الاثنين 6 أبريل 2020 01:29 م

أثارت صور الرفوف الفارغة في أوروبا مخاوف من حدوث خلل شديد في سلسلة التوريد، ما تسبب في مزيد من الشراء والتكديس.

وكشفت أزمة فيروس "كورونا" المستجد "كوفيد-19" عن نقاط ضعف استراتيجية في سلاسل التوريد، فهناك ضغط على سلاسل التوريد العالمية بشكل مفرط يجعل أي تعطل في إنتاج المكونات في شرق آسيا أو طرق التجارة في الشرق الأوسط يسبب اضطرابًا بالغًا في التصنيع في الغرب.

النظام والفوضى

مع انتقال مركز تفشي "كوفيد-19" من شرق آسيا إلى أوروبا، لم تعد المشكلة الآن مقتصرة على المورّدين في المنبع في الصين - والذين تضرروا بشدة من الحجر الصحي الإقليمي- وإنما شملت أيضًا المورّدين من قارة ترزح تحت الإغلاق العام.

تتطلب الشبكة المعقدة لسلاسل التوريد في أوروبا أن تكون الحدود مفتوحة، كما تتطلب ذهاب المصنعين المحليين والمزارعين وسائقي الشاحنات وعمال تفريغ السفن إلى العمل.

والآن بعد أن أصبحت هذه الشبكة تحت ضغط متزايد، تبدو كلمات المنظّر العسكري الصيني "صن تزو" حقيقية أكثر من أي وقت مضى: "إن الخط الفاصل بين الفوضى والنظام يكمن في اللوجستيات".

إذا نظرت لمنطقة الخليج في الوقت ذاته، تبدو أرفف المتاجر الكبيرة مليئة ويغيب سلوك الشراء المذعور على نطاق واسع.

وعلى نحو بارز، أثبتت قطر أنها صامدة على الرغم من أزمة "كوفيد-19" التي ضربت الدولة في وقت لا تزال فيه تحت حصار جوي وبري وبحري من قبل جيرانها منذ ما يقرب من 3 سنوات.

تجاوز العاصفة

ومع وجود عدد قليل من الممرات لجلب الإمدادات، تعلمت قطر كيفية تجاوز العاصفة، وتنويع سلاسل التوريد الخاصة بها، وتوطين الإمدادات عند الضرورة، ومراكمة احتياطيات استراتيجية، بشكل جعلها في المرتبة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشر "الإيكونوميست" للأمن الغذائي.

وعندما سحبت الأطراف المشتركة في الحصار (السعودية والإمارات ومصر والبحرين) سفراءها من الدوحة، أثناء أزمة الخليج الأخيرة في 2014، كانت قطر واحدة من أقل البلدان مرونة في المنطقة؛ إذ كانت حينئذٍ تستورد ما يقرب من 90% من إمداداتها الغذائية، والسلع الرئيسية الأخرى، وهو الرقم الذي انخفض بحلول عام 2017 بشكل طفيف إلى ما يزيد قليلاً على 80%.

عندما قررت السعودية والإمارات والبحرين فرض حصار على  قطر في يونيو/حزيران 2017، كانت الغالبية العظمى من واردات قطر تأتي بواسطة شاحنات عبر الحدود البرية الوحيدة مع السعودية، أو كان يتم نقلها عبر ميناء "جبل علي" في دبي، ولكن، بين عشية وضحاها، جفت سبل الإمداد هذه.

لم يكن من المفاجئ أنه في الشهر الأول من الحصار، انخفضت واردات قطر بنسبة 40% حيث سارعت الحكومة إلى الاستثمار في طرق تجارية جديدة - جوية في البداية - للحصول على الإمدادات الضرورية.

في حين كانت تأتي معظم واردات قطر من أو عبر جيرانها، أصبحت قطر الآن حرة في تنويع طرق التجارة وسلاسل التوريد، متحولة عن دول مجلس التعاون الخليجي إلى أكثر من 80 دولة في العالم.

كان افتتاح ميناء "حمد" في سبتمبر/أيلول 2017، على نفس القدر من الأهمية، فهو أكبر 14 مرة من سلفه "ميناء الدوحة"، ما سمح للسفن الأكبر بالرسو في ميناء قطر مباشرة دون الحاجة إلى نقل البضائع عبر الإمارات.

فتح ميناء "حمد" روابط جديدة مع تركيا وإيران وباكستان وعُمان وشرق آسيا، مما جعل قطر أكثر اكتفاء ذاتيا في سلاسل التوريد الخاصة بها، وارتفعت قطر في مؤشر "لينار شيبينج كونكتفتي" (الذي يقيس مدى ارتباط البلدان بطرق التجارة العالمية) من 9 نقاط في عام 2014 إلى 36 نقطة في عام 2019.

أعلى نصيب للفرد

في غضون ذلك، قامت قطر بتوسيع احتياطياتها الاستراتيجية من السلع القابلة للتلف والمنتجات الغذائية لتستمر لمدة 10 أشهر على الأقل.

ونظرًا لأن الاقتصاد الريعي في البلاد يُدار مركزيًا، يمكن لوزارة الاقتصاد والتجارة تثبيت أسعار السلع الاستهلاكية، وتجنب صدمات أسعار المواد الغذائية.

إن حقيقة أن قطر لديها أعلى ناتج محلي إجمالي للفرد في العالم تساعد بالتأكيد في مواجهة أي ضغوط على الإمدادات خاصة في ظل دعم سخي.

هناك عنصر آخر مهم في المرونة المتنامية لسلسلة التوريد في قطر؛ وهو توطين المصادر حيثما أمكن، ويتم الآن إنتاج مواد البناء والإمدادات الغذائية وغيرها من الضروريات اليومية بشكل متزايد محليًا.

في غضون 18 شهرًا من عام 2017، انتقلت قطر من إنتاج محلي للألبان يقدر بـ10% إلى اكتفاء ذاتي أكثر، وانتشرت خلال تلك الفترة قصة النقل الجوي لآلاف الأبقار إلى الدولة الصحراوية.

سرّع مخطط "امتلك مصنعك في 72 ساعة" الذي ترعاه الحكومة في بدء أكثر من 70 مشروعًا لتصنيع السلع الاستراتيجية محليًا، مثل الأسمنت والصلب والبلاستيك.

الدروس المستفادة من الحصار

في حين لا يزال بإمكان قطر فعل المزيد لتقصير سلاسل التوريد، وتوطين الإنتاج، وتعزيز طرق التجارة أكثر، فقد استفادت من دروس حصار 2017 ، ما هيأ الدوحة جيدًا لعالم مغلق.

يمكن تلخيص النظرة الاستراتيجية للدولة في إدارة سلسلة التوريد في تعليق أدلى به وزير المالية القطري عام 2017: "نحن شبه جزيرة، والآن نتصرف كجزيرة".

في أعقاب "كوفيد-19"، سيتعين على الجميع التشكيك في مرونة سلاسل التوريد والتفكير في ضرورة تقصيرها، حتى لو كان ذلك يعني دفع المزيد من المال في الوقت الحاضر.

وبالرغم أن أوروبا والولايات المتحدة ليس لديهما رفاهية دولة ريعية تدعم بشدة الإنتاج المحلي وتسعير السلع الاستهلاكية، فلا تزال حالة قطر تقدم دروسًا حول كيفية تنويع سلاسل التوريد وتوطينها خاصة في ظل أزمة صحة عامة مثل هذه.

المصدر | اندريس كريج | ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد