفريقي، وحصار قطر.

ولا يمكن إغفال، أهمية الخطوة في تعزيز موقف (إسرائيل)، التي تساوم حاليا "حماس" بتقديم مساعدات طبية لمواجهة "كورونا" داخل قطاع غزة، مقابل استعادة جنديين إسرائيليين فقدا أثناء الحرب على غزة عام 2014.

استغلت الإمارات إذن تفشي "كورونا" كبوابة لتقديم خدمات لا تقدر بثمن للاحتلال الإسرائيلي، سواء كانت صحية، أو استراتيجية، قاطعة بذلك المزيد من الخطوات في مسار التطبيع الكامل للعلاقات مع الدولة العبرية.

المصدر | الخليج الجديد