الأحد 31 مايو 2020 08:18 م

ربما يكون فرض ضرائب جديدة هو الخيار الأكثر سهولة وواقعية أمام العديد من الدول لتوفير التمويل اللازم لمواجهة تداعيات تفشي فيروس "كورونا"، وهو ما لجأت إليه معظم دول الخليج وسط حزمة إجراءات تقشفية مؤلمة.

ومنذ سنوات تسعى دول الخليج لتنويع اقتصادها، وتعزيز إيراداتها العامة غير النفطية، والتي تقلصت جراء انخفاض أسعار النفط.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017، بدأت دول خليجية في تطبيق الضريبة الانتقائية بنسبة 100% على منتجات التبغ، وبنسبة 100% على مشروبات الطاقة، وبنسبة 50% على المشروبات الغازية.

والضريبة الانتقائية هي ضريبة تفرض على السلع ذات الأضرار على الصحة العامة أو البيئة أو السلع الكمالية بنسب.

ومع مطلع العام 2018، بدأ تنفيذ ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5%، وهو ما يوفر لدول الخليج الست إيرادات تتجاوز 25 مليار دولار سنويا، بحسب شركة "إرنست آند يونج" العالمية المتخصصة في التدقيق المالي والاستشارات الضريبية.

والقيمة المضاف هي ضريبة غير مباشرة يدفعها المستهلك، وتفرض على الفارق بين سعر الشراء من المصنع وسعر البيع للمستهلك.

وبدأت كل من السعودية والإمارات العمل بضريبة القيمة المضافة في 2018، وطبقتها البحرين في 2019، لكن الأعضاء الآخرين بالمجلس، قطر والكويت وسلطنة عمان، لم يطبقوا الضريبة بعد.

السعودية الأولى

يبدو أن انهيار أسعار النفط، وطول أمد أزمة "كورونا"، وما ترتب عليها من انهيار قطاعات السفر والسياحة والضيافة والترفيه، دفع حكومات الخليج إلى العودة مجددا للبحث في دفتر الضرائب.

وتعد السعودية، أكثر الدول الخليجية تضرراً من أزمة تفشي "كورونا"، لذلك سارعت إلى زيادة ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 15% بدءاً من يوليو/تموز المقبل.

وتتوقع وزارة المالية السعودية، تسجيل حصيلة من الضرائب تصل إلى 189 مليار ريال في عام 2020، وفق تقديرات سابقة، قبل ظهور جائحة "كورونا".

والعام الماضي، أعلنت الحكومة السعودية، تحقيق إيرادات بلغت بلغت نحو 46.7 مليار ريال (12.45 مليار دولار) في أول عام من تطبيق ضريبة القيمة المضافة، معتبرة أن هذه الحصيلة فاقت التوقعات.

وفي سبتمبر/أيلول 2019، أوصى صندوق النقد الدولي، السعودية بزيادة ضريبة القيمة المضافة إلى 10% بدلا من 5%، وهو ما جرى تنفيذه في 2020، لكن بنسبة 15%.

ويتوقع الرئيس التنفيذي لشركة الركاز لاستشارات الضرائب "عبدالمحسن الفراج"، أن تبلغ حصيلة ضريبة القيمة المضافة في النصف الثاني من العام الجاري نحو 40 مليار ريال (10.5 مليار دولار أمريكي).

قرارات مؤلمة

في المقابل، ترفض الإمارات زيادة ضريبة القيمة المضافة، ونفت في بيان وجود أي خطط في الوقت الحالي لزيادة الضرائب.

وبموازاة ذلك، قلصت البلاد نفقاتها الإدارية والعامة، وأوقفت التعيينات الجديدة، والترقيات، وعلقت مشروعات ضخمة، وبدأت في تنفيذ سياسة التسريح للعمالة الوافدة.

أما سلطنة عمان فقد تجنبت فرض ضرائب جديدة، لكنها لجأت إلى خفض رواتب العاملين في الحكومة لديها، وحددت درجات رواتب جديدة للتعيين.

ووفق القرار الجديد الصادر عن مجلس الخدمة المدنية العماني، فإن رواتب حاملي شهادة الدكتوراه ستنخفض بنسبة 23% إلى 1035 ريالاً (2689 دولاراً)، بينما سيعاني الذين يحملون درجة البكالوريوس تخفيضًا بنسبة 14% إلى 785 ريالًا.

