الأحد 24 مايو 2020 05:50 م

عندما حظرت ألمانيا "حزب الله"، المنظمة الشيعية السياسية والمتشددة في لبنان، في نهاية أبريل/نيسان، بدأت الجهود المبذولة لتمديد الحظر ليشمل الاتحاد الأوروبي بأكمله تزداد قوة.

ورعت اللجنة اليهودية الأمريكية، وهي مجموعة مناصرة مؤيدة لـ (إسرائيل)، "إعلان عبر الأطلسي"، الذي وقع عليه المشرعون من جانبي شمال الأطلسي وحث الاتحاد الأوروبي على اتباع المثال الألماني.

ولأن ألمانيا دولة عضو قوية في الاتحاد الأوروبي، كان مؤيدو الحظر يأملون أن يغير قرارها بشكل حاسم التوازن في الاتحاد الأوروبي لصالحهم.

ولكن منذ ذلك الحين، تراجع الزخم تجاه الحظر على مستوى الاتحاد الأوروبي إلى حد ما.

وناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، في اجتماعهم الأخير في 14 مايو/أيار، خطط الحكومة الإسرائيلية الجديدة للمضي في ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ودفعت بعض الدول، مثل السويد ولوكسمبورج وأيرلندا، لفرض عقوبات شديدة على (إسرائيل)، مثل تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و(إسرائيل).

وحاول أصدقاء (إسرائيل) في الاتحاد الأوروبي، مثل النظام الوطني الاستبدادي لـ "فيكتور أوربان" في المجر، وعدد قليل من الحلفاء الآخرين من أوروبا الشرقية، كالمعتاد، جعل أي رد فعل من الاتحاد الأوروبي بلا أسنان.

وبالتالي، فإن اختيار توقيت الضغط المتجدد على "حزب الله" جاء بنتائج عكسية؛ حيث إذا كان نية داعمي هذا الضغط هو صرف الانتباه عن خطط الضم الإسرائيلية، فقد عمل العكس بالضبط.

وكانت تلك الخطط، وليس "حزب الله"، هي التي سيطرت على المناقشة، وبالتالي يظهر بوضوح ترتيب الأولويات الأوروبية.

لكن هذا لا يعني أن محاولات حمل الاتحاد الأوروبي على حظر "حزب الله" لن تستمر أكثر.

وكان وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو"، قد أوصى سفير واشنطن في ألمانيا والمدير بالنيابة للمخابرات الوطنية، "ريتشارد جرينيل" بجعل حظر حزب الله من قبل الاتحاد الأوروبي هدفا أساسيا للسياسة الخارجية.

وكرس "جرينيل" نفسه لهذه القضية مبعوثا لواشنطن في برلين. ولا تدخر جماعات الضغط جهدا في دفع الاتحاد الأوروبي في هذا الاتجاه.

لكن الطريق أمامهم لن يكون سهلا.

أولا، سيحتاج الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية، "جوزيب بوريل"، إلى إدراج حظر "حزب الله" على جدول أعمال وزراء الخارجية للدول الأوروبية، وسيكون مترددا في ذلك، لأن القرار الألماني مجرد قانون محلي في دولة عضو في الاتحاد الأوروبي.

ولم يتغير موقف الاتحاد الأوروبي بعد ذلك.

ويتمسك الاتحاد الأوروبي بالقرار المتخذ في عام 2013 الذي وصف الجناح العسكري لـ "حزب الله" بأنه منظمة إرهابية، ولكن في إشارة واضحة إلى الدور السياسي لـ "حزب الله"، أكد أن هذا القرار لا يمنع استمرار الحوار مع "جميع القوى السياسية" ولا يؤثر على إيصال المساعدة المالية من الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء للبنان.

ويعترف الدبلوماسيون في بروكسل بأن التمييز بين الأجنحة العسكرية والسياسية أمر غير منطقي، لكنهم يجدونه مفيدا، لأنه يسمح لهم بإبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع أحد أكثر الجهات الفاعلة تأثيرا في السياسة اللبنانية.

وتتشارك بعض الدول الأعضاء المؤثرة هذا الرأي، مثل فرنسا، اللاعب الأوروبي الرئيسي في لبنان تقليديا.

وفي الواقع، قد يستخدم الفرنسيون حتى القرار الألماني لترسيخ مكانتهم كمحاورين أوروبيين رئيسيين في لبنان.

وبالرغم من أنه من المفترض نظريا أن تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى سياسة خارجية أكثر انحيازا بشكل عام، إلا أنها في الواقع العملي ما زالت تعطي الأولوية لمصالحها الوطنية.

وبالتأكيد لم تكن باريس خجولة من الإلقاء بثقلها في المناطق التي شعرت فيها أن أمنها الأساسي ومصالحها الاقتصادية كانت على المحك، كما هو الحال في بلاد الشام.

أما بالنسبة للحجج التي قدمها "بومبيو" و"جرينيل" وجماعات الضغط وآخرون، بأن حظر "حزب الله" ليس عقبة في طريق التعامل مع الحكومة اللبنانية، فهذا أمر مخادع في أحسن الأحوال.

ولا يمكن الحفاظ على العلاقات مع حكومة يُعتبر جزء منها إرهابيا.

وإذا كان الهدف هو عزل "حزب الله"، كما يدعي مروجو الحظر، فيجب عليهم جعل أي علاقات مع بيروت مشروطة باستبعاد "حزب الله" من الحكومة.

ويدرك حتى أكثرهم حماسة أن هذا سيكون مسارا لحرب أهلية في لبنان، بالنظر إلى نفوذ حزب الله السياسي والاجتماعي والعسكري.

وقد تكون هناك أيضا قضايا قانونية ناشئة عن التعامل مع حكومة تحتوي على وزراء "إرهابيين".

ومن وجهة النظر الأوروبية، تظهر هذه التناقضات أن الحملة من أجل حظر "حزب الله" هي معركة رمزية أكثر مصممة لمعالجة بعض الهواجس القديمة في الولايات المتحدة و(إسرائيل)، تخلو من أي  إجراء ذا معنى عملي.

علاوة على ذلك، يجد الدبلوماسيون حتى من الدول التي حظرت حزب الله، مثل بريطانيا، أنه من المفيد أن يحتفظ زملاؤهم في الاتحاد الأوروبي بقنوات اتصال مع المجموعة، وغالبا ما يشتكون من عدم وجود مثل هذه الاتصالات التي تعوق فعالية عملهم في لبنان.

وهناك سبب آخر مهم لعدم قدرة بعض الدول الأوروبية على الانضمام إلى ألمانيا في قرارها، وهو قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان، أو "اليونيفيل"، المنتشرة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية منذ نهاية حرب عام 2006.

والبعض، مثل إيطاليا، يساهم بشكل كبير في هذه القوة.

ويوجد قلق في المؤسسة الأمنية الإيطالية من أن تصنيف الحزب منظمة إرهابية يمكن أن يعقد التفاعل الضروري مع حزب الله على الأرض، ويضع أفراد الخدمة الإيطاليين في طريق الأذى.

لهذا السبب وبخ وزير الدفاع السابق زميله عندما وصف "حزب الله" بأنه منظمة إرهابية بعد رحلة إلى (إسرائيل).

وفي نهاية المطاف، فإن انسحاب قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان ليس في مصلحة (إسرائيل)، لأن الحدود اللبنانية الإسرائيلية كانت من بين الحدود الأكثر استقرارا للدولة اليهودية منذ عام 2016.

وسيترك رحيل قوات حفظ السلام، (إسرائيل) و"حزب الله" وجها لوجه.

وهذه ليست نتيجة يرغب الاتحاد الأوروبي في المساهمة فيها.

ويؤيد مروجو الحظر الإجراء بالحاجة إلى كبح نفوذ إيران في بلاد الشام.

ومع ذلك، يمكن للعلاقة الإيرانية أن تكون بمثابة دافع لضبط النفس للاتحاد الأوروبي بدلا من أن تكون حافزا لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة.

وبعد مقاومة الجوانب الأكثر تطرفا في سياسة الولايات المتحدة تحت مسمى "أقصى ضغط" ضد إيران حتى الآن، سيكون لدى الاتحاد الأوروبي كل حافز للانتظار حتى نوفمبر/تشرين الثاني، عندما يكون من المحتمل انتخاب رئيس جديد في الولايات المتحدة يتبع نهجا أكثر حكمة في الشرق الأوسط.

وأخيرا، هناك أيضا بُعد أمني داخلي لقضية حظر حزب الله في أوروبا. وتعتقد وكالات تطبيق القانون في القارة أن التطرف اليميني المتطرف والجهاديين السلفيين على غرار الدولة الإسلامية يشكلان تهديدات أقوى بكثير من الجماعات الشيعية.

ويمكن أن يؤدي حظر "حزب الله" في جميع أنحاء أوروبا إلى إغضاب الشيعة في لبنان، ويخلق مشكلة غير موجودة في الوقت الحاضر.

ووفق هذا المنظور، كان قرار وزارة الداخلية الألمانية بالإشارة إلى "حزب الله" اللبناني على أنه "التنظيم الإرهابي الشيعي" أمرا طائفيا ومؤسفا للغاية.

أما أنشطة "حزب الله" المزعجة، مثل مشاركته في الحرب السورية إلى جانب نظام "بشار الأسد" الإجرامي، ودعواته إلى تدمير (إسرائيل)، أو المزاعم عن أنشطة إجرامية أخرى من جانبه، مثل غسل الأموال، فإن الأطر القانونية والسياسية في الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه كافية للتعامل معها.

وهناك عقوبات على المنظمة لدورها في سوريا، على سبيل المثال. ويبدو أن التطبيق الصارم للتشريع الحالي هو طريقة أفضل بكثير للتصدي للتحديات التي يمثلها حزب الله من تصنيفه إرهابيا بشكل شامل على مستوى الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي سيكون رمزيا في الغالب بطبيعته ويخلق مشاكل أكثر مما قد يحل.

المصدر | إدلدار ماميدوف/ريسبونسيبل ستيت كرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد