كانت ليلة الثلاثاء، بالنسبة لمعظم الفلسطينيين المسلمين، "ليلة القدر"، ولكن بالنسبة لرئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس" فإن هذه الليلة كانت ليلة حساب.

خلال قيادته للحركة الوطنية الفلسطينية، عارض "عباس" استخدام القوة، وتبنى مسار المفاوضات مع (إسرائيل). لكن هذه الاستراتيجية وصلت لطريق مسدود مع اتجاه (إسرائيل)، بدعم من إدارة "دونالد ترامب"، لضم أراض محتلة كان الفلسطينيون يتطلعون لها من أجل دولتهم المستقبلية.

أعلن "عباس" الثلاثاء نهاية التعاون الأمني ​​مع (إسرائيل) وهي خطوة أشار إليها مسؤولون فلسطينيون على أنها سيناريو "يوم القيامة" بسبب الحريق الذي يمكن أن تؤدي إليه.

تسبب التعاون الأمني ​​الوثيق مع (إسرائيل) في منع العناصر الفلسطينية الأكثر راديكالية من الوصول للحكومة، كما حافظ على حياة الإسرائيليين. ولكن قرار "عباس" الأخير يمكن أن يزيل العوائق أمام المزيد من ردود الناشطين.

كان الإعلان، الذي تم تضخيمه من قبل مجموعة من كبار المسؤولين الفلسطينيين، في جزء منه خطوة يائسة لاستقطاب الدعم الدولي في أوروبا والعالم العربي.

بعد لحظات من قطع خطابه في رام الله، عاد التليفزيون الفلسطيني فجأة إلى "عباس" الذي ناشد المجتمع الدولي مرة أخرى ألا يقدم مجرد إدانات لخطط (إسرائيل)، ولكن دعا "لفرض عقوبات شديدة".

وقال مبعوث الأمم المتحدة للصراع "نيكولاي ملادينوف" الأربعاء إن الخطاب عبارة عن صرخة للمساعدة من جيل من القيادة استثمر حياته في بناء المؤسسات والاستعداد لدولة لأكثر من ربع قرن."

وقال محللون إن الإعلان كان اعترافا بالفشل في استراتيجية "عباس" خلال الخمسة عشر عاما الماضية.

منذ تولي "عباس" السلطة الفلسطينية عام 2005، كان التعاون الأمني ​​أساسياً لنهجه في حل النزاع. كانت طريقة ليثبت للإسرائيليين أن دولة فلسطينية في الضفة الغربية لا تشكل بالضرورة تهديدًا لـ(إسرائيل) ويمكن أن تتعايش بسلام إلى جانبها.

لكن خطة الضم الإسرائيلية من جانب واحد يمكن أن تجعل هذا الهدف بعيد المنال، ربما بشكل دائم.

قال "نمرود نوفيك"، مفاوض السلام الإسرائيلي المخضرم الذي عمل في عهد رئيس الوزراء "شيمون بيريز": "لقد فوت الفلسطينيون فرصا كثيرة، والشيء الوحيد الذي يمكنهم فعله هو، مثل ذلك الطفل في الحي الذي يخبر صديقه، (أمسك بي، حتى لا أضربه)، آملاً ألا يتركه".

في مواجهة الضغط من شعبه بعدم الوقوف ساكناً بينما تتلاشى تطلعات الوطن الفلسطيني، لا يملك "عباس" سوى القليل من الأوراق الأخرى للعب.

دعمت إدارة "ترامب" بشكل كبير الجانب الإسرائيلي في الصراع، وعرضت صفقة منحازة لـ(إسرائيل)، وأعطت الضوء الأخضر لضم (إسرائيل) للأراضي المحتلة التي قالت الإدارات الإسرائيلية والأمريكية السابقة إنها يجب أن تخضع لاتفاق تفاوضي مع الفلسطينيين.

وخلال خملة إعادة انتخابه، وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" القاعدة اليمينية بأنه سيتحرك بسرعة لضم حوالي 30% من الضفة الغربية. ويسمح اتفاق الائتلاف الذي أنشأ الحكومة الإسرائيلية الجديدة  بذلك منذ يوليو/تموز.

هدد "عباس" بإنهاء التعاون الأمني ​​من قبل، وحتى الآن لم يتخذ "عباس" ولا "نتنياهو" خطوات قانونية ملموسة لمطابقة كلماتهما. لكن المسؤولين الفلسطينيين أصروا على أن "عباس" يعنيها حقًا هذه المرة، وأشاروا إلى لغته التي لا لبس فيها على أنها تغيير مهم.

وقال "خليل الشقاقي" وهو محلل سياسي في رام الله، إن "عباس" وضع نفسه في زاوية خطيرة، وأضاف: "بينما تركت تصريحاته السابقة مجالاً للخروج من باب خلفي، فإن إعلانه الليلة الماضية وضعه في مكان ضيق للمناورة".

ومع ذلك، فإن إعلان "عباس" أثار فكرة التوافق مع جميع مكونات المشهد السياسي الفلسطيني، بما في ذلك "حماس". كما أن كلمات "عباس" والناشطين في "فتح" تعد بتصعيد يتمثل في مقاومة الاحتلال.

ولم يتضح حتى الآن ماهية الخطوات العملية لإلغاء التعاون الأمني​​، الذي يمتد إلى الجيش الإسرائيلي والوكالات الأمنية الإسرائيلية وكذلك وكالة المخابرات المركزية.

وقال جنرال في أجهزة الأمن الفلسطينية، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مصرح له بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إنه لم يتلق حتى الآن أوامر توضح الخطوات التي سيتم اتخاذها.

وقال الجنرال الفلسطيني إن عملهم يجعل الإسرائيليين يعرفون معلومات عن أي هجوم مخطط له مع العمل على منعه.

يقدم التاريخ شيئًا من الإرشادات للخطوات التي قد تتخذها السلطة.

خلال بضع مرات على مر السنين، أعلن "عباس" إيقاف التعاون الأمني بشكل مؤقت. وكانت آخر مرة عندما قال إنه أوقف التعاون الأمني ​​عام 2017، بعد أن أغضبت الشرطة الإسرائيلية الفلسطينيين من خلال إقامة أجهزة الكشف عن المعادن فجأة عند المداخل التي يستخدمها المصلين في المسجد الأقصى.

لكن عمله كان رمزيًا في الغالب. بعد أن تراجعت (إسرائيل) وأزالت أجهزة الكشف عن المعادن، كشف المسؤولون الفلسطينيون أنهم ألغوا فقط بعض الاجتماعات مع نظرائهم الإسرائيليين. وكان التنسيق على المستوى التشغيلي مستمرا بلا انقطاع.

حدث إيقاف أكثر جدوى في عام 2015، خلال سلسلة من هجمات الطعن سميت "بانتفاضة السكاكين" عندما توقف الفلسطينيون عن العمل الشرطي لعدة أسابيع.

في يوليو/تموز 2014، روجت "فتح" لمظاهرة استمرت ليوم واحد سار فيها الآلاف، دون إعاقة من قبل الشرطة، من مخيم الأمعري إلى حاجز قلنديا.

في كل حالة، أدى الفراغ الناجم عن توقف التعاون الأمني ​​إلى إفساح المجال للاحتجاجات الشعبية وأحيانًا للعنف.

قالت "نيري زيلبر"، وهي باحثة في معهد تل أبيب لسياسة الشرق الأدنى، إن تنظيم مثل هذه الاحتجاجات، أو مجرد السماح لها بالمضي قدمًا، قد يكون مكلفًا للغاية بالنسبة لـ(إسرائيل) أمام الرأي العام الدولي.

وقالت: "إذا كان لديك ذلك كل يوم جمعة لأسابيع، فإن ذلك سيجذب انتباه الناس، خاصة إذا كانت هناك إصابات، خاصة إذا كانت الاحتجاجات سلمية.. كل صحفي أجنبي في هذا المكان سيغطي تلك المظاهرات".

وحذر معارضو الضم منذ فترة طويلة من أنه يمكن أن يشعل النار في الشرق الأوسط، مما يجعل الفلسطينيين يائسين ويشعرون أنه ليس لديهم ما يخسرونه باللجوء إلى القوة.

وحذر محللون إسرائيليون وفلسطينيون من أن تصريحات "عباس" يمكن أن تلعب دورًا في إشعال العنف، سواء كان ذلك في نيته أم لا.

وقال "الشقاقي" إنه يعتقد أن "عباس" لن يوجه أبداً قوات الأمن الفلسطينية أو أعضاء حركة "فتح" التي يتزعمها بشن هجمات ضد (إسرائيل).

وأضاف: "هذا لا يعني أنه لن يكون هناك عنف.. بعض أعضاء فتح - وليس التنظيم - قد يلجأون إليها، لكنهم لن يفعلوا ذلك لأن الرئيس أو حزبه أمرهم بذلك بل سيحاولون تفسير ما قاله الرئيس على أنه شيء يسمح لهم باتخاذ مثل هذه الإجراءات".

المصدر |  ديفيد م. حلبفينغر وآدم راسجون/ نيويورك تايمز- ترجمة وتحرير الخليج الجديد