الجمعة 17 أبريل 2020 12:50 م

تعد دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" إلى إجراء حوار مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس)؛ لإطلاق سراح الجنود الإسرائيليين لديها، فريدة من نوعها، خاصة أنها تتعلق بملف شائك وحساس لتل أبيب.

وتحتفظ "حماس" بأربعة إسرائيليين أسرى لديها، منهم جنديان أسرتهما خلال حرب 2014، والآخران أحدهما من أصل إثيوبي، والثاني عربي يحمل الجنسية الإسرائيلية.

وتتكتم "كتائب القسام" الذراع العسكري للحركة، على حالتهم الصحية، أو أية تفاصيل بشأنهم، ضمن معادلة فرضتها الحركة، تقضي بأن المعلومات لا بد أن يكون لها مقابل.

ويضم ملف الأسرى الإسرائيليين لدى حماس كلا من "هدار جولدن" و"أورون شاؤول"، وهما جنديان تمكنت كتائب "القسام" من أسرهما خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، يوليو/تموز 2014، ولم تعلن عن مصيرها إلا في أبريل/نيسان 2016.

وكان الاحتلال الإسرائيلي يعتبر "جولدن" و"شاؤول" قتيلين مفقودين، لكنه اضطر لاحقا بعد مفاجأة "حماس" إلى إعادة تصنيفهما في يونيو/حزيران 2016 كـ"أسيرين مفقودين".

أما الأسير الثالث فهو "أفيرا منيستو"، وهو جندي إسرائيلي من أصول إثيوبية، هاجر مع عائلته ويقطن في عسقلان، ويقول الاحتلال إنه دخل قطاع غزة بطريق الخطأ، بينما تصر "حماس" على أنه تم أسره خلال عملية مخطط لها.

والأسير الرابع هو "هشام السيد"، وهو فلسطيني يحمل الجنسية الإسرائيلية، ويسكن بمنطقة حورة في النقب.

مبادرة "السنوار"

وفي مطلع أبريل/نيسان الجاري، طرح رئيس حركة "حماس" في قطاع غزة، "يحيى السنوار"، مبادرة جديدة لتحريك الماء الراكد بخصوص ملف الأسرى العالق بين الحركة ودولة الاحتلال.

وتتضمن مبادرة "السنوار" أن يقوم الاحتلال الإسرائيلي باتخاذ خطوة إنسانية، بإطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين (المرضى والنساء وكبار السن) من سجونه، على أن تقدم له الحركة مقابلا جزئيا.

ولم يكشف "السنوار" عن طبيعة هذا المقابل، الذي قد يشمل الكشف عن الحالة الصحية لأسرى الاحتلال، أو إظهار صور حديثة لهم، أو نشر صور لمتعلقاتهم والمعدات التي كانت بحوزتهم، وربما في مرحلة ثانية بث مقطع فيديو لأحدهم.

وتدرك تل أبيب أن مبادرة "السنوار" لن ترقى إلى عملية تبادل، بقدر ما ستكون تقديم "معلومات" مقابل ثمن ترتضيه الحركة، على غرار استراتيجيتها الناجعة التي اتبعتها في صفقة "شاليط" عام 2011.

ففي 2009، نشرت "القسام" مقطع فيديو مصور للجندي "جلعاد شاليط" (جرى أسره في 2006)، ممسكا بصحيفة محلية تبرهن أنه على قيد الحياة، مقابل إفراج السلطات الإسرائيلية عن 20 معتقلة فلسطينية من سجونها.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2011، كللت الصفقة بالنجاح، برعاية مصرية، بالإفراج عن "شاليط"، مقابل إطلاق سراح 1027 معتقلا فلسطينيا من سجون الاحتلال.

لكن بعد بعد مرور نحو ثلاثة أعوام من إبرام صفقة التبادل، أعاد الاحتلال في يونيو/حزيران 2014 اعتقال أكثر من 35 فلسطينيا في الضفة الغربية، ممن أفرج عنهم في صفقة "شاليط".

ويلخص القيادي الحمساوي "محمود الزهار"، رؤية الحركة للصفقة المرتقبة، بالقول إن "حماس معنية بصفقة متوازنة، لا تخرج إسرائيل رابحة منها على حساب الأسرى الفلسطينيين". 

الصفقة المقترحة

يعد تفشي فيروس" كورونا" دافعا لتحريك ملف الأسرى، مع تنامي مخاوف "حماس" من انتقال الوباء إليهم بعد الإعلان عن إصابة عدد من السجانين الإسرائيليين.

وإزاء تلك المتغيرات، يتصدر كبار السن والمرضى والنساء، والأطفال تحت سن 18 عاما، مواقع الصدارة على قوائم أي صفقة مرتقبة، دون الكشف عن حجم العدد الذي ستطالب "حماس" بالإفراج عنه.

ومن المتوقع أن تشمل بنود الصفقة، الإفراج عن عدد من قيادات الحركة، والفصائل الفلسطينية الأخرى، من أبرزهم القيادي الفتحاوي "مروان البرغوثي"، وأمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "أحمد سعدات". 

وستتضمن الصفقة كذلك، تحسين الظروف المعيشية في غزة، وتخفيف الحصار على القطاع، والحصول على مزايا اقتصادية أخرى.

ومن المؤكد أن حالة الأسرى الأربعة الصحية، ومسألة كونهم "أحياء" أو "موتى" ستكون عاملا مؤثرا وحاسما في تلك الصفقة، حيث ستتغير حسابات تل أبيب، حال ظهور دليل يثبت بقاءهم على قيد الحياة.

وتروج دوائر إسرائيلية، أن الجنود الأسرى قتلوا كلهم أو بعضهم خلال أَسرهم، أو أثناء مكوثهم بغزة، ما يعني أن "حماس" تمتلك "رفات جثث"، وليس أسرى على قيد الحياة، وساعتها سيكون الثمن المطلوب أقل كلفة.

لكن حال إظهار "حماس" دليلا دامغا يثبت أن الجنود لا يزالون أحياء، فسيشكل ذلك هزة عنيفة للحكومة الإسرائيلية، وسيرفع من حدة ضغوط الشارع الإسرائيلي عليها، بما يجبرها على تقديم تنازلات كبيرة، ستتجاوز بلا شك الثمن الذي دفعته مقابل "شاليط".

وبالنظر إلى خبرة "حماس" التفاوضية، وقدرتها على إدارة عمليات تبادل الأسرى، ترجح مصادر مقربة من قيادات الحركة أن ثمن المعلومات حول حالة الجنود الأسرى، ربما يكون المطالبة بالإفراج عن 700 حالة مرضية، و200 طفل قاصر، و41 أسيرة، و70 أسيرا أعيد اعتقالهم من المفرج عنهم من صفقة "شاليط"، أما الأسرى أنفسهم فسيكون لهم ثمن آخر.

ألمانيا وروسيا

من المرجح أن تلعب كلا من ألمانيا وروسيا، بدعم مصري أممي، دورا كبيرا في إتمام أي صفقة، وقد أجرت برليم بالفعل اتصالات مع الجانبين عبر وسيط سابق لها كان له دور في "صفقة شاليط" عام 2011.

أما روسيا، فقد بحث نائب وزير الخارجية الروسي "ميخائيل بوجدانوف"، الملف ذاته، قبل أيام، مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس "إسماعيل هنية".

ويتوقع المراقبون، عملية تفاوضية شاقة، وقد تستغرق وقتا، مع عدم رغبة "نتنياهو" في الظهور بمظهر الضعيف أو الخاضع أمام مطالب "حماس"، لا سيما وأنه كان رئيسا للحكومة الإسرائيلية إبان "صفقة شاليط"، وصرح حينها أن "الموافقة على الصفقة هو أصعب قرار اتخذه في حياته".

وتبقى هناك مخاوف جدية من لعب الاحتلال بورقة تفشي "كورونا" للضغط على "حماس" لتخفيف شروطها، ومقايضة المعدات الطبية لمكافحة الفيروس بمعلومات عن حالة الأسرى.

لكن إجماعا في مختلف الأوساط الأمنية، على أن مصير الجنديين "جولدن" و"شاؤول"، يمثل خصوصية للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حيث جرى أسرهما أثناء تنفيذ عملية عسكرية في غزة، وحال ثبوت أنهما أحياء فيسوف يكون الاحتلال مضطرا لدفع ثمن باهظ لاستعادتهما.

المصدر | الخليج الجديد