الاثنين 6 أبريل 2020 04:01 م

آثار اقتصادية تنذر بتبعة سياسية خلفتها أزمة تفشي فيروس "كورونا" المستجد "كوفيد-19" في مصر، خاصة مع انخفاض تدفقات العملة الأجنبية إلى البلاد في ظل مؤشرات انهيار عائدات السياحة، وانخفاض تحويلات المصرين من الخارج، وتراجع الاستثمار الأجنبي.

ويمثل التذبذب المحتمل في سعر صرف العملة المصرية أمام الدولار الأمريكي (يعادل الدولار 15.75 جنيه حاليا) أحد أهم تلك الآثار، إذ يتوقع المحللون الماليون تراجع الجنيه في ظل مؤشرات على  تكبد العملات في الأسواق الناشئة خسائر بنسبة 30% من قيمتها، إذا ما واصل الفيروس تفشيه حول العالم، وفقا لما أوردته وكالة "بلومبرج".

وأمام مؤشرات استمرار أزمة "كورونا"، لم يستبعد محافظ البنك المركزي المصري "طارق عامر" تراجع قيمة الجنيه خلال الفترة المقبلة، مشيراً، في تصريحات لفضائية "صدى البلد" (محلية مقربة من النظام)، إلى أن انخفاضا آخر في قيمة الجنيه أمام العملة الأمريكية بات واردا.

وتراوحت تقديرات المحللين بشأن تراجع الجنيه بشكل نسبي ليتم تداول الدولار عند متوسط 16-18 جنيها مصريا، حيث توقع بنك الاستثمار المصري "فاروس القابضة" أن يبلغ سعر الدولار 17 جنيها مصريا، فيما توقع بنك الاستثمار "رينيسانس كابيتال"، تداوله عند سعر يتراوح بين 17- 17.5 جنيه لكل دولار.

ويعزز من هذه التوقعات أن الجنيه كان في طور التراجع أصلا قبل أزمة "كورونا"، تزامنا مع عودة ظهور السوق السوداء بعد غياب لنحو 3 سنوات، ليصل سعر الدولار فيها إلى 16.15 جنيه، وفقا لما نقله "العربي الجديد" عن متعاملين في سوق الصرف.

ولما كانت مصر تعتمد على الاستيراد بشكل كبير في توفير الغذاء، فإن صعود الدولار يفاقم من أسعار أغلب السلع والخدمات في البلد الذي شهد موجة غلاء غير مسبوقة في أعقاب تحرير سعر صرف الجنيه في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2016.

ومع تواصل الضغوط على الموارد الرئيسية الثلاث للعملة الأجنبية في مصر، وهي السياحة، وتحويلات المغتربين، وإيرادات قناة السويس، فإن الجنيه سيواصل على الأرجح تراجعه أمام الدولار، حسبما نقلت شبكة "روسيا اليوم" عن مذكرة بحثية لـ"أحمد حافظ"، رئيس قسم بحوث منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "رينيسانس كابيتال".

اقتصاد يتداعى

وعلى التوازي، وجهت أزمة "كورونا" ضربة قاسية للعديد من القطاعات الإنتاجية والخدمية في مصر، خاصة قطاع السياحة الذي توقف بشكل تام تقريبا. ومع كون القطاع يشكل نحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن توقفه يفاقم الأزمة الاقتصادية في بلد يعاني بالأساس من البطالة، وارتفاع أعداد الفقراء الذين تقدرهم الحكومة بنحو ثلث السكان، في حين تقدر جهات مستقلة نسبتهم بأكثر من 50%.

بخلاف ذلك، عمق تفشي "كورونا" من أزمة القطاع الخاص المصري، الذي سجل ثامن شهر من الانكماش، الذي تزايدت وتيرته في مارس/آذار الماضي مقارنة مع فبراير/شباط، ما ينذر بسقوط اقتصادي حر حال طال أمد الأزمة واتسع نطاق أضرارها.

وبحسب مؤسسة "آي إتش إس ماركتس" العالمية، فإن مؤشر مديري المشتريات المتعلق بالقطاع الخاص غير النفطي في مصر تراجع إلى 44.2 نقطة، في مارس/آذار الماضي، مقابل 47.1 نقطة في فبراير/شباط.

ويعد الانكماش الحالي هو الأشد منذ يناير/كانون الثاني 2017، عندما شرعت مصر في إجراءات تقشف ضمن برنامج اقتصادي بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار، تم الحصول على الشريحة الأخيرة منه في يوليو/تموز 2019 بقيمة ملياري دولار.

ويرتبط هذا الانكماش بتأثير سلبي على الإنتاج المحلي وسلاسل التوريد في مصر، في وقت تتضارب فيه البيانات حول حجم المخزون الاستراتيجي لبعض السلع الرئيسية، بين ما أكده "رجب شحاتة"، رئيس شعبة الأرز في غرفة الحبوب باتحاد الصناعات المصري، الذي تحدث عن مخزون أرز يكفي حتى أكتوبر/تشرين الأول من العام المقبل (2021)، ووزير التموين والتجارة الداخلية "علي مصيلحي"، الذي قال في 16 مارس/آذار الماضي إن مخزون الأرز يكفي فقط حتى يوليو/ تموز 2020، وفقا لما أوردته وكالة أنباء الشرق الأوسط (رسمية).

وتهدد هذه التطورات بموجات غلاء مضاعفة وشح في السلع حال عدم تمكن الحكومة المصرية من توفير مخزون كافٍ من السلع الغذائية خلال الفترة المقبلة، خاصة أن العديد من الدول تغلق أبواب الصادرات الغذائية في ظل تفشي كورونا، وهو ما دعا الأمم المتحدة إلى التحذير من أن ذلك سيتسبب في أزمة غذاء لدى الدول المستوردة، خاصة في أفريقيا.

تأزم اجتماعي

وإزاء هذه البيانات والمؤشرات، توقع مركز "ستراتفور" أن استمرار تفشي فيروس "كورونا" ربما يقوض قدرة نظام الرئيس "عبدالفتاح السيسي" على الاستمرار في التسويق لنفسه باعتباره ضمانة الاستقرار في مصر.

ويرجح تقرير للمركز الأمريكي أن التداعيات الاقتصادية والسياسية لفيروس "كورونا" في مصر مسارا تدريجيا، فمع استمرار إغلاق قطاع السياحة حتى عام 2021 على الأقل، سوف تجد الحكومة نفسها مضطرة لتطبيق إجراءات تقشف جديدة، وهو ما من شأنه إضعاف قبضة "السيسي" على السلطة، وتوفير بيئة للاحتجاجات الشعبية.

العدد المتزايد من الضباط المتقاعدين والحاليين، المنخرطين في القطاع الخاص، يساهم في تسريع هذا السيناريو، بحسب "ستراتفور"، مع زيادة في صفوف المستهلكين والمستثمرين الأجانب من تأثير الدور المتنامي للجيش على فرص المنافسة بالقطاع الخاص، وبالتالي استمرار عزوف الاستثمار الأجنبي عن مصر.

المصدر | الخليج الجديد