كذلك لجأت السلطنة إلى إجراء تخفيض إضافي بنسبة 5% على الموازنة المعتمدة لجميع الوحدات المدنية والعسكرية والأمنية لعام 2020، ليصبح إجمالي التخفيض 10%، بعد تنفيذ خفض، الشهر الماضي، بنسبة 5%.

بينما رفضت الحكومة الكويتية، المساس ببند الأجور والرواتب في موازنتها، واتجهت إلى إعادة النظر في أرقام ميزانية 2020 - 2021، والعمل على إلزام الوزارات والمؤسسات بتخفيض 20% من ميزانياتها على الأقل.

روشتة قاسية

وينصح خبراء بضرورة تعظيم الإيرادات العامة لدول الخليج، خاصة الإيرادات الضربية، وغير النفطية، عبر استحداث ضرائب جديدة، وتعديل الشرائح الضريبية الموجودة، ورفع التعريفات الجمركية.

كذلك تشمل روشتة العلاج المؤلمة، والمطروحة لسد العجز المالي، رفع الرسوم على الخدمات العامة، وخصخصة وبيع المنشآت العامة، وتخفيض فاتورة أجور موظفي الدولة، وتخفيض الدعم الحكومي على السلع والخدمات الأساسية.

ويستند هذا الرأي إلى أن حصيلة ضريبة القيمة المضافة لن تكفي لتمويل العجز المالي الكبير في موازنات دول الخليج، الأمر الذي يستدعي استخدام أدوات ضريبية جديدة.

ومن الضرائب المقترح فرضها "ضريبة الأعمال"، وهي نوع من الضرائب المباشرة التي تفرض على أرباح المنتجين أو الموزعين للسلع والخدمات.

كذلك يدور الحديث عن فرض ضريبة بنسبة 10% على دخل الشركات المحلية والأجنبية إلى جانب الضريبتين المضافة والانتقائية.

لكن هذه الروشتة تواجه عقبات كبيرة، أهمها تباطؤ حركة الاقتصاد، وتكبد القطاع الخاص خسائر فادحة، وهو ما اضطر حكومات الخليج إلى تقديم حزم دعم، وتأجيل الضرائب والرسوم على الشركات الصغيرة والمتوسطة في جميع المجالات.

استقرار اجتماعي

وعلى الرغم من الضرورة الاقتصادية الملحة لفرض ضرائب جديدة، فإن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي داخل ممالك الخليج يبدو ضرورة سياسية أكثر إلحاحا.

ومن المتوقع أن تتجنب دول المنطقة استمرار إجراءات التقشف لفترة طويلة، أو المساس ببند الأجور والرواتب لمواطنيها، وفق مركز "ستراتفور" الاستخباراتي.

وقد تكون العمالة الوافدة، هي الأكثر عرضة لتحمل تبعات أزمة "كورونا" وانهيار أسعار النفط، حيث سيوفر التخلص من هذه العمالة فرص عمل لمواطني دول مجلس التعاون بما يخفض من معدلات البطالة، ويؤمن حالة الاستقرار الاجتماعي.

ولكن من المؤكد أن فرض ضرائب ورسوم جديدة سيكون خيارا حتميا خلال السنوات المقبلة، إضافة إلى تقليص الإعانات والدعم السخي من الدولة، وهو ما بدا في التوجه السعودي الصريح نحو ذلك.

وتبرز البحرين وعمان، اللتين تعانيان من ضعف مصدات الوقاية المالية لديهما، كأبرز المحتاجين لنظام ضريبي جديد، يعزز إيراداتهما غير النفطية.

وترفض قطر تطبيق ضريبة القيمة المضافة بدعوى قوة اقتصادها وعدم الحاجة إليها كأداة مالية، خاصة في ضوء نجاح الاقتصاد القطري في تحقيق المزيد من العائدات بتكلفة اقتصادية منخفضة.

وتؤجل الكويت تطبيق ضريبة القيمة المضافة حتى 2021، مع حاجتها لمزيد من الوقت لصياغة لوائح مفصلة وتسجيل الشركات التي تسدد الضرائب، وتشكيل مؤسسات حكومية تشرف على النظام.

بشكل عام، من المتوقع أن يزداد حجم وأنواع الضرائب التي تفرضها دول الخليج خلال الأشهر والسنوات المقبلة، خاصة مع استمرار الأزمات الهيكلية في سوق الطاقة ومسيرة الانتقال الخليجي المتعثرة إلى عصر ما بعد النفط.

المصدر | الخليج الجديد