الخميس 9 أبريل 2020 03:26 م

من إيران إلى البحرين، ومن تونس إلى الجزائر، ومن إيطاليا إلى الولايات المتحدة، كان القاسم المشترك بين هذه البلدان هو إفراجها عن آلاف المعتقلين في السجون؛ خشية تفشي فيروس "كورونا" المستجد بينهم، وانتقاله بشراسة إلى المجتمع.

وعلى المنوال ذاته، سارت دول عدة، منها أفغانستان وإثيوبيا والسودان والنرويج، وسط دعوات حقوقية وجهت إلى دول عربية وخليجية أبرزها الإمارات؛ للإفراج عن المعتقلين السياسيين لديها.

وبلغ إجمالي عدد حالات الإصابة المسجلة بـ"كورونا" في الإمارات 2359 حالة، و12 حالة وفاة، بحسب وزارة الصحة الإماراتية، ولا يعرف إن كان بينهم سجناء أو معتقلون سياسيون.

كذلك لا يعلم أحد، على وجه الدقة، عدد المعتقلين في السجون الإماراتية، أو جنسياتهم، لاسيما وأن أبوظبي تمتلك سجونا سرية، داخل وخارج البلاد، وتحتفظ بمراكز احتجاز في اليمن، وغيرها.

سجون إماراتية

تحتضن الإمارات العديد من السجون، أبرزها سجن "الرزين" الذذي يصفه حقوقيون بأنه "جوانتانامو الإمارات"، ويصنف ضمن أسوأ السجون العربية، حيث يعد مقبرة للمعارضين السياسيين، منذ افتتاحه عام 2010.

ويقع السجن شديد التحصين في قلب إمارة أبو ظبي على بعد 215 كيلومترا داخل الصحراء، ويضم معتقلي القضية المعروفة إعلاميا باسم "الإمارات 94"، وبينهم عدد من المسؤولين الحكوميين السابقين والأكاديميين والنشطاء الحقوقيين الذين جرى اعتقالهم في مارس/آذار 2011 بعد تقدمهم بعريضة تضمنت دعوات للإصلاح السياسي في البلاد، تزامنا مع الربيع العربي.

وفي يوليو/تموز 2013 صدرت الأحكام بسجن 56 إماراتيا لمدة عشر سنوات، والسجن سبع سنوات لخمسة آخرين، فيما حكم على 8 مواطنين غيابيا بالسجن لمدة 15 سنة.

بالمثل هناك سجن "الوثبة" سئ السمعة الذي شهد وفاة المعتقلة "علياء عبدالنور"، بعد تعرضها للتعذيب وحرمانها من تلقي العلاج والرعاية الطبية اللازمة لها، مع كونها مريضة بالسرطان.

وكانت المعتقلة الراحلة تقبع في غرفة مظلمة بدون نوافذ أو تهوية، وتحت حراسة مشددة، مقيدة إلى سريرها، وفارقت الحياة في مايو/آيار 2019.

ويقع السجن على بعد 40 كيلو متراً شرق مدينة أبوظبي، وافتتح رسميا العام 1982، بطاقة استيعابية تبلغ 5000 نزيل و500 نزيلة، ويضم خليطا من جميع الجنسيات الموجودة في الإمارات.

كذلك، يضم سجن "الوثبة" بين جدرانه المعتقلة الطالبة "مريم البلوشي"، التي حاولت الانتحار سابقا، بعد إخضاعها مع السجينة "أمينة العبدولي" للحبس الانفرادي لثلاثة أسابيع على الأقل، وحرمانهما من الرعاية الطبية الكافية.

وهناك سجن "الصدر" سيء السمعة في أبوظبي أيضا، ويقبع بين جدرانه الحقوقي الإماراتي "أحمد منصور"، ويتلقى فيه السجناء وجبات من التعذيب والركل والضرب، مع تمييز في المعاملة حسب جنسياتهم، وترفض الإمارات السماح للخبراء الأمميين بدخوله، أو مراقبة الإجراءات التي تطبق بحق نزلائه.

وإلى جانب تلك السجون، وثقت تقارير غربية، في وقت سابق، وجود 18 سجنا سريا، على الأقل، في جنوب اليمن تديرها القوات الإماراتية أو قوات يمنية تشرف عليها الإمارات، بحسب "أسوشيتد برس".

انتهاكات جسيمة

وفي ظل استمرار تفشي فيروس "كورونا" حول العالم، يجتمع على السجناء في المعتقلات الإماراتية، مرارة السجن والانتهاكات المتواصلة مع الفرص المتزايدة للإصابة بمرض خطير دون تلقي رعاية طبية كافية.

ووفق منظمة "هيومن رايتس ووتش" (حقوقية مستقلة)، فإن السلطات الإماراتية منعت حاملي فيروس نقص المناعة البشرية "الإيدز" من الحصول بشكل منتظم ودون انقطاع على العلاج اللازم لهم.

وتتزايد فرص انتقال عدوى "كورونا" لدى المعتقلين من كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، ما قد يتسبب في تدهور أوضاعهم الصحية وربما وفاة بعضهم.

وتحتجز السلطات الإماراتية، المعتقلين في ظروف مزرية وغير صحية، حيث ينتشر الاكتظاظ، ونقص التجهيزات الصحية، والحرمان من الرعاية الطبية، وفق تقارير حقوقية.

وتنقل المنظمة الحقوقية، عن مصادر، قولها، إن "السجناء لا يحظون برعاية صحية منتظمة، وعليهم الانتظار حتى يزور الطاقم الطبي أقسامهم ليتمكنوا من الإبلاغ عن أي تدهور في الظروف الصحية".

"منصور" و"البلوشي"

ويساور القلق، منظمات حقوقية، بشأن حياة العشرات من المعارضين السياسيين والناشطين الحقوقيين، والأكاديميين، المحبوسين في تهم ذات صبغة سياسية.

ومن أبرز هؤلاء، الحقوقي الإماراتي البارز "أحمد منصور"، المعتقل بتهمة "إهانة كبار مسؤولي الدولة"، عام 2011، لكن جرى الإفراج عنه بعد 8 أشهر ووضعه تحت المراقبة الإلكترونية، قبل أن يتم اعتقاله مرة أخرى عام 2017، بتهمة "خدمة أجندة تنشر الكراهية والطائفية، والعمل على زعزعة الاستقرار عبر الترويج للمعلومات الكاذبة والمضللة".

وإلى جانب "منصور"، هناك المفكر والأكاديمي الإماراتي "ناصر بن غيث"، المحكوم عليه في مارس/آذار 2017، بالحبس لمدة 10 سنوات بسبب تغريدة نشرها على حسابه بـ"تويتر" انتقد فيها جرائم النظام المصري، واعتبرتها السلطات الإماراتية، تعكيرا لصفو العلاقات بين البلدين.

وتقضي الطالبة الإماراتية "مريم البلوشي"، المعتقلة منذ العام 2015، حكما بالسجن 5 سنوات، بتهمة تمويل الإرهاب، بسبب تبرعها لعائلة سورية، وسط إفادات بتعرضها للتعذيب، ووضعها في الحبس الانفرادي فترات طويلة، ووضع كاميرات المراقبة في حمامها، بحسب تقارير حقوقية.

وفي العام 2019، فارقت الحياة، المواطنة الإماراتية "علياء عبدالنور"، في أحد سجون أبوظبي، بعد نحو 4 سنوات من اعتقالها في يوليو/تموز 2015، وتعرضها للإخفاء القسري والتعذيب، وتقييد أطرافها.

ولم يشفع لـ"عبدالنور"، التي كانت تقضي مدة 10 أعوام في السجن، على خلفية "مساعدة الأسر السورية المتضررة من الحرب وجمع التبرعات لها"، انتشار مرض السرطان في جسدها، ورفضت السلطات الإفراج المؤقت عنها من أجل العلاج.

وهناك المعتقلة الإماراتية بسجن الوثبة سيء السمعة "أمينة العبدولي" (35 عاما)، والتي دخلت في إضراب عن الطعام منذ فبراير/شباط الماضي احتجاجا على الانتهاكات التي تتعرض لها، منذ اعتقالها في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، على خلفية دعمها للثورة السورية.

تجاهل رسمي

ووفق نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، "مايكل بيج"، فإن الدعوات المتكررة للسلطات الإماراتية بفتح السجون ومراكز الاعتقال للتفتيش من قبل مراقبين دوليين ومستقلين لم تلق أي استجابة.

ويطالب البرلمان الأوروبي، الإمارات، بإطلاق جميع معتقلي الرأي من سجون البلاد، بسبب وجود مخاوف حقيقية على حياة المعتقلين بسبب تفشي الوباء العالمي.

وعلى الرغم من الأزمة العالمية التي سببها تفشي فيروس "كورونا"، فإن الحكومة الإماراتية تتجاهل المناشدات الحقوقية بتحسين ظروف الاحتجاز وتوفير الرعاية الطبية.

وترفض أبوظبي التعاطي بايجابية مع دعوات الإفراج المشروط والملائم عن السجناء، خشية الإصابة بفيروس "كورونا"، وإنهاء الاستخدام المفرط للحبس الاحتياطي، وإطلاق سراح من لديهم أمراض خطيرة، ومن انتهت فترة محكوميتهم، في تجاهل لتداعيات الوباء العالمي، ودون النظر إلى حياة المئات وربما الآلاف، الذين يواجهون السجن والموت في آن واحد.

المصدر | الخليج الجديد