الخميس 30 أبريل 2020 11:42 م

يهدد تفشي فيروس كورونا بفقدان المكاسب التي حققها الجنيه المصري مقابل الدولار خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، ليكون بذلك أحد العملات القليلة للأسواق الناشئة التي حققت مكاسب أمام العملة الخضراء.

وبعد تهاوي الجنيه المصري وفقدانه أكثر من نصف قيمته بعد قرار الحكومة تعويم العملة في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2017، حققت العملة المصرية تعافيا نسبيا وبدأت في الصعود مجددا، إلى درجة أن بنوك استثمارية كانت تتوقع أن تنخفض قيمة العملة الخضراء إلى 15 جنيها مصريا مقابل كل دولار بنهاية العام الحالي، لكن تفشي فيروس كورونا تسبب في تقليص موارد النقد الأجنبي في مصر وعلى رأسها السياحة وعائدات قناة السويس وهو ما تسبب في إيقاف موجة صعود الجنيه.

ودفع ذلك البنك المركزي للجوء إلى السحب من الاحتياطي الدولاري الذي هبط بنحو 10% إلى نحو 40 مليار دولار في نهاية مارس/آذار الماضي، مقارنة بـ45 مليار دولار في شهر فبراير/ شباط وفقا لبيانات رسمية، وهو ما سلط الضوء على مأزق البنك المركزي الذي يسعى لإعطاء أولوية لاستقرار قيمة العملة في الوقت الذي يواحه فيه أشباح التباطؤ الاقتصادي والركود.

وفي بيان، أصدره بتاريخ 7 أبريل/نيسان الجاري، قال البنك المركزي إنه سحب من الاحتياطيات الأجنبية ليغطي جزئيا خروج محافظ استثمار أجنبية ولتلبية احتياجات السوق المحلية من العملة الصعبة لاستيراد سلع استراتيجية فضلا عن سداد التزامات خدمة الدين الخارجي.

توقعات متضاربة

وإزاء ذلك، بات مستقبل الجنيه المصري وسعره أمام الدولار محل سجال بين العديد من خبراء الاقتصاد، بين من يرى أن العملة المصرية ستدخل فيه موجة هبوط جديدة، وبين من يرون أن الجنيه سيحافظ على أدائه القوي في ظل وجود مؤشرات على إعادة فتح الاقتصاد العالمي واستئناف حركة الملاحة والرحلات الجوية.

"مصطفى أبوزيد"، مدير مركز مصر للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، من مؤيدي التقدير الثاني، إذ يتوقع مواصلة الجنيه المصري رحلة الارتفاع أمام الدولار، ويستبعد تراجعه مجددا خلال عام 2020 رفم تفاقم أزمة كورونا، وفقا لما أوردته صحيفة "الوطن" المصرية.

ويرى "أبوزيد" أن استمرار استقرار الجنيه يعود جزئيا إلى تدفق العملات الأجنبية بفضل تحويلات المصريين العاملين في الخارج، وهو ما سيتعزز مع الاتجاه العالمي لعودة النشاط الاقتصادي، مشيرا إلى أن الميزان التجاري شهد تحسناً ملحوظاً بعد الزيادة الكبيرة في قيمة الصادرات التي ارتفعت بشكل ملحوظ مقابل تراجع الواردات بشكل كبير خلال الربع الأول من العام الحالي.

وفي السياق ذاته، يتوقع الاقتصادي المعني بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى جولدمان ساكس "فاروق سوسة" أن تركّز مصر على تثيبت سعر الجنيه في الوقت الحالي، باعتبار ذلك أولوية في ظل مؤشرات تفيد بأن الحاجة للسحب من الاحتياطي النقدي الأجنبي لن تدوم طويلا.

ورغم أن برنامج صندوق النقد الدولي الجديد لإقراض مصر ربما يتطلب مرونة أكثر للجنيه في الأجل المتوسط، إلا أن الأدلة – بحسب "سوسة" - تشير إلى أن "استقرار الجنيه وبرنامج من صندوق النقد الدولي لا يتعارضان مع بعضهما البعض"، وفقا لما أوردته وكالة "رويترز".

ويشير الخبير بجولدمان ساكس في هذا الصدد إلى أن عملية دعم البنك المركزي المصري للجنيه في الفترة الماضية تتم بعلم صندوق النقد الذي يتسامح معها طالما أنها لم تسفر عن سوق موازية للعملة حتى الآن.

هاوية جديدة

في المقابل، يشعر الكثير من المصرفيين بالقلق من خطر فقدان نسبة من تحويلات المصريين العاملين في الخارج، خاصة في دول الخليج العربي، التي يُتخوف من أن تُقدم على عمليات تسريح كبيرة للعمالة، بما قد يعني خسارة مليارات الدولارات التي تتدفقف سنويا إلى الاقتصاد المصري (بلغت قيمة تحويلات المصريين في الخارج خلال عام 2019 حوالي 26 مليار دولار).

ولذا يرى "فينيكس كالين" من "سوسيتيه جنرال"، أن البنك المركزي ربما لن يكون قادرا على مواصلة التدخل لتثبيت سعر العملة بشكل أساسي عند 15.75 جنيه مقابل الدولار، وأن العملة المصرية ستبدأ في الهبوط خلال الأسابيع المقبلة، مشيرا إلى أن التقديرات المصرية بشأن استمرار استقرار الجنيه "رغبوية أكثر منها واقعية".

ويتفق معه "كالي دافيز"، الاقتصادي في "إن كي سي أفريكان إيكونوميكس"، مشيرا إلى أن استراتيجية السحب من الاحتياطيات لإدارة العملة لا يمكن أن تستمر، وستقود إلى مغالاة في قيمة الجنيه، وهو ما يؤشر إلى انخفاض قيمة العملة المصرية في الأجل المتوسط.

في السياق ذاته، يشير "جيسون توفي"، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في "كابيتال إيكونوميكس"، أن استمرار سياسة دعم الجنيه لفترة طويلة قد تهدّد بتكرار المشكلات التي أدت إلى هبوط قيمته بنسبة 50% في عام 2016، متوقعا أن ينخفض الجنيه بنسبة 7.5% هذا العام، باعتبار أن اللجوء إلى صندوق النقد الدولي يعني أن السلطات المصرية "سترخي على الأرجح قبضتها على الجنيه عاجلاً وليس آجلاً".

ويدعم هذا الرأي تقديرات بنك أوف أمريكا، التي تشير إلى أن الجنيه المصري يزيد عن قيمته الفعلية مقابل الدولار بنحو 15%، وأن العملة المصرية تتحرك داخل نطاق ضيق جدا منذ منتصف مارس/آذار الماضي نتيجة تدخل البنك المركزي.

فهل تتحقق تقديرات توقعات المتفائلين أم المتشائمين بشأن قيمة الجنيه؟ ترتبط الإجابة غالبا بمدى قدرة العالم على احتواء فيروس كورونا في وقت قريب، وسرعة التي سيتعافى بها الاقتصاد العالمي، وتأثير ذلك كله على تدفقات مصر من النقد الأجنبي.

المصدر | الخليج الجديد