الأربعاء 15 أبريل 2020 07:28 ص

أفغانستان ما بعد اتفاق طالبان– أميركا

أفغانستان أمام خيارين: حل سياسي تفاوضي يؤدي إلى تسوية، أو حرب تعيد مآسي الحرب الأهلية!

حركة طالبان لم تؤيد ولم تدعم أي عمل عسكري خارج أفغانستان، ورغم تعرّضها لهجوم تحالف دولي.

الطرف العسكري الحكومي أضعف من أن يصمد بوجه «طالبان» فيما إذا اتجهت الأوضاع للصدام العسكري.

اتفاق الدوحة حسم الحرب لصالح طالبان فحصلت على شرطها بسحب القوات الأميركية مقابل عدم سماح الحركة لأية تحركات معادية لأميركا.

*     *     *

منذ توقيع اتفاق الدوحة بين الولايات المتحدة الأميركية وحركة طالبان الأفغانية الذي وضع حداً لأطول حروب أميركا التي امتدت لثمانية عشر عاماً، وواشنطن منشغلة عن أفغانستان بكارثة كورونا التي سجلت أكثر الدول تفشياً للمرض حتى الآن، أمر أضعف حلفاءها في كابل الذين هم بالأصل متشاكسون.

وقد بدا ذلك بوضوح في عجزهم عن التفاهم على حكومة مشتركة بين الرئيس أشرف غني، والمعارضة الممثلة بالدكتور عبد الله عبد الله، إذ إن كلاً منهما يدعي وصلاً بالنصر والفوز بالانتخابات.

وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو وجد نفسه في كابل على جناح السرعة لإقناع الطرفين بوضع حد لخلافاتهما، ليواصلا بالتالي العمل ضمن حكومة موحّدة موالاة ومعارضة، وهي الخلطة السياسية الأولى، ربما في تاريخ السياسة، بحيث تكون الحكومة ومعارضتها في الحكومة نفسها.

لكن على ما يبدو بومبيو خرج غاضباً من كابل، وهو ما يفسره تصريحه بتهديد تعليق مساعدات تصل إلى المليار دولار لكابل إن لم يتفق القطبان أشرف غني وعبد الله على حكومة واحدة، تقوم بالتفاوض مع حركة طالبان الأفغانية.

حركة طالبان الأفغانية لا تزال تتهم واشنطن وكابل بالتنصّل عن مسؤولياتهما في تنفيذ اتفاق الدوحة، فما أعلنته كابل عن الإفراج عن آلاف من المعتقلين لم يكونوا من مقاتلي طالبان، وإنما من أصحاب الجنح وكبار السن، تحسباً لتفشي وباء «كورونا» في السجون، وتقول الحركة إن التصعيد العسكري الأفغاني زاد على مواقعها، مما يعني أن وقف عملياتها لم يقابل بالمثل من قبل الحكومة الأفغانية.

المفاوضات بين الحكومة والحركة التي كان ينبغي أن تبدأ مباشرة بعد التوقيع على اتفاق الدوحة، يبدو أن الحركة فخختها برفضها تركيبة الوفد الأفغاني، وهو ما استغربته الحكومة الأفغانية التي لم تتدخل بتركيبة الوفد الطالباني، لكن الأخير يرى أن تشكيلة وفد الحكومة من شخصيات لا نفوذ لها على الأرض يشير إلى أن الوفد لا صلاحيات ولا سلطات له بتنفيذ ما يتفق عليه.

لا شك أن اتفاق الدوحة حسم الحرب لصالح حركة طالبان الأفغانية مبدئياً، وهي التي حصلت على شرطها المبدئي بسحب القوات الأميركية من أفغانستان، مقابل تعهّد بعدم سماح الحركة لأية تحركات معادية للأميركيين وحلفائهم.

مثل هذا التعهّد يبدو أن الحركة قادرة على تنفيذه، ولا مشكلة لها معه، تأكد عبر مسيرة امتدت 18 عاماً ماضية، فالحركة لم تؤيد ولم تدعم أي عمل عسكري خارج أفغانستان، ورغم تعرّضها لهجوم تحالف دولي، وصل إلى 39 دولة، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، إلا أنها لم تدع أو تشجّع على أي عمل إرهابي خارج أفغانستان.

وحتى حين حصلت هذه العمليات لم تؤيدها طالبان أفغانستان، ولعل الأكثر تشجيعاً على الاعتقاد بأن طالبان ستفي بتعهداتها هو أن طالبان باكستان حين كانت تقوم بعمليات ضد الجيش الباكستاني أو غيره كانت طالبان أفغانستان تسارع إلى التبرؤ من أفعالها وأعمالها.

بقي أن نقول إن أميركا ربما أكثر ما يقلقها هو تنظيم القاعدة، وإمكانية أن يقوم بهجمات عليها وعلى حلفائها، بينما كل المحللين والخبراء يعرفون تماماً أنه لم يبق شيء اسمه تنظيم القاعدة، ومن بقي منه قد تخلى عنه تماماً، أو ضعف في كل المناطق والبلدات التي يتواجد فيها، في حين تغيرت ذهنيته وعقليته تجاه الماضي والحاضر، وبالتأكيد المستقبل، وذاك محل دراسة معتبرة لمن أراد أن يخوضها.

أفغانستان أمام خيارين، تماماً كما كانت قبل سقوط كابل بأيدي المجاهدين في أبريل 1992، إما حل سياسي تفاوضي يؤدي إلى تسوية، أو حرب تعيد مآسي الحرب الأهلية التي خاضها الإخوة الأعداء في تلك السنوات العجاف، والتي امتدت ذيولها حتى اليوم بطريقة أو بأخرى.

فحركة طالبان الأفغانية التي تتهم الحكومة ومن خلفها الأميركيين بنكث وعودها بالاتفاقيات والعهود الأخيرة، تقوم بالمقابل بالسعي إلى فرض تركيبة الوفد التفاوضي الحكومي، حين رفضت تشكيلة الحكومة، لكن ما يثير القلق أكثر هو عودة أحمد مسعود نجل القائد الأفغاني أحمد شاه مسعود، الذي قاتل «طالبان» حتى مقتله 2001، وتشبيهه الوضع -في مقابلة نادرة نشرت أخيراً بـ «التايمز» البريطانية -بأفغانستان ما قبل سقوط نجيب الله.

أحمد مسعود يعود بعد تخرجه من كلية ساند هيرست العسكرية البريطانية، ليحذّر من انهيار المنظومة الأمنية والعسكرية للنظام في كابل كما حصل أيام نجيب الله، ولكن على ما يبدو فات أحمد مسعود أن التركيبة الحكومية في كابل اليوم مفككة بنفسها دون أي وسيط.

فعلى الصعيد السياسي نرى الخلافات بين الرئيس والدكتور عبدالله عبدالله، أما على صعيد القوى العسكرية والأمنية ممثلة بما تبقى من التحالف الشمالي، الذي كان يقوده والده أحمد شاه مسعود، فإن الصورة موزاييكية تماماً، إذ إن كل واحد يصيح على ظهر بيته.

فإخوة مسعود منقسمون، وكذلك حلفاؤه من يونس قانوني وعبدالله وغيرهما، مما يجعل الطرف العسكري الحكومي أضعف–على ما يبدو– من أن يصمد بوجه «طالبان» فيما إذا اتجهت الأوضاع –لا سمح الله– للصدام العسكري.

لكن ما يقلق الكل هناك اليوم، هو ما تردد عن عودة فيلق فاطميون الأفغاني الشيعي، الذي كان يقاتل في سوريا، وزاد من هذه القناعة تفشي فيروس كورونا في مناطق النظام السوري ومخيمات اللاجئين الأفغان، فدفع بين 8 إلى 15 ألف أفغاني إلى العودة، ومعظمهم من مناطق الهزارة الشيعية في وسط أفغانستان، مثل هذه العودة قد تؤشر -بنظر خبراء أفغانستان- إلى صدام ربما أشد دموية في المستقبل.

إشارة مسعود إلى أن الانقسامات الطائفية تزداد وسط القوى الأمنية والعسكرية في كابل مهمة، وهي ربما انعكاس طبيعي لما يراه الأفغان من أن «طالبان» هي التي فازت بالحرب بعد قبول الأميركيين بالانسحاب على شروطها.

وبالتالي لا يستغرب البعض أن تعمد هذه القوى–لا سيما البشتونية منها– والتي تشاطر طالبان عرقية واحدة، بالانشقاق عن الحكومة والانضمام للحركة، وحينها ستكون الحكومة في مأزق حقيقي.

بقي أن نذكر أن القاعدة الشعبية والعلمائية والقبلية لحركة طالبان متماسكة ومنسجمة مع بعضها أكثر بكثير من تركيبة الحكومة الأفغانية، وهو ما تلعب على وتره الحركة، التي سعت أخيراً إلى تأسيس ثلاث قنوات تواصل مع أفغانستان، قناة علمائية مشيخية قبلية، وقناة سياسية، وقناة عسكرية وكلها تهدف إلى إضعاف الحكومة وتشتيت صفوفها، ولكن لا نستطيع إلا أن نقول: حفظ الله أفغانستان، وجنّبها مؤامرات الأعداء الداخليين والخارجيين.

* د. أحمد موفق زيدان كاتب صحفي وإعلامي سوري.

المصدر | العرب القطرية