الأربعاء 8 أبريل 2020 02:33 م

مع استمرار جائحة الفيروس التاجي في جذب انتباه العالم، تجد سوريا نفسها معلقة بخيط رفيع. وأثبتت اتفاقية وقف إطلاق النار المبرمة في 5 مارس/آذار، بين روسيا وتركيا، هشاشة الوضع في محافظة إدلب.

وبالرغم من عدم اندلاع نزاع مباشر، فقد عززت تركيا بهدوء وجودها في إدلب، ونشرت أكثر من 20 ألفا من لواء المشاة الخفيف، ووحدات مدرعة، وقوات العمليات الخاصة، لتعزيز مواقعها في شرق إدلب وجنوبها.

وفي غضون ذلك، نشر النظام السوري المزيد من الأسلحة في الخطوط الأمامية، وأرسلت روسيا طائرتين مقاتلتين من طراز "سو-24" إلى قاعدتها الجوية في اللاذقية.

وزار وزير الدفاع الروسي "سيرجي شويجو" دمشق مؤخرا لمناقشة الخطوات التالية مع المسؤولين السوريين.

وتوقفت بالفعل الدوريات الروسية التركية المشتركة على طول الممر الأمني، الذي يبلغ عمقه 6 كيلومترات على طول الطريق السريع "إم 4"، بسبب مخاوف أمنية.

وربما تزيد الهجمات المتكررة التي تشنها "هيئة تحرير الشام" على مواقع النظام، من تصعيد القتال. وقد استغل الجانبان انشغال العالم بجائحة الفيروس التاجي "كوفيد-19" في تعزيز مواقعهما، مما يزيد من مخاطر المواجهة.

وفي هذه الأثناء يترقب الأكراد السوريون. ولكن لإعادة التموضع في الحرب الدموية في سوريا، كان على حزب "الاتحاد الديمقراطي الكردي" وجناحه المتشدد، "وحدات حماية الشعب"، تشكيل تحالفات جديدة.

ومنذ عام 2014، كانت الولايات المتحدة الضامن الأمني ​​الرئيسي للأكراد. والآن بعد أن سحبت الولايات المتحدة معظم قواتها من الصراع، أصبحت تركيا، خصم الأكراد الرئيسي، لاعبا أكبر في الحرب.

ومع تغير المشهد الأمني، يضطر الأكراد إلى التكيف والتطلع إلى بعض الحلفاء غير المتوقعين للحصول على الدعم، وهم روسيا والنظام السوري.

تحالفات الأكراد المتغيرة

ولدى الأكراد والنظام السوري تاريخ من التوتر. ولطالما تم تهميش الأكراد من قبل عائلة "الأسد" الحاكمة.

وطوال الحرب الأهلية، قاتلت "وحدات حماية الشعب" ضد النظام، واستبعد النظام الأكراد من المحادثات متعددة الأطراف حول مستقبل سوريا بعد الحرب.

على سبيل المثال، تسمح اللجنة الدستورية السورية لروسيا والنظام والأمم المتحدة باختيار ثلث الممثلين في اللجنة، في حين لا تحظى "وحدات حماية الشعب" و"قوات سوريا الديمقراطية" بأي تمثيل.

ومع ذلك، فإن العدو الأكبر للأكراد ليس دمشق بل أنقرة. ومنذ انهيار الإمبراطورية العثمانية، اعتبرت تركيا المقاتلين الأكراد في تركيا تهديدا وجوديا، وسعت إلى قطع علاقاتهم مع المجتمعات الكردية في الخارج.

ويشمل هذا قطع الروابط بين الجماعات الكردية في تركيا و"وحدات حماية الشعب" السورية، وهي منظمة تعتبرها أنقرة امتدادا لحزب العمال الكردستاني المصنف على أنه جماعة إرهابية في تركيا.

وعملت الولايات المتحدة كضامن أمن رئيسي لوحدات حماية الشعب منذ انضمام المجموعة في 2014 إلى الحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية".

وكانت الولايات المتحدة بحاجة إلى قوات لخوض المعارك ضد التنظيم على الأرض، وكان الأكراد بحاجة إلى حليف يحميهم ضد تركيا وروسيا.

وبمساعدة الأسلحة والتدريب الأمريكيين، أثبت الأكراد أنهم قوة قتالية فعالة ضد مجموعات مثل تنظيمي "الدولة الإسلامية" و"القاعدة"، وتمكنوا من السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي في الشمال الشرقي.

ومع ذلك، في أواخر عام 2019، قررت الولايات المتحدة الانسحاب من سوريا، وسحب الآلاف من القوات من البلاد، وترك الأكراد في العراء.

وبالرغم أن الولايات المتحدة تمكنت من موازنة علاقاتها مع الأكراد وتركيا لفترة طويلة، إلا أنها اضطرت في نهاية المطاف إلى اختيار أحد الجانبين، واختارت تركيا، الحليف الأقوى والأعلى قيمة.

حماية شرق الفرات

ولدى الأكراد أولويتان رئيسيتان في سوريا، وهما الحفاظ على السيطرة على مناطق الشمال الشرقي، ودفع تركيا للخروج من منطقة في شمال سوريا تعرف باسم "مثلث الفرات"، التي سيطرت عليها القوات التركية في عملية "درع الفرات" في الفترة 2016-2017.

وبعد حملتها الناجحة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، ركزت وحدات حماية الشعب على تعزيز سيطرتها على المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات على طول الحدود التركية السورية وفي صحراء "البوكمال" بالقرب من الحدود السورية العراقية.

ولأعوام، بفضل الدعم الأمريكي، سيطر الأكراد على هذه المنطقة، التي أصبحت واحدة من آخر مناطق سوريا خارج سيطرة النظام أو القوات التركية.

لكن مع زيادة تركيا لتواجدها في سوريا بـ 3 أضعاف، وتحقيق النظام لمكاسب كبيرة في الغرب، فقد الأكراد قبضتهم على المنطقة.

وفي 9 أكتوبر/تشرين الأول، أطلقت تركيا عملية "نبع السلام" ضد المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في الشمال الشرقي.

وأنشأت تركيا منطقة نفوذ جديدة تسميها "ممر السلام" على طول الحدود التركية السورية. وبينما قامت الولايات المتحدة بتقليل وجودها في البلاد، وجد الأكراد أنفسهم فجأة وحدهم في ساحة القتال يناضلون للحفاظ على منطقة حكم ذاتي في الشمال الشرقي.

وبالرغم أن الولايات المتحدة لا تزال تزود الأكراد بالسلاح والتدريب والدعم السياسي المحدود، فقد منعت واشنطن وحدات حماية الشعب من الانخراط عسكريا مع تركيا، حليفتها في "الناتو"، من خلال جعل المساعدة مشروطة بالامتناع عن الاشتباك مع القوات التركية.

وبالرغم من توتر العلاقات الأمريكية التركية في الآونة الأخيرة، فقد أبلغت الولايات المتحدة مرارا مسؤولي وحدات الشعب بأنها لن تقدم دعمها إذا دخل الأكراد في صراع مع تركيا.

علاوة على ذلك، يجبر تفشي فيروس "كورونا" الولايات المتحدة على تقليص وجودها في المنطقة. وسلم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة 3 من قواعده العراقية إلى الحكومة في بغداد، ونقل معظم قواته إلى قواعد في الخليج أو مواقع أكثر تحصينا في العراق.

بالإضافة إلى ذلك، تلقى الأكراد رسائل مختلطة من واشنطن. وقال وزير الخارجية "مايك بومبيو" إن الولايات المتحدة ستقف إلى جانب تركيا. لكن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا "جيمس جيفري" قال إن الولايات المتحدة ستزود تركيا بمساعدة محدودة فقط. وقال مستشار الأمن القومي "روبرت أوبراين" إنه إلى جانب العقوبات، ستلعب الولايات المتحدة فقط دورا متواضعا في سوريا.

