الأحد 5 أبريل 2020 11:43 ص

أكد القادة الأوروبيون أن أداة دعم التبادل التجاري "إنستكس" قد أجرت أول معاملة لها مع إيران؛ تمثلت في تصدير سلع طبية من أوروبا.

وأظهرت ردود الفعل على هذه الخطوة تفاؤلا حذرا من قبل أولئك الذين يسعون إلى الحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران، حيث اعتبروا تفعيل منظومة "إنستكس" للتبادل التجاري مع إيران دليلًا على أن أوروبا قد تعيد تنشيط الجهود للحفاظ على الاتفاقية.

التقاعس الأوروبي

وسط هذا التفاؤل، من المفيد تذكر المفاهيم الأولية لـ"إنستكس"، لأنها تعكس مدى تقاعس أوروبا عن الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي ومواجهة آثار العقوبات الأمريكية التي أُعيد فرضها.

عندما أعلنت إدارة "ترامب" انسحابها من الاتفاق النووي مع إيران، سعت طهران وباقي الأطراف لتحديد ما إذا كانت "خطة العمل الشاملة المشتركة" يمكن أن تستمر بعد خسارة أحد أطرافها الرئيسيين.

في سبتمبر/أيلول 2018، عقدت أطراف الاتفاق النووي اجتماعًا وزاريًا لرسم مسار مستقبلي، بما في ذلك إيجاد وتفعيل حلول عملية للمشاكل الناشئة عن انسحاب الولايات المتحدة من جانب واحد من الاتفاق وإعادة فرض العقوبات التي تم رفعها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة.

في بيان وزاري مشترك، اعترفت أطراف خطة العمل الشاملة المشتركة بأن "رفع العقوبات، بما في ذلك توزيع الأرباح الاقتصادية الناشئة عن ذلك، يشكل جزءًا أساسيًا من خطة العمل الشاملة المشتركة".

لهذا السبب، رحبت الأطراف بالمقترحات العملية للحفاظ على قنوات الدفع وتطويرها، بما في ذلك "مبادرة إنشاء كيان ذي أغراض خاصة".

الكيان مصمم لتسهيل المدفوعات المتعلقة بصادرات إيران (بما في ذلك النفط) وكذلك الواردات، الأمر الذي سيساعد ويطمئن المؤسسات الاقتصادية التي تسعى لأعمال مشروعة مع إيران.

تم تأكيد هذا الغرض الواسع في ملاحظات مفوضة الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمنية، "فيديريكا موجيريني"، التي قالت - بعد هذا الاجتماع الوزاري نفسه - إن "الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ستنشئ كيانًا قانونيًا لتسهيل المعاملات المالية المشروعة مع إيران للسماح للدول الأوروبية بمواصلة التجارة مع إيران، وفقًا لقانون الاتحاد الأوروبي".

كانت الفكرة بسيطة: حيث سيعمل الكيان ذي الأغراض الخاصة كنظام مقايضة فعال يمكن لإيران في ظله تصدير نفطها إلى العملاء الأوروبيين في مقابل أرصدة لحسابها لشراء السلع والخدمات الأوروبية.

سيساعد ذلك على ضمان قدرة إيران على مواصلة التجارة مع أوروبا، مع تقديم مثال يحتذي به للبلدان الأخرى، بما في ذلك تلك التي تستورد كمية أكبر من النفط الإيراني، إذا كانت تسعى للحفاظ على التجارة مع إيران.

كان هدف الكيان هو طمأنة طهران بأنه يمكن أن تستمر في بيع نفطها.

لكن القادة الأوروبيين سرعان ما تخلوا عن الفكرة، في افتقار للإرادة السياسية لمواجهة الولايات المتحدة.

صرامة أمريكية بلا رادع

انخرطت إدارة "ترامب"، بعد علمها بالغرض المقصود من الكيان، في سلسلة من التهديدات، بما في ذلك -على سبيل المثال- نشر إرشادات تحذر الشركات الأوروبية المشاركة في نظام المقايضة من أنها ستخضع للعقوبات الأمريكية وسيتم استبعادها من الأسواق الأمريكية.

ولا توجد أهمية لرد أوروبي على ذلك خلف الأبواب المغلقة -إن كان قد حدث- حيث قوضت التهديدات الأمريكية إرادة الشركات التي كان بإمكانها المشاركة في الكيان، وذلك مع غياب رد أوروبي علنيّ.

وبدلاً من الحفاظ على الأرباح الاقتصادية لإيران بموجب "خطة العمل الشاملة المشتركة"، والتي وصفت بأنها مكون أساسي في الاتفاقية، قرر القادة الأوروبيون اقتصار الكيان على تسهيل التجارة غير الخاضعة للعقوبات بموجب القانون الأمريكي.

لكن إدارة "ترامب" استمرت في معارضة الكيان، محذرة أوروبا من أن أي وسيلة مبادلة يتم إنشاؤها مع الجانب الإيراني ستتم معاقبتها، وبالتالي ستخضع الشركات الأوروبية المشاركة في المبادلة للعقوبات الأمريكية.

تكهن البعض بأن المعارضة الأمريكية كانت قائمة على المخاوف بشأن إنشاء مثل هذه الآلية البديلة المصممة للعمل خارج النظام المالي الأمريكي، ولكن الدافع الحقيقي وراء غضب الإدارة الأمريكية هو خشيتها أن تقوض هذه الخطوة حملة "أقصى ضغط" التي تطبقها الولايات المتحدة.

تسبب العداء الأمريكي في تقليل طموحات القادة الأوروبيين لإنشاء الكيان، وبدلاً من تسهيل التجارة في السلع والخدمات غير الخاضعة للعقوبات مع إيران، سيقتصر الكيان الآن على تسهيل التجارة في السلع الإنسانية فقط.

فتور إيراني

تسبب هذا التراجع في فقدان الإيرانيين للكثير من الاهتمام، حيث كشفت أوروبا نفسها لإيران باعتبارها "طرفاً غير ضروري"، إن لم يكن غير ذي صلة تمامًا، في الاتفاق النووي.

ومع عجزها عن تعويض إيران عن انسحاب الولايات المتحدة من "خطة العمل الشاملة المشتركة" وعدم رغبتها في تحمل تبعات أي معارضة فعلية للعقوبات الأمريكية، قوبلت أوروبا ومشروعها بتجاهل شديد من إيران.

ولهذا السبب، فشلت "إنستكس"، التي تم تأسيسها في يناير/كانون الثاني 2019، في إجراء معاملة واحدة قبل تلك التي أُعلن عنها هذا الأسبوع.

ولم تظهر إيران حماسًا للمشروع منذ أن فقدت "إنستكس" غرضها الأولي، ولا ينبغي أن يكون ذلك مفاجأة.

هل تستغل إيران ذلك؟

السؤال هو ما إذا كانت إيران ستستخدم تسهيل "إنستكس" للتجارة معها، حتى لو كان ذلك فقط في السلع الإنسانية، كذريعة توضح للشعب الإيراني لماذا تواصل الالتزام ببعض القيود المفروضة على برنامجها النووي في مواجهة العداء الأمريكي والعجز الأوروبي.

قد لا تخدم "إنستكس" أي غرض اقتصادي فعلي لإيران، ولكن قد تستمر طهران في استخدامها كحجة للإبقاء على "خطة العمل الشاملة المشتركة" في الأشهر القليلة المتبقية قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

قد يكون هذا أحد الإيجابيات القليلة في أخبار هذا الأسبوع.

هناك إيجابية أخرى تتمثل في كون أوروبا -على الرغم من إخفاقاتها الواضحة- لا يزال بإمكانها استدعاء الوسائل السياسية لمقاومة العقوبات الأمريكية ومواجهة تأثيرها من أجل الحفاظ على الاتفاقية.

لن يحدث هذا مع القيود الحالية المفروضة على "إنستكس"، ولكن إذا تم توسيع المنظومة، أو أي كيان آخر ذي أغراض خاصة، لتحقيق الدافع الأولي لإنشاء "إنستكس"، فيمكن أن تشكل أوروبا تحديًا خطيرًا لإدارة "ترامب".

لطالما تعلق الأمر بالإرادة السياسية، وسيظل كذلك.

المصدر | تايلر كوليس | رسيبونسيبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد