الاثنين 18 مايو 2020 09:48 م

"نفي بما يشبه الإثبات".. هكذا وصف مراقبون تعليق المكتب الإعلامي لحكومة دبي على ما نشرته وكالة "رويترز"، الجمعة 15 مايو/أيار، بشأن محادثات تجري حاليا بين إمارتي أبوظبي ودبي لإنقاذ الأخيرة من أزمتها المالية المتفاقمة.

فصيغة النفي التي أوردها المكتب عبر حسابه الموثق على "تويتر"، اقتصرت على الإقرار بوجود مفاوضات حول حصول دبي على دعم اقتصادي مُقدم من صندوق "مبادلة" السيادي في أبوظبي، ولم تتطرق إلى أصل تدخل إمارة العاصمة لمعالجة وضع دبي المتعثر، خاصة بعد الشلل الذي أصاب مختلف القطاعات الاقتصادية في الإمارة بسبب تفشي فيروس "كورونا" المستجد، ما تسبب في أكبر تراجع اقتصادي شهدته دبي منذ أزمة الدين التي تعرضت لها عام 2009.

وفي حال استمرت سياسات الإغلاق الحالية، فإن دبي ستكون هي البقعة الأكثر عرضة للمخاطر الاقتصادية في الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث يتوقع أن ينكمش اقتصاد الإمارة بنسبة لا تقل عن 6%، حسب تقدير مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس" في لندن.

يضاعف من هذا المأزق تبدد آمال دبي في الاستفادة من استضافة معرض "إكسبو دبي" العالمي في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، بعدما جرى تأجيل الحدث إلى عام 2021، وكانت إمارة دبي تعول على استضافة الحدث العالمي لجذب نحو 25 مليون زائر إلى الإمارة خلال فترة 6 أشهر.

ولما كانت دبي مقصدا سياحيا عالميا يزورها نحو 16 مليون شخص سنويا، ومحطة تجارية مهمة، وموطنا لأحد أكبر أسواق العقارات في المنطقة، إذ يقيم فيها نحو 3.4 مليون شخص من أكثر من 200 جنسية، فإن قطاع الضيافة بها هو الأكثر تعرضا لمخاطر "كورونا" في منطقة الخليج، وهو ما أكده تقرير  وكالة "ستاندرد أند بورز" للتصنيفات الائتمانية في فبراير/شباط الماضي.

ويلقي توقف حركة السياحة والطيران والتسوق بظلال كثيفة على القطاع العقاري في دبي، الذي يشهد أزمة كبرى حتى من قبل ظهور فيروس "كورونا"، وفق وكالة التصنيف العالمية "ستاندرد أند بورز".

ونتيجة لذلك كله، بدأت السلطات في دبي في اتخاذ إجراءات غير مسبوقة لتقليل النفقات، وأبلغت الدائرة المالية في الإمارة جميع الهيئات الحكومية بخفض الإنفاق الرأسمالي بواقع النصف على الأقل، وتقليص النفقات الإدارية والعامة بما لا يقل عن 20% ووقف التعيينات الجديدة حتى إشعار آخر، وتعليق جميع مشاريع التشييد التي لم تبدأ حتى إشعار آخر، وعدم السماح بأي زيادات في الإنفاق لمشاريع البناء الجارية، وفقا لما أوردته وكالة "رويترز".

سياسات الدمج

وإزاء ذلك كله، ثمة مؤشرات على أن دبي ربما تكون مضطرة لطلب دعم العاصمة أبوظبي للتغلب على أزمتها الاقتصادية مجددا، على رأسها إعلان نائب رئيس الإمارات حاكم دبي الشيخ "محمد بن راشد آل مكتوم"، أن الدولة بصدد "دمج وزارات وتغيير هيئات" عقب اجتماعات افتراضية استمرت 3 أيام بشان استراتيجية البلاد بعد فيروس "كورونا"، وفقا لما أوردته وكالة "رويترز".

وتدور منافسة هادئة بين الإمارتين منذ سنوات، على خلفية تمثيل دبي لنموذج التطور الليبرالي السريع اقتصاديا وتحولها إلى مركز للسياحة والتجارة والأعمال في الشرق الأوسط، وتمثيل أبوظبي لنموذج العاصمة السياسية ذات الثروتها النفطية الهائلة، والمؤثرة في مصائر العديد من الدول في محيطها الإقليمي، لاسيما اليمن وليبيا.

ويمنح الدستور الإماراتي الإمارات السبع قدرا كبيرا من الاستقلال الاقتصادي، ولكن استقلالية دبي تأثرت بشكل كبير بعد أن وجدت نفسها مضطرة لطلب دعم مالي بقيمة 10 مليارات دولار من أبوظبي عقب أزمة 2009، التي شهدت انهيارا كاملا لسوق العقارات، ما أجبر بعض الشركات المرتبطة بالحكومة على التخلف عن سداد ديونها.

وجاء دعم أبوظبي حينها في صيغة قرض حكومي قيمته 10 مليارات دولار، جرى تمديد أجله في وقت لاحق، إضافة إلى سندات بقيمة 10 مليارات دولار أخرى أصدرتها إمارة دبي باسم البنك المركزي الإماراتي، ما يعني أن هناك سابقة واضحة لتدخل أبوظبي لدعم إمارة دبي اقتصاديا.

لكن ثمة عوامل أخرى تثير الشكوك بشأن قدرة أبوظبي على لعب هذا الدور مرة أخرى، أهمها اقتراض الإمارة 7 مليارات دولار من السوق الدولية خلال الأيام الماضية، وسط صعوبات مالية تواجهها بسبب تداعيات فيروس "كورونا"، وتهاوي أسعار النفط الخام في السوق العالمية.

فمع التحاق أبوظبي بنادي المقترضين من السوق الدولية والمخاوف من تزايد معدلات الاستدانة، يبدو أن هناك قيودا متزايدة على قدرة أبوظبي على توفير المحافظ المالية اللازمة لإنقاذ إمارة دبي، التي اضطرت سلطاتها إلى فتح مراكز التسوق الكبرى، في نهاية أبريل/نيسان الماضي، على الرغم من تزايد معدلات الإصابة بالفيروس، ومع وجود مخاوف من حدوث انهيار مالي وشيك، وفقا لما أوردته صحيفة "لوموند" الفرنسية.

ديون وإفلاس

وبالنظر إلى تعرض البنوك الإماراتية لأزمة ديون جديدة، على خلفية إفلاس مجموعة تجارية، بعد أسابيع من فضيحة هروب ملياردير هندي إلى بلاده بعد حصوله على قروض بمليارات الدولارات، تزداد القيود على النظام المصرفي الإماراتي بما يجعله غير قادر على قيادة خطة الإنقاذ المحتملة دبي.

ومع تصنيف منظمة الشفافية الدولية للإمارات باعتبارها جزءا من منظومة عالمية لغسل الأموال وتأكيد ارتباطها بفضائح فساد كبرى عابرة للحدود، فإن هذه القيود ستصبح أكثر شدة.

ومن المقرر أن تضع المنظمة المعنية بمراقبة الأموال غير القانونية دولة الإمارات تحت المراقبة لمدة عام، وفي حال أخفقت بإدخال تحسينات على آلية مكافحة غسيل الأموال لديها فقد تجد نفسها مدرجة على القائمة السوداء للمنظمة إلى جانب دول مثل سوريا واليمن وباكستان، خاصة أن مجموعة العمل المالي "فاتف" أصدرت تقريرا بنهاية أبريل/نيسان الماضي، أكدت فيه أن "الإمارات لا تفعل ما يكفي" لمكافحة غسيل الأموال.

وقد تزيد هذه السمعة السيئة للقطاع المصرفي الإماراتي من تكلفة خدمة ديون البلاد، وتجعل المستثمرين غير راغبين في ضح أموالهم فيها، بما يعني أن الأزمة المالية في دبي ربما تكون مرشحة للتفاقم خلال الأشهر المقبلة.

المصدر | الخليج الجديد