الخميس 9 أبريل 2020 11:23 ص

يعد إعلان التحالف العربي بقيادة السعودية، وقف إطلاق النار في اليمن، بداية انفراجة لإنهاء الحرب المستمرة منذ 5 سنوات وأدت لمقتل أكثر من 100 ألف شخص.

ويستمر وقف إطلاق النار الشامل في اليمن لمدة أسبوعين، اعتبارا من ظهر الخميس 9 أبريل/نيسان الجاري، وهو قابل للتمديد خاصة مع قرب حلول شهر رمضان المبارك. 

وتعول الأمم المتحدة، على قرار التحالف، في أن يكون فرصة نحو إحراز تقدم نحو سلام شامل ومستدام، خاصة أنه يتزامن مع مرور 5 سنوات من بدء عملية عاصفة الحزم في مارس/آذار 2015.

حرب مكلفة

تدخل الحرب في اليمن، بقيادة السعودية، عامها السادس على التوالي، دون بادرة أمل في تحقيق نصر حاسم على جماعة الحوثي، المدعومة من إيران، والمسيطرة على عدة محافظات في شمال ووسط البلاد بينها العاصمة صنعاء، منذ العام 2014.

وفقدت المملكة، أكثر من ألف جندي سعودي منذ بداية الحرب، وفق وسائل إعلام سعودية، في حين تقول جماعة "الحوثي" إن الخسائر البشرية السعودية أكبر من ذلك بكثير.

والشهر الماضي، أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين العميد "يحيى سريع"، إن الحرب المستمرة منذ عام 2015 في اليمن أسفرت عن مقتل أو إصابة أكثر من 10 آلاف ضابط وجندي سعودي وإماراتي، وأن قوات الحوثي "أسقطت أكثر من 371 طائرة للتحالف، منها 53 طائرة مقاتلة ومروحيات أباتشي، و318 طائرة استطلاع وتجسس".

وإضافة إلى الخسائر البشرية، تحملت السعودية فاتورة خسائر باهظة، حيث تفيد تقديرات سعودية غير رسمية، بأن تكلفة الطائرات المشاركة بالحرب تبلغ نحو 230 مليون دولار شهريا (تشمل التشغيل والذخائر والصيانة)، أي أكثر من 13 مليار دولار، خلال 5 سنوات فقط.

وتترواح تكلفة الطلعة الجوية الواحدة بين 84 ألفا و104 آلاف دولار، وهي تكلفة الطلعة بمقاييس القوات الجوية الأمريكية.

وتبلغ تكلفة صاروخ الباتريوت 3 ملايين دولار، ويستلزم إسقاط صاروخ باليستي 3 صواريخ باتريوت على الأقل، أي أن اعتراض 7 صواريخ يكلف 21 مليون دولار أو أكثر (نحو 79 مليون ريال).

ووفق تقديرات نشرتها مجلة "التايمز" البريطانية، في وقت سابق، فإن التكلفة الإجمالية للحرب تبلغ نحو 200 مليون دولار يوميا، أي 72 مليار دولار سنويا، و360 مليار دولار خلال 5 سنوات.

العمق السعودي

على مدار سنوات الحرب، التي لم تضع أوزارها بعد، نجح الحوثيون في نقل المعارك إلى الداخل السعودي، عبر اختراقهم الحدود الجنوبية للمملكة، واستهداف المناطق الحدودية (جازان وعسير ونجران)، واستهداف مواقع إستراتيجية سعودية بالصواريخ البالستية، على غرار قصف منشآت عملاق النفط السعودي "أرامكو"، سبتمبر/أيلول 2019.

ووفق بيانات حوثية، فإن سلاح الجو المسير التابع لقوات الحوثي نفذ 969 هجوما داخل العمقين السعودي والإماراتي، كما أطلق أكثر من ألف صاروخ على أهداف سعودية وإماراتية.

وجراء الضربات الحوثية، تزايد معدل الإنفاق السعودي على التسليح، حيث قامت المملكة بشراء منظومة الدفاع "ثاد" من الولايات المتحدة، إضافة إلى قيامها بتعزيز ترسانتها من صواريخ "باتريوت".

وخصصت السعودية نحو 70 مليار دولار للإنفاق العسكري عام 2019، وفقاً لإحصائيات موقع "لوبال فاير باور"، المتخصص بالشؤون العسكرية للدول.

وبسبب حرب اليمن، زادت واردات الأسلحة السعودية في السنوات الخمس الأخيرة (2015-2019) بنسبة 130%، بما يمثل 12% من إجمالي واردات الأسلحة العالمية خلال تلك الفترة.

وتعرضت السعودية، لابتزاز أمريكي، على خلفية فشلها في مواجهة ضربات الحوثي، حيث حصلت واشنطن بالفعل على نحو 14.5 مليار دولار من عائدات صفقة طويلة الأمد مع الرياض تلتزم السعودية بموجبها بإنفاق 110 مليارات دولار خلال 10 سنوات للحصول على أسلحة أمريكية، وهي الصفقة التي تباهي بها الرئيس "ترامب" طويلا.

وعلى الرغم من حجم الإنفاق العسكري الهائل، والدعم الأمريكي، لم ينج العمق السعودي، ومنشآت البلاد النفطية، ومطاراتها المدنية، من قصف الطائرات الحوثية المسيرة. 

"كورونا" والنفط

لا يمكن الفصل بين قرار وقف إطلاق النار، الذي تم إعلانه من جانب واحد (التحالف)، والتداعيات التي تعانيها المملكة، جراء تفشي فيروس "كورونا" الذي أصاب أكثر من 3000 سعودي وتسبب في 41 حالة وفاة وفق البيانات الرسمية، بخلاف إصابة أكثر من 150 أميرا من العائلة المالكة بالفيروس، وفق تأكيدات صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.

وفي محاولة لاستخدام تفشي "كورونا" كذريعة لوقف الحرب، قال المتحدث باسم قوات التحالف، العميد الركن "تركي المالكي"، إن قرار وقف إطلاق النار، اتخذ لأسباب منها "تفادي تفش محتمل لفيروس "كورونا" المستجد"، مع الأخذ في الاعتبار أن اليمن لم يسجل أي حالات إصابة بالمرض بعد.

ويعد انهيار أسعار النفط إلى ما دون حاجز الـ20 دولارا، سببا آخر وراء إقدام المملكة على خطوة الهدنة من جانب واحد، وسط توقعات بهزة مالية عنيفة، وعجز كبير في الموازنة.

وتفيد تقديرات شركة "أرقام كابيتال"، أن متوسط أسعار حول 30 دولارا للبرميل، يعني أن السعودية قد تشهد ارتفاع العجز في موازنتها لعام 2020 إلى 22.1%، وهو ما يعادل 170 مليار دولار.

وفي ضوء هذه التطورات، تزيد حرب اليمن، من الضغوط على صانع القرار السعودي، لوقف النزيف المالي، والحد من الخسائر الباهظة، التي تفاقمت بفعل "كورونا" وحرب النفط مع روسيا.

الورقة الحوثية

وتقدم المبادرة السعودية، العديد من الإغراءات أكثر مما هو معلن، إذ تنص على وقف إطلاق النار وفتح المطارات والطرق الرئيسية ودفع رواتب الموظفين وضمان سلامة ناقلات النفط وتسهيل حركة السفن التجارية وإطلاق سراح الأسرى.

مقابل العرض السعودي الذي دخل حيز التنفيذ، تطالب جماعة "الحوثي" بحل شامل لإنهاء الحرب في اليمن، ضمن ورقة تضم عدة بنود، أبرزها إنهاء الحرب ووقف إطلاق النار وإيقاف كافة الأعمال العسكرية البرية والبحرية والجوية، وأن يدخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ بأثر مباشر فور توقيع الوثيقة.

ويشترط الجانب الحوثي، إنهاء الوجود الأجنبي في جميع أراضي اليمن وجزره وموانئه وأجوائه، وإنهاء أي وجود عسكري يمني في الأراضي السعودية.

وتطالب الوثيقة الحوثية، المقدمة للأمم المتحدة، بأن يصدر مجلس الأمن الدولي قرارا بهذه البنود عقب التوقيع عليها تحت إشراف الأمم المتحدة.

ويقول القيادي في الجماعة "محمد علي الحوثي": "سلمنا للمبعوث الأممي رؤيتنا لوقف نهائي لإطلاق النار، وهي مبنية على حلول مكتملة"، معتبرا أن الحلول الجزئية أو الترقيعية لا يمكن القبول بها.

ويمكن تبرير التحفظ الحوثي على الهدنة السعودية، وعدم الترحيب بها، وفق 3 أسباب الرئيسية، الأول: رفض الجماعة إقرار وقف شكلي لإطلاق النار يمكن أن تخرقه الرياض في أي وقت، والثاني: المخاوف من أن تكون الهدنة مناورة لإيقاف التقدم الحوثي في "مأرب".

أما الثالث: فهو إدراك الحوثيين حجم المأزق السعودي، ومحاولتهم الحصول على أكبر قدر من المكاسب مقابل تخفيف الضغوط على الرياض.

الخلاصة أن 5 سنوات من الخسائر، وتضرر العمق السعودي، واحتمال فقدان "مأرب" النفطية، إضافة إلى تداعيات "كورونا" وانهيار أسعار النفط، تعد مبررات واقعية، تضغط بقوة على الرياض لوقف عجلة الحرب، التي أضرت كثيرا بخزائنها واحتياطياتها النقدية، وكسرت هيبتها الإقليمية.

المصدر | الخليج الجديد