الخميس 9 أبريل 2020 04:11 م

فاجأ الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" الكثيرين بتوجيه انتقادات حادة إلى منظمة الصحة العالمية في 7 أبريل/نيسان، متهما إياها بـ "الانحياز إلى الصين" و"تضليل الولايات المتحدة والعالم" بنصائح غير سليمة حول حقيقة فيروس "كورونا" المستجد (كوفيد – 19)، ملوحا بإمكانية قيام الولايات المتحدة بوقف تمويل المنظمة.

وعبر حسابه الشخصي على "تويتر"، اتهم "ترامب" المنظمة بتقديم اهتمام "مبالغ فيه" للصين، رغم أن معظم تمويلها يأتي من الولايات المتحدة، ولم يكتف "ترامب" بذلك، لكنه عبر عن امتنانه لـ "حسن الحظ"، الذي دفعه لرفض نصيحة "الصحة العالمية" في وقت مبكر من أزمة "كورونا" بإبقاء حدود الولايات المتحدة مفتوحة أمام الصين، متسائلا: "لماذا قدموا لنا توصية خاطئة كهذه؟"، في إشارة واضحة إلى شكوك أمريكية حول "تواطؤ" جرى بين مسؤولي المنظمة وبكين.

وبحسب صحيفة "ذا هيل"، فإن تغريدة "ترامب" تشير إلى بيان منظمة الصحة العالمية الصادر في 3 فبراير/شباط الماضي، والذي قالت فيه إنه "لا حاجة إلى فرض قيود سفر واسعة من أجل الحد من انتشار الإصابة بفيروس كورونا المستجد"، والذي ظهر في مدينة ووهان الصينية لأول مرة، إلا أن إدارة "ترامب" اتخذت قرارا بتقييد السفر من الصين إلى الولايات المتحدة مبكرا.

حملة أمريكية

تزامنت لهجة "ترامب" الحادة مع "حملة منسقة"، فيما يبدو، نظمها تيار المحافظين الأمريكيين ونواب في الكونجرس ضد منظمة الصحة العالمية ركزت على انتقاد طريقة استجابة المنظمة لأزمة "كورونا"، مع اتهامات، مبطنة وصريحة، لها بالتستر على الحجم الحقيقي لتفشي الوباء داخل الصين، وهو ما ترك العالم غير مستعد بشكل كاف لمواجهته.

وفي هذا الإطار، طالبت السيناتورة الأمريكية "مارثا ماكسالي" مدير المنظمة، الإثيوبي "تيدروس أدهانوم جيبريسوس" بالاستقالة، الأسبوع الماضي، بعدما خلصت الاستخبارات الأمريكية إلى أن "الصين لم تبلغ عن العدد الحقيقي لإصابات فيروس كورونا".

وفيما بدا أنه اتجاه أمريكي لتقليص دعم المنظمة على خلفية تعاونها الوثيق مع بكين، اقترح "ترامب" في وقت سابق منح 58 مليون دولار فقط كتمويل لـ "الصحة العالمية" في السنة المالية 2021، رغم أن الكونجرس اعتمد حوالي 123 مليون دولار للمنظمة التابعة للأمم المتحدة في ميزانية عام 2020.

تعتيم متعمد

وترتبط الحملة الأمريكية ضد منظمة الصحة العالمية بتصاعد الاتهامات للصين بإخفاء حقيقة تفشي وباء "كورونا" في البداية واستخدامها نفوذها في الدول الأفريقية، لاسيما إثيوبيا، للتأثير على "جيبريسوس" للتقليل من خطورة تفشي المرض.

هناك أدلة عديدة ربما تدعم هذا الادعاء، وفق صحيفة "لوموند"، التي كشفت، في تقرير لها، عن تهديد السلطات الصينية للأطقم الطبية في ووهان (مصدر تفشي الفيروس) بعد أن سجلوا عدة شكاوى بشأن أعطال في أجهزة فحص الفيروسات والأوبئة المعدية.

وحسب تحقيق الصحيفة الفرنسية، فإن تفشي وباء "كورونا" في الصين تزامن مع أعطال في أجهزة الفحص في المستشفيات والمراكز الصحية في ووهان، بشكل جعلها لا تعمل إطلاقا ولا تكشف الحالات المصابة بالفيروسات والأوبئة المعدية، وبناء عليه، سارعت الأطقم الطبية في مستشفيات ومراكز ووهان، إلى إنذار الحكومة، إلا ان السلطات أجبرت الأطقم الطبية على عدم البوح بهذه المعلومات، وأصدرت تعليمات صارمة بأن "هذه المعلومات ليست للنشر".

من هنا كانت إشارة "ترامب" إلى انحياز "الصحة العالمية" إلى الصين، خاصة بعدما انتقدت المنظمة بعض السياسيات والممارسات المحيطة بمكافحة "كورونا" في الولايات المتحدة دون توجيه أية إشارة إلى تعتيم الصين على حقيقة المرض لفترة طويلة.

ثمة دلائل عدة تدعم هذا الانحياز، حسب المنظور الأمريكي، منها اللهجة الحادة التي عبرت بها "الصحة العالمية" عن رفضها لوصف كورونا بـ"الفروس الصيني"، كما سماه "ترامب" في مناسبات كثيرة، باعتبار أن ذلك "قد يؤدي إلى التنميط العنصري من دون قصد"، إضافة إلى إشادة "جيبريسوس" بالصين في عدة مناسبات حتى في ظل تعرض بكين لانتقادت من عديد الدول والمنظمات بسبب استجابتها الأولية البطيئة للفيروس ومقاومتها التعاون مع متعقبي الأمراض الدوليين.

مثير للجدل

لكن لماذا تنحاز "الصحة العالمية" للصين؟ ترتبط الإجابة بشكوك حول خضوع مدير المنظمة لتأثير النفوذ الصيني على نظام بلاده، خاصة أنه تعرض في 2017 لانتقادات شبيهة على خلفية تعامله مع تفشي وباء الكوليرا في إثيوبيا والسودان، حيث اتهمه الأطباء والمهنيون الصحيون في ذلك الوقت بالفشل في تصنيف تفشي المرض بشكل صحيح لتجنب إحراج النظامين الأفريقيين، وفقا لما أورده موقع "ناشيونال إنترست".

كما أن تعامل مدير منظمة الصحة العالمية مع تفشي وباء الكوليرا بإثيوبيا في أعوام 2001 و2006 و2009 يقدم أدلة إضافية على تواطؤ "جيبريسوس" مع الأنظمة الحاكمة حسبما يرى "لورانس جوستين"، مدير معهد أونيل لقانون الصحة الوطنية والعالمية في جامعة جورجتاون.

في هذا السياق يمكن قراءة مطالبة السيناتور الجمهوري "ماركو روبيو"، الأسبوع الماضي، باستقالة "جيبريسوس"، واتهامه إياه بـ "السماح لبكين باستغلال منظمة الصحة العالمية لتضليل المجتمع الدولي"، وتعهد السيناتور الجمهوري "ليندسي جراهام"، الحليف المقرب من "ترامب"، بعدم تقديم أي تمويل لمنظمة الصحة العالمية في مشروع قانون المخصصات المقبل بمجلس الشيوخ.

وقال "جراهام"، خلال مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" الإخبارية: "أنا مسؤول عن اللجنة الفرعية للمخصصات. لن أدعم تمويل منظمة الصحة العالمية تحت قيادتها الراهنة. إنهم مخادعون وتحركوا ببطء، وكانوا مدافعين عن الصين".

تململ الحلفاء

ولم تقتصر الانتقادات الموجهة إلى منظمة الصحة العالمية على الولايات المتحدة والغرب، بل امتدت إلى "حلفاء تاريخيين" لبكين، وهو ما بدا جليا في سجال ساخن جرى بين المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية " كيانوش جهانبور" والسفير الصيني لدى طهران " تشانج هوا" عبر موقع "تويتر".

وقال "جهانبور"، في تغريدة مطلع الأسبوع الحالي، إن "الصين رمت العالم بمزحة سوداء حول (كوفيد 19)، وأغلب دول العالم تعاملت مع الفيروس وفق المعلومات الصينية، وتخيلت أنه مرض بسيط وأنه أسهل من الرشح العادي".

ورغم حرص السفير الصيني على الرد بشكل دبلوماسي متقضب عبر الإشارة إلى أن "الصين لديها مؤتمر صحفي يومي حول تطورات حالات كورونا"، ناصحا "جهانبور" بمتابعته، إلا أن الأخير أصر على عدم غلق باب السجال ناشرا تغريدة أخرى أكد فيها أن الصين "لم تفصح عن أي معلومات، وتحولت إلى معابر للفيروس، وبقيت تتبع سياسة الكتمان"، ما قدم مؤشرا على حالة الاستياء الشديد من بكين داخل وزارة الصحة الإيرانية.

وترتبط حالة الاستياء تلك بحالة التفشي الواصع للوباء في إيران، إذ بدأ التفشي الفيروس في البلاد عبر تاجر في مدينة قم، التي تعد من أهم مدن إيران وأقدسها لدى الشيعة وترتبط بصلات وثيقة مع الصين وتستضيف العديد من الصينيين، حسبما أفاد وزير الصحة الإيراني "سعيد نمكي".

وفي حين توفي التاجر "الحالة صفر الإيرانية" بسبب الفيروس في وقت لاحق، فإن إيران كانت قد تحولت إلى البؤرة الأولى لانتشار فيروس "كورونا" بالشرق الأوسط.

وبلغت سخونة السجال بين متحدث الصحة الإيرانية والسفير الصيني إلى حد استدعاء "تدخل دبلوماسي" لوقفه، عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية "عباس موسوي"، الذي غرد بأن "الصين حكومة وشعبا، لطالما كانت في طليعة مكافحة فيروس كورونا، وقدمت مساعدات سخية لدول أخرى حول العالم"، مشيدا بما اعتبرها "شجاعة الصين والتزامها ومهارتها في السيطرة على كورونا".

الرد الصيني

 في مواجهة هذه الاتهامات، دافع المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية "تشاو لي جيان"، في 8 أبريل/نيسان، عن مدير "الصحة العالمية"، ووصفه بأنه "صاحب دور مهم في تعزيز التعاون الدولي في مكافحة الوباء".

وأكد "لي جيان" على مواصلة الصين دعم عمل منظمة الصحة العالمية في تنسيق الجهود الدولية لمكافحة كورونا، محذرا من "أن وقف المدفوعات الأمريكية لها سيكون له تبعات سلبية على المكافحة العالمية للفيروس".

تحذير "لي جيان" قرأه مراقبون في سياقه الدبلوماسي، بينما قرأه آخرون باعتباره تهديدا مبطنا، في ضوء تجاوز بكين للمرحلة الحرجة من تفشي الوباء في الوقت الذي تتفاقم فيه الأمور في الولايات المتحدة، وهو ما ظهر أيضا في مطالبة الخارجية الصينية للولايات المتحدة في بيان رسمي بـ"التوقف عن تسييس قضية صحية والتركيز بدلا من ذلك على سلامة شعبها".

المصدر | الخليج الجديد