الجمعة 29 مايو 2020 11:14 ص

مرت 3 سنوات منذ اندلاع الأزمة الخليجية، شهدت خلالها العلاقات المعقدة بين دول الخليج العربي تغيرات جذرية تزامنًا مع تحول مجلس التعاون الخليجي إلى مؤسسة صورية بلا صلاحيات أو أدوات.

وعلى مدار الأشهر الـ 36 الماضية، اكتسبت تحولات المشهد الجيوسياسي في منطقة الخليج العربي طابعًا مؤسسيًا وجذريا إلى حد ما، بشكل يشير إلى أن العلاقات بين قطر ودول الحصار لن تعود إلى ما كانت عليه قبل منتصف عام 2017.

الآمال تتلاشى

وفي خضم جائحة الفيروس التاجي، كانت هناك آمال لإعادة توحيد دول مجلس التعاون الخليجي، في الوقت الذي استغلت فيه دول الحصار الوباء كذريعة لفتح قنوات حوار جديدة مع النظام السوري و(إسرائيل)، بل وحتى إيران. لكن لم تكن هناك أي مؤشرات إلى نية دول الحصار لتخفيف مواقفها تجاه قطر، الدولة العضو في مجلس التعاون الخليجي والحليف السابق.

ويشكل تزامن جائحة "كورونا" والحصار المطول لقطر، تحديًا غير مسبوق لمجلس التعاون الخليجي، كما أوضح الأمين العام للمجلس "نايف الحجرف" مؤخرًا.

وفي إشارة منه إلى الوباء، قال "الحجرف" إن "هذا الأمر يتطلب منا جميعا كمنظومة، تعزيز العمل المشترك والاستعداد الجماعي للتعامل مع عالم ما بعد كورونا بأبعاده الاقتصادية والصحية والاجتماعية والأمنية والعمالية والاستراتيجية، حماية لشعوبنا وصونا لمكتسباتنا".

وبالرغم من الجهود العمانية والكويتية لحل الأزمة الخليجية، فإن هناك مخاوف من تصاعد التوترات بