الثلاثاء 14 أبريل 2020 01:58 م

الإنتاج السينمائي المصري كغيره من الإنتاج العالمي تطرق إلى أفلام الأوبئة والكوارث في أكثر من عمل سينمائي ،وذلك منذ الستينات من القرن الماضي، ولكنها لم تتطرق للأمراض أو الأوبئة بصورة علمية ولم تتبع مسارتها، وإنما تعاملت معها من منظور اجتماعي سياسي يرصد مشاكل المجتمع في ظل مواجهة الوباء ،ويرصد أثره على الفقراء والمعدمين.

وقبل أن نتناول الأفلام التي عالجت موضوع الأوبئة في السينما المصرية لابد أن نشير إلى أننا سنستثني تلك الأفلام التي مر فيها مرض ما مرورا عارضا أو بمعنى أدق مرور للضرورة الدرامية وهي أفلام كثيرة منها مثلا فيلم "الزوجة الثانية" لـ"صلاح أبوسيف" الذي أشار في جزء منه إلى وباء الملاريا، وستجد إشارة إلى مرض السل الذي صنف كوباء في الأربعينات من القرن الماضي في أكثر من فيلم مقتبس عن قصة غادة الكاميليا وهي أفلام "ليلى" لـ"توجو مزراحي"، و"عهد الهوى" لـ"أحمد بدرخان"، و"عاشق الروح" لـ"أحمد ضياء الدين"، و"رجال بلا ملامح" لـ"محمود ذو الفقار".

الأفلام التي أشرنا إليها لا نستطيع وضعها في خانة أفلام الأوبئة فقد اهتمت فقط بجانب درامي أشارت فيه لمرض البطل أو البطلة بوباء العصر، عارضة أثر الوباء على بطل أو بطلة الفيلم، وإن كان فيلم "الزوجة الثانية" توسع قليلا لعرض سريع لأثر المرض على الفقراء وتناول في لقطة أو لقطتين جهل التعامل مع الوباء ولم يكمل حتى لا يخرج عن سياق الفيلم الأصلي.

"المتمردون" لـ"توفيق صالح" بداية

نستطيع القول إن عام 1968 هو أول محاولة سينمائية حقيقية للاقتراب من إنتاج فيلم عن أحد الأوبئة التي كانت منتشرة وأثرها ممتد حتى ذلك الوقت، جاء الفيلم في إطار المد الطبيعي لموجة الواقعية الاشتراكية التي مثلها عدد من مخرجي المرحلة منهم المخرج "توفيق صالح"، حين تناول في فيلم "المتمردون" معاناة مرضى الدرن.

يذهب الدكتور عزيز (شكري سرحان) للعلاج بإحدى المصحات الموجودة في منطقة نائية جافة، ويكتشف أن المصحة بها قسمان؛ الأول للمرضى الأثرياء الذين يدفعون ثمن علاجهم، وهو العلاج الوحيد لمرض الدرن مكون من حقن  الإستربتومايسين، حيث يتناول المريض حقنة يوميا لمدة تتراوح بيىن 6 شهور وسنة، وتتوافر لهم كل سبل الراحة من طعام وماء مثلج ومراوح تقيهم لفح الحر فى الصحراء.

والقسم الثانى وبه المرضى الفقراء الذين يعالجون على نفقة وزارة الصحة، فلا يتوافر لهم العلاج، الذى يأتى عبر طرق روتينية صعبة، تحت رحمة موظفين لا يفقهون شيئا فى العلاج، كما أن الماء قليل وكذلك الطعام، ويتكدسون فى عنابر ضيقة.

وقد قرر الدكتور عزيز أن يتعالج على حساب النقابة، وتم إعداد أوراق علاجه، التى مرت بالطرق الروتينية الصعبة، حتى تأخر علاجه عدة شهور، وتقابل بالمصحة مع صديقه القديم الصحفى رجب أفندى (توفيق الدقن) الذى يعالج بالقسم المجانى، كما أخبره طبيب المصحة الدكتور سعيد (محمد توفيق) إن المرضى بالقسم المجانى ساخطين ومتذمرين، ويبدو أن الوزارة لم تجمعهم بالمصحة للعلاج، ولكن لعزلهم حتى لا ينتشر المرض، وأن المصحة يديرها الموظف رشوان بيه (محمود السباع) وهو ليس طبيبا، ويمارس سطوته على الجميع، بمن فيهم الأطباء المعالجون، ويوجه الإعانات التي تتلقاها المصحة، في غير موضعها.

وتتسارع الأحداث ليتزعم الدكتور عزيز الثورة ضد الطبقية واستئثار رأس المال بأبسط حقوق الفقراء في العلاج، لينتهي الأمر  بقمع التمرد ونقل الدكتور عزيز ومن ساعده إلى مصحة أخرى وإعادة السيطرة على المصحة.

معالجة الإيدز على الشاشة المصرية

لم تتبع السينما المصرية خطى "توفيق صالح" بعد ذلك، ولم نشاهد على الشاشات أيا من الأفلام تتناول الأمراض الناتجة عن عدوى الفيروسات، حتى ظهر مرض الإيدز وبدأ ينتشر، لكن للأسف بداية المعالجة السينمائية لمشكلة الإيدز كانت من خلال سينما المقاولات (أفلام ردئية الصنع قليلة التكاليف انتشرت في الثمانيات والتسعينات من القرن الماضي).

ولعل أهم فيلم وقتها في هذا السياق كان فيلم "الحب في طابا" للمخرج "أحمد فؤاد"، تناول فيه قصة 3 أصدقاء سافروا في رحلة ترفيهية بعيدا عن زوجاتهم وتعرفوا على فتيات أجنبيات انتقل لهم المرض عن طريقهن، غلبت على الفيلم النبرة الوعظية والأحداث غير المنطقية، وإن أظهر الفيلم جانبا من الجهل بالمرض وطرق التعامل مع المريض.

وانتظرنا حتى عام 2011 عندما تناول فيلم "أسماء" بطولة الممثلة "هند صبري"، قصة معاناة مريضة إيدز مع المجتمع الذي أخفت عنه حقيقة مرضها حتى عن أهلها، ومعاناتها مع الأطباء الذين يتهربون منها بحجج كثيرة بينما تحتاج إلى عملية جراحية خطيرة، ومعاناة الفقر والمرض، استطاع الفيلم أن يرصدها لكنه لم يتعامل مع الوباء كوباء.

"النوم في العسل" كان الأفضل

عام 1996 قدم لنا المخرج "شريف عرفة" أول فيلم يتناول ظاهرة مرضية تجتاح المجتمع المصري، فتجعل من رجاله غير قادرين على أداء مهامهم الزوجية وهو فيلم "النوم في العسل"، حيث يلاحظ ضابط المباحث خلال تواجده بدائرة قسمه أن هناك حاله غير اعتيادية من الشجارات العائلية، وضرب الأزواج على غير العادة، وحالة انتحار لعريس في ليلة عرسه، وتتشابك الخيوط ليكتشف أن هناك مرضا مجهولا  أصاب الرجال بالعجز الجنسي، إلى هنا يمضي الفيلم في الاتجاه العالمي لمثل هذه النوعية.

لكننا نجد أنفسنا فجأة وقد تغير المسار وترك المرض ولم تظهر معامل التحاليل لنمضي في طريق مختلف تماما للمعالجات السينمائية لمثل هذه النوعية من الأفلام، فيتشعب الفيلم ما بين نقد للاستهتار الحكومي بصحة الشعب، ولجوء المواطنين لمحاولات الحل الخاصة ما بين رجال الدين، والدجالين والطب الشعبي فضلا عن سخرية الوزراء من الأمر ومحاولة التعتيم على المرض.

الغريب أن فيلم "النوم في العسل" وصف بدقة الأداء الحكومي المصري في حالة تفشي ظاهرة مرضية بالرغم من أنه أنتج في ظل الحقبة التي كان يحكم فيها المخلوع "مبارك"، فأحداث الفيلم رغم اختلاف الزمن والمرض هي نفسها تلك التي عايشناها خلال أزمة "كورونا" مع حكومة الانقلاب في مصر، من حيث التعتيم، والسذاجة في مواجهه المرض والاستهتار بآلام وأرواح المواطنين.

في الفيلم شاهدنا العطار الذي يبيع للمواطنين علاجا شعبيا قراطيس من أجل الفحولة، وشهدنا نكات الناس على الموضوع وسخريتهم منه، وفي أزمة الكورونا طلع علينا من ينصح الناس بأكل "الشلولو" (طريقة لصنع الملوخية معروفة في صعيد مصر)، وخرج علينا أيضا عبر شاشات الفضائيات المصرية من نصح الأمريكان بأكل الكشري المصري، وفي الفيلم تظاهر المصريون صارخين (آه.. آه.. آه) ضد المرض، في أزمة "كورونا" أيضا تظاهر المصريون وطالبوا "كورونا" بالرحيل.

لقد سبق "شريف عرفة" و"عادل إمام" الزمن بصناعة هذا الفيلم لا لأنهما استطاعا أن يكشفا الغطاء عن مؤامرة كونية، أو تطابق أحداث لفيروس سيقضى على البشرية، ولكن لأنهما كانا أكثر وعيا بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم في مصر، وأكثر وعيا بطبيعة الشخصية المصرية.

المصدر | الخليج الجديد