يبدو أن منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، المؤلفة من 14 عضوا، لن تحتفل هذا العام بمناسبة مرور 60 عاما على تأسيسها عام 1960، جراء انقسامات حادة بين أعضائها، عجلت بانهيار أسعار النفط إلى أقل من 20 دولارا للبرميل.

ويبلغ معدل ضخ "أوبك" 27.93 مليون برميل يوميا، وفق بيانات مارس/آذار الماضي، بزيادة 90 ألف برميل يوميا عن شهر فبراير/شباط الماضي.

وتهدف المنظمة إلى حماية مصالح الدول الأعضاء، والقضاء على التقلبات الضارة في أسعار النفط، وتحديد حصص الإنتاج للحفاظ على سوق نفطي مستقر، لكن هذه الأهداف ذهبت أدراج الرياح، مع اشتداد الحرب النفطية بين السعودية وروسيا.

وتضم منظمة "أوبك" كلا من "السعودية، العراق، الكويت، إيران، فنزويلا، ليبيا، الإمارات العربية المتحدة، الجزائر، نيجيريا، الإكوادور، الجابون، أنجولا، غينيا الاستوائية، الكونجو الديمقراطية".

وهناك عضوان سابقان هما، "إندونيسيا"، التي انسحبت العام 2008 بعد أن تحولت إلى دولة مستوردة، وقطر التي انسحبت مطلع العام 2019؛ للتركيز على صناعة الغاز الطبيعي.

وتوفر دول المنظمة نحو 43.5% من إنتاج العالم من النفط الخام، بينما تحتضن نحو 80% من إجمالي الاحتياطات العالمية الثابتة.

وتنتج دول المنظمة، أكثر من 30 مليون برميل نفط يوميا، وتساهم السعودية وحدها بنحو ثلث إنتاج "أوبك" (11 مليون برميل يوميا).

وتقتضي آلية صنع القرار في "أوبك" موافقة جميع الدول الأعضاء فيها، لكن السعودية تعد فعليا المسيطرة على المنظمة نتيجة لحصتها السوقية وقدرتها الاحتياطية، ما يجعلها المتحكم التاريخي في دفة الأسعار.

لاعب جديد

ومع ذلك، لم يعد باستطاعة "أوبك" وحدها التحكم في أسعار النفط في عالم اليوم، نظرا لوجود مصدرين كبار آخرين للخام خارج من المنظمة وفي مقدمتهم روسيا والولايات المتحدة..

وجراء انهيار أسعار النفط خلال الفترة ما بين عامي 2014، و2016، بدأ تشكل تحالف جديد بين "أوبك"، والدول المصدرة للنفط خارج المنظمة، والذي عرف لاحقا بـ"أوبك بلس"، ويضخ نصف الإنتاج العالمي.

وشمل التحالف، إضافة إلى دول أوبك، كل من "روسيا، المكسيك، البرازيل، النرويج، كولومبيا، كازاخستان، أذربيجان، إيران، سلطنة عمان".

بنهاية 2016، بات أعضاء هذا التحالف غير الرسمي المعروف باسم "أوبك بلس" يجتمعون بانتظام في أجواء هادئة، دون إضفاء صفة رسمية على هذا التحالف، الذي أعاد إلى "أوبك" بريقها، ومنح روسيا (تنتح 11 مليون برميل يوميا) نفوذا جديدا في سوق النفط.

وعلى مدار 3 سنوات، وتحديدا منذ 2017، مثل "أوبك بلس" قوة ضاربة قادرة على الحفاظ على أسعار مستقرة للنفط، وضمان سعر معقول للدول المنتجة قرب حاجز الـ60 دولارا للبرميل.

لكن مع مطلع العام الجاري، وبالتزامن مع أزمة فيروس "كورونا"، دب الخلاف بين السعودية وروسيا، حول خطط خفض إضافي لإنتاج النفط بنحو 1.5 مليون برميل يوميا، مع مد تخفيضات كان متفق عليها سابقا تبلغ 1.7 مليون برميل يوميا، ليصبح إجمالي الخفض 3.2 مليون برميل يوميا، حتى نهاية ديسمبر/كانون الأول 2020.

وقد رفضت روسيا في النهاية الالتزام بمقترحات الخفض السعودية الجديدة، وهو ما تسبب في انهيار "أوبك بلس" بشكل فعلي.

انهيار أوبك

وفق كبير المحللين في "بلومبيرج فيرست وورد"، فإن حرب النفط الدائرة حاليا، أثبتت أن السعودية لا تعبأ بشركائها في المنظمة، بعد أن تجاهلت مصالحهم ودفعت الأسعار إلى الهبوط.

ويرى كبير المحللين "جوليان لي"، أن "أوبك مفيدة للسعودية فقط عندما ترغب في استخدامها كورقة توت لزيادة أسعار النفط، والآن بعد أن أرادت الدفع بشركائها إلى الأسفل، أصبحت أوبك بالنسبة لها مجرد مصدر للإزعاج".

ومع عدم تمديد اتفاقية الخفض، وإعلان عدد من الأعضاء زيادة الإنتاج (السعودية، الإمارات)، فإن باقي أعضاء "أوبك" باتوا غير ملزمين بحصص الإنتاج السابقة، ما أفقد المنظمة نفوذها على الأسواق.

ويضر سعر الـ20 دولارا للبرميل بموازنات دول "أوبك"، بل ويكبدها خسائر فادحة، في حرب لم تكن طرفا فيها من الأساس، الأمر الذي يلقي بظلال قاتمة على مستقبل المنظمة، التي تدخل مرحلة ضعف وانقسام، وربما تعاني تفككا وانهيارا في المستقبل القريب.

ويصف "جوليان" ما يحدث بالقول، إن السعودية قامت بـ"إلقاء منتجي أوبك الأصغر إلى الذئاب"، وإن ضربتها الحالية غير المسبوقة للطلب على النفط تظهر تجاهلها الحقيقي لبقية أعضاء المنظمة.

خطة للخروج

ويرى محللون في هذا الصدد أن السعودية تدرس خطة للخروج من "أوبك" في الأجل القريب، وبالتالي التحرر من التزاماتها تجاه المنظمة وقراراتها.

وخلال العامين الماضيين، استكشفت الحكومة السعودية احتمالات تفكك "أوبك"، والتأثيرات المحتملة لذلك على أسواق النفط، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية.

ومنذ عامين، يقوم مركز أبحاث الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (مقره الرياض)، على دراسة تلك الاحتمالات، ضمن عملية إعادة تفكير أوسع بين كبار المسؤولين السعوديين حول "أوبك".

وتهدف الدراسة إلى تحديد الصورة التي سيبدو عليها سوق النفط العالمي والإيرادات السعودية في حالة اختفاء التنسيق بين الدول المنتجة، وهي النتيجة التي ظهرت حاليا لممولي الدراسة، بانهيار كبير في الأسعار، وتكبد المملكة خسائر فادحة جراء تلك اللعبة.

مقابل احتمالات تفكك "أوبك"، ليس مستبعدا - بعد حل الخلاف القائم - أن ينشأ تحالف دولي نفطي جديد، بين السعودية وروسيا، ما سيجعل كلا البلدين، يستحوذان على أكثر من 40% من سوق النفط، وهو تحالف من شأنه أن يسمح لهما بالتأثير وتحديد الأسعار.

ويتوافق هذا الخيار، مع المقترح الذي قدمته الرياض لموسكو، ويقضي بإنشاء منظمة نفطية جديدة بديلة لـ"أوبك"، وقوبل بالرفض من وزير الطاقة الروسي "ألكسندر نوفاك"، ديسمبر/كانون الأول 2018.

وحسب "وول ستريت جورنال"، فإن إيران والعراق والجزائر ونيجيريا وأعضاء آخرين رفضوا مقترح "أوبك الجديدة"، بسبب المخاوف من هيمنة الرياض وموسكو على السياسة النفطية.

وتقول تقديرات صادرة عن مركز "الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية"، أن حجم الاضطراب الحالي يفوق قدرة "أوبك" على إعادة موازنة الأسواق بمفردها، وأن "هناك حاجة ملحة إلى تعاون دولي أكبر".

ويبدي أحد كبار مفاوضي النفط الروس ورئيس صندوق الثروة السيادي الروسي، "كيريل دميترييف"، في تصريح لـ"رويترز"، توقعا آخر بزيادة عدد أعضاء "أوبك +"، ما يعزز إمكانية التوصل إلى اتفاق مشترك يعيد التوازن لأسواق النفط.

وتبحث دوائر أمريكة عددا من الأفكار بشأن الطريقة التي يمكن للولايات المتحدة أن تساهم بها في إدارة أسواق النفط العالمية، منها أن تشكل تحالفا نفطيا مع السعودية وروسيا (أكبر ثلاثة منتجين في العالم)، ما يجعل مصير النفط بيد الثلاثة الكبار.

إذن، تبقى "أوبك" رهينة بيد كبار المنتجين، وقد تكون ضحية لسياسة فتح الصنابير واقتناص الحصص السوقية، ما يعجل بتفككها، وربما انهيارها، أو تطورها في شكل جديد، في زمن يقترب فيه سعر جالون النفط، بشكل غير مسبوق، من سعر جالون من المياه.
 

المصدر | الخليج الجديد