ومع تقليص الولايات المتحدة وجودها في سوريا، ورفع تركيا لمستوى وجودها، تبقى خيارات الأكراد محدودة. لذلك لجأوا إلى النظام السوري وحلفائه، روسيا وإيران، من أجل الحصول على الدعم.

ومنذ عام 2015، كان النظام السوري عدوا فكريا وعسكريا لوحدات حماية الشعب الكردية. ولكن لم يعد الأكراد يتمتعون برفاهية التمسك بمبادئهم الأيديولوجية. وكما يقول المثل، "عدو عدوي هو صديقي". ولتجنب الإبادة على أيدي الأتراك، يتطلع الأكراد الآن إلى عدو سابق لضمان بقائهم على قيد الحياة.

الوفاق

وليست هذه هي المرة الأولى التي تتعاون فيها ""وحدات حماية الشعب مع روسيا ونظام "الأسد". والتقى مسؤولون وجنرالات في "وحدات حماية الشعب" و"قوات سوريا الديمقراطية" مع مسؤولين روس في قاعدة "حميميم" الجوية في ديسمبر/كانون الأول الماضي لمناقشة التعاون.

ومع ذلك، لم ينتج عن اللقاء أي اتفاق، حيث عارضت إيران (وهي حليف رئيسي آخر للنظام لديها حركة انفصالية كردية في الداخل) الشراكة مع الأكراد.

إضافة إلى ذلك، فقد اختلف النظام والأكراد حول ما إذا كان يجب دمج "وحدات حماية الشعب" داخل قوات النظام تحت قيادة دمشق، وما إذا كان الحكم الذاتي الكردي في الشمال الشرقي يجب أن يستمر.

ولكن عندما أصبح الأكراد يائسين، أصبحوا أكثر انفتاحا على التعاون. وفي الأسبوع الماضي، أجرت الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، "عائشة حسو"، مقابلة مع "سوريا مباشر"، وهي نشرة تصدر في الأردن وممولة من وزارة الخارجية الأمريكية.

وقالت "عائشة" إن "قوات سوريا الديمقراطية" يمكن أن تلعب دورا حاسما في التوازن العسكري في إدلب. وأشارت إلى أن "قوات سوريا الديمقراطية" مهتمة للغاية بالدخول في حوار مع النظام، وأن المجموعة لن تستبعد القتال إلى جانب القوات الروسية والإيرانية والسورية.

وحددت "عائشة" شروطا غامضة للتعاون، وهي أن ينهي النظام قمعه للحكم شبه الذاتي للأكراد، وأن يعترف بنجاح المقاتلين الأكراد ضد المنظمات الجهادية.

وفي الواقع، ويطلب الأكراد من دمشق السماح لهم بحكم ذاتي محدود وتمثيل سياسي محدود بعد الحرب.

وسوف يغير تحالف القوى الكردية وقوات النظام التوازن العسكري في محافظة إدلب. وكما هو الحال، تسيطر روسيا على جميع المجال الجوي السوري، بالرغم من أنها كانت مترددة في شن ضربات على القوات التركية.

وفي الوقت نفسه، تتمتع تركيا بقدرات أرضية أقوى، مع وحدات الكوماندوز الفعالة والمشاة الخفيفة. ولديها ما يقدر بـ 25 ألفا إلى 30 ألف جندي على الأرض، ويمكنها نشر ما يصل إلى 40 ألف جندي عن طريق إرسال أفراد من محافظة "هاتاي". ويمكن لتركيا أيضا استدعاء وكلائها مثل "الجيش السوري الحر".

لكن قدرات النظام البرية ستحصل بالتأكيد على دعم بدخول القوات الكردية إلى جانبه، وهي القوات التي تم تدريبها من قبل الولايات المتحدة.

وسوف يعني التحالف بين الاثنين أيضا أن أعداء النظام سينقصون واحدا، ما يسمح لدمشق بالتركيز على القضاء على مصادر أخرى من المعارضة.

وإذا فاز النظام بإدلب، فإنه سينظر إلى عفرين، وهي محافظة تسيطر عليها تركيا وهي جزء من مثلث الفرات. وتعد عفرين منطقة ذات أهمية استراتيجية تربط إدلب بإعزاز. 

واشتبك الأكراد وتركيا حول عفرين وتل رفعت ومنبج، وأبدت "قوات تحرير عفرين" الموالية لوحدات حماية الشعب استعدادها للشراكة مع روسيا والنظام.

وهذه المواقع قريبة من "ممر السلام" التركي، وإذا ضم الأكراد قواهم إلى الروس والنظام، فإن ذلك سيهدد سيطرة تركيا في الشمال الشرقي بالتأكيد.

ومع ذلك، كانت روسيا حذرة بشأن التعاون مع الأكراد. فبالرغم من أن الفوز بشراكة حليف أمريكي سابق أمر مثير، إلا أن هناك مخاطر أيضا.

وتريد وحدات حماية الشعب مكانا على طاولة صنع القرار، وهو الشيء الذي قاومته دمشق وموسكو وطهران. كما أن النظام أقل حاجة للدعم الكردي الآن مما كان عليه عندما حاول استعادة إدلب لأول مرة.

ذلك لأن دمشق وموسكو تمكنتا من الاستيلاء على قرى في محافظة حلب ودمج معظم الجنوب بسرعة نسبية. وفي الواقع، في غضون عام تقريبا، كان النظام قادرا على رسم خطوط وقف إطلاق نار جديدة تقنن مكاسب النظام على الأرض.

وظل النظام منفتحا على العمل مع الأكراد، على أمل إما استخدام إمكانية التحالف لتهديد أنقرة، أو إضفاء الطابع الرسمي على تحالف عسكري إذا تصاعدت الاشتباكات مع تركيا.

واستخدمت "وحدات حماية الشعب" أيضا أحيانا المحادثات مع موسكو للضغط على الولايات المتحدة لمزيد من الدعم.

وفي معظم الأحوال، بقيت المفاوضات سرية بين روسيا والأكراد. وأكدت المصادر الكردية مجرد عقد الاجتماعات. وتدرك روسيا أنه إذا تم تعزيز التعاون مع الأكراد، فسوف يتعين على تركيا رفع مشاركتها في إدلب، لذلك تفضل إبقاء الأكراد ينتظرون في الرواق حتى يصبح التحالف ضروريا.

ويزن الأكراد السوريون رهاناتهم الآن. ويقول الواقع إنه بالاستناد إلى توازن القوى الحالي في سوريا، فإن الاستسلام الكردي أمر لا مفر منه.

وبعد أن عزز نظام "الأسد" موقعه في سوريا ما بعد الحرب، لن تكون "وحدات حماية الشعب" قادرة على تأمين حكم ذاتي كامل طويل الأمد في شمال شرق سوريا.

والسؤال الحقيقي الآن هو لمن تريد أن تستسلم "وحدات حماية الشعب"، وكم تريد أن تخسر؟ حسنا، بوجود تركيا منتصرة، ستواجه الميليشيات الكردية إبادة كاملة.

لكن مع وجود النظام على رأس السلطة، سيكون هناك مجال للتفاوض. وستضطر الميليشيات الكردية للتضحية بالدعم الأمريكي المحدود الذي يتلقونه وبعض الحكم الذاتي الذي يتمتعون به مقابل الحماية من الأتراك.

خلاصة القول، ستظل الميليشيات الكردية على قيد الحياة إذا كانت شريكة لروسيا والنظام.

وفي الوقت الحالي، سيستخدم الروس فقط إمكانية التحالف مع "وحدات حماية الشعب" لزيادة الضغط على تركيا. ولن يتطور التحالف الكردي السوري الرسمي إلا في حالة تصاعدت حدة القتال بين الروس والأتراك.

وإذا حدث ذلك، فإن الوضع في إدلب سيصبح أكثر تعقيدا، حيث يواجه الأتراك جبهة برية موحدة أكثر قوة.

المصدر | كارولين روز - جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد