الثلاثاء 30 يونيو 2020 06:28 ص

يصادف اليوم مرور ما يقرب من 3 أشهر من الإغلاق العالمي للحد من انتشار جائحة فيروس "كورونا" "كوفيد-19"، وتواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضربة مزدوجة، حيث اجتمعت عليها التداعيات الاقتصادية الناتجة عن الوباء والانخفاض الحاد في أسعار النفط هذا الربيع.

وبينما تركز مصر على استجابتها قصيرة المدى للأزمة، يغير الوباء المشهد العالمي من الناحية الجيوسياسية والاقتصادية على حد سواء.

ويبدو "الانقسام الكبير" المتوقع بين الولايات المتحدة والصين أقرب الآن، ويدعم الاقتصاديون زيادة الإنفاق الحكومي لإنقاذ الاقتصاد، ومن المحتمل أن تكون المؤسسات المدعومة من الدولة، التي يطلق عليها الأصول الوطنية، هي الاتجاه القادم.

وبصفتها سوقا ناشئة بارزة، يجب على مصر الاستفادة من الصدمة الدولية والإقليمية التي سببها الوباء لتغيير نموذج نموها على المدى الطويل، وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي تشتد الحاجة إليها للاقتصاد على مجموعة متنوعة من الجبهات.

صدمة وفرصة

وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تعد مصر في وضع أفضل من معظم البلدان من حيث فرص التعافي السريع للاقتصاد، بسبب سيطرة الحكومة على الاقتصاد والإصلاحات التي تم تنفيذها بموجب اتفاقها لعام 2016 مع صندوق النقد الدولي، مثل تعويم عملتها، والتخلص التدريجي من الدعم، وإزالة ضوابط رأس المال.

وبالرغم من تراجع الاستهلاك المحلي الضعيف بالفعل، وزيادة مستويات الفقر، لكن الإصلاحات المدعومة من صندوق النقد الدولي عززت ثقة سوق الديون الدولية في البلاد وعززت في النهاية المركز المالي لمصر لتكون قوية بما يكفي لتحمل الصدمات قصيرة الأجل الناشئة عن اندلاع "كورونا"، وكذلك تأثيره الأوسع.

ومع ذلك، يعاني الاقتصاد من العديد من نقاط الضعف الكامنة، ولا سيما مستويات الديون المرتفعة، بالإضافة إلى ذلك، تواجه القطاعات الاقتصادية الرئيسية أيضا تحديات كبيرة؛ فسوف تستغرق السياحة أعواما لتسترد عافيتها بسبب المخاوف العالمية بشأن السفر بشكل عام، وستشهد التحويلات المالية ضررا طويل الأمد أيضا.

المزيد من القروض

ومن المحتمل أن يؤدي تأثير "كوفيد-19" إلى توسيع عجز الحساب الجاري في مصر إلى مستويات غير مسبوقة، ويفسر هذا تحركها لتأمين المزيد من الاحتياطيات المالية وسط عدم اليقين العالمي.

أولا، وقعت القاهرة اتفاقا مع صندوق النقد الدولي لتأمين 2.8 مليار دولار نقدا للطوارئ، ثم حصلت على موافقة بقرض احتياطي لمدة عام واحد بقيمة 5.2 مليار دولار من صندوق النقد الدولي بموجب ترتيب منفصل، وتأمل في الحصول على 4 مليارات دولار أخرى من التمويل الميسر من مصادر أخرى.

وستساعد أموال صندوق النقد الدولي في تحسين حالة مصر في أسواق السندات الدولية، حيث لا تزال بحاجة لسد فجوة تمويلية بقيمة 10 مليارات دولار في عام 2020 من خلال البيع المتوقع للسندات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل.

وسوف يعزز هذا المزيج من القروض الجديدة مكانة القاهرة ويجعلها في وضع أفضل لإدارة تأثير الجائحة على المدى القصير.

عودة الحكومات القوية

وعزز تفشي فيروس "كورونا" الحكمة التقليدية القائلة إن الحكومات الكبيرة ذات السلطات الموسعة مطلوبة في أوقات الأزمات، لذلك، ينبغي على مصر أن تتبنى سياسة مالية حكومية وسياسية توسعية كبيرة لزيادة برامج التحويلات النقدية.

ويجب على القاهرة، أولا، أن تترك وراءها الاستثمارات غير المنتجة وسوء تخصيص رأس المال الذي يهدف فقط إلى تعزيز أرقام الناتج المحلي الإجمالي.

ويمكنها القيام بذلك عن طريق إعادة توجيه مواردها المالية من مشاريع البنية التحتية الحكومية الحالية إلى الصناعات كثيفة العمالة، التي يمكن أن توفر فرصا لأولئك الذين فقدوا وظائفهم والعمال العائدين من دول مجلس التعاون الخليجي.

ويجب أن تشمل قائمة الصناعات البنية التحتية للصحة والطاقة وإمدادات الطوارئ واللوجستيات والمياه والري والتكنولوجيا.

ثانيا، يجب على الحكومة توسيع قاعدة المستفيدين من برنامجها الحالي للتعويضات النقدية، المسمى ببرنامج "التكافل والكرامة"، الذي يستهدف الأسر ذات الاحتياج الأكبر.

ويخدم البرنامج حاليا 3.5 مليون أسرة، ويتم إنفاق الأموال المتلقاة غالبا على الخدمات الأساسية والأغذية والمنتجات.

وسيؤدي توسيع البرنامج في نهاية المطاف إلى تعزيز الطلب في المجتمعات ذات الدخل المنخفض.

احتضان الشركات الوطنية

ويعتبر "كوفيد-19" تحديا للمعايير، وتستمر البلدان المتقدمة والناشئة في تحويل التروس لدعم صناعاتها المحلية.

ويمكن للقاهرة الاستفادة من سوقها المحلية العملاقة لدعم الشركات الوطنية الناشئة، ودفع النمو، وخلق فرص العمل، وخفض الواردات، ومع ذلك، لا ينبغي للحكومة خنق المنافسة أو تهديد الاستثمار الأجنبي.

ويجب أن تحدد الصناعات الاستراتيجية لدعمها، وليس لامتلاكها، من خلال عروض الاستثمار المباشر أو التنظيم الملائم.

ومن أجل تجنب حدوث رد فعل عنيف مشابه لما حدث في التسعينات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما خصخصت حكومة "مبارك" العديد من الشركات المملوكة للدولة، أنشأت الإدارة الحالية مؤخرا صندوق ثروة سيادية يراعي القطاع الخاص مسؤول عن بعض أصول الدولة الواعدة، وقد ركز حتى الآن على العقارات والطاقة.

ويجب على مصر توسيع تفويض صندوق الثروة الخاص بها لاستثمار وإدارة الصناعات الرئيسية الأخرى، مثل السيارات والأجهزة واللوازم الطبية والأدوية والمنتجات الغذائية والمنسوجات.

من العولمة إلى الإقليمية

وكما نعلم فإن العولمة في حالة تراجع، وتفكر القوى الرائدة بجدية في إبطال عقود طويلة من عملية بناء سلاسل التوريد العالمية الفعالة من أجل تجنب صدمة أخرى مثل التي أحدثها فيروس "كورونا".

ويتبنى العالم أكثر فأكثر تدابير حمائية، ويتجنب مفاهيم التجارة المفتوحة والأسواق التي سادت منذ سقوط الاتحاد السوفييتي.

وكاقتصادٍ متوسط ​​الدخل، مع التركيبة السكانية الممتازة والموقع المركزي، يمكن أن تستفيد مصر من التحول الحالي نحو الإقليمية.

وتعد مصر في وضع جيد لتكون مركزا رئيسيا للتصنيع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشرق أفريقيا، ويمكنها استيعاب الاحتياجات الأوروبية للصناعات القريبة من الشاطئ.

بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تحاول القاهرة ضمان إدراج مصر في "شبكة الازدهار الاقتصادي"، وهي مبادرة مقترحة من إدارة "ترامب" تهدف إلى إقناع الشركات الأمريكية بالانتقال من الصين إلى الدول الأعضاء في الشبكة.

ويمكن لمصر الانضمام إلى قائمة الدول الصديقة للولايات المتحدة، مثل الهند وفيتنام وتايلاند، التي ستستفيد من نقل سلاسل التوريد من الصين.

وعلى عكس الحرب الباردة، لا تريد الأسواق الناشئة اليوم أن تضطر إلى الاختيار بين الولايات المتحدة والصين.

وبالنظر إلى محوريتها في الجيوسياسية الإقليمية، يجب على مصر أن تسعى جاهدة للحفاظ على التوازن السياسي والاقتصادي بين القوتين العالميتين.

الاقتصاد غير الرسمي

وبين عامي 2011 و2014، ساعد الاقتصاد غير الرسمي في مصر الاقتصاد الأوسع على امتصاص الصدمة السياسية، وزود البلاد بمساحة أكبر للتنقل خلال التداعيات الاقتصادية الناتجة.

ومع ذلك، في عام 2020، وسط الوباء، كان أعضاء الاقتصاد غير الرسمي أكثر عرضة للإصابة بالفيروس، وهم أول من يفقدون وظائفهم، وأقلهم وصولا إلى خدمات الرعاية الصحية.

ويوجد في مصر 12 مليون عامل يومي يفتقرون إلى المزايا الاجتماعية والتغطية الصحية، وكانوا يكافحون من أجل تغطية نفقاتهم حتى قبل تفشي الوباء.

ولإبطاء انتشار "كوفيد-19"، نفذت مصر إجراءات تأمين قاسية، تركت الملايين دون مساعدة، ما دفع في نهاية المطاف المزيد من السكان إلى المعاناة من الجوع والفقر في جميع أنحاء البلاد.

وتحتاج مصر إلى الاستفادة من أزمة الفيروس لتنظيم الاقتصاد غير الرسمي، وتمحورت الحلول السابقة حول مطالبة الشركات غير الرسمية بالتسجيل مقابل الإعفاءات الضريبية.

وبالنظر إلى عدد الشركات غير الرسمية التي لا تزال قائمة، فمن الواضح أن هذا النهج لم ينجح، وبدلا من ذلك، يجب على الحكومة أن تقدم إعانات البطالة والدعم المالي لأصحاب الأعمال غير الرسميين لمساعدتهم على تجاوز أزمة كورونا الحالية.

وسيوفر هذا لهم حوافز حقيقية للتسجيل وتمكين الدولة من تنظيم الأعمال التجارية، ما يسمح للحكومة في النهاية بالحصول على خريطة دقيقة للاقتصاد.

وتعرض الاقتصاد المصري لصدمة فورية جراء الفيروس بسبب تأثيره على القطاعات الاقتصادية الرئيسية، السياحة والتحويلات.

وهكذا، استخدمت الحكومة مكانة الاقتصاد الكلي القوية في القاهرة لخلق وسائد مالية يمكن أن تساعد في التمويل العام.

ومع ذلك، تحتاج مصر إلى مراعاة الصورة الكبيرة، فمن خلال التركيز فقط على الأزمة الحالية، يمكن أن تغفل القاهرة عن الأهداف الاستراتيجية متوسطة وطويلة الأجل.

وتمتلك البلاد فرصة حقيقية لوضع نفسها كمركز تصنيع لأوروبا والولايات المتحدة، فقد إذا استطاعت تقديم حوافز للشركات الوطنية العاملة في مجال الابتكار والصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا.

وأخيرا، يمكن أن تقدم مصر دعما ماليا للاقتصاد غير الرسمي للمساعدة في التغلب على جائحة "كورونا"، الأمر الذي يعزز هدفها أيضا في تنظيم أنشطة هذا الجزء الأساسي من الاقتصاد.

المصدر | محمد سليمان | معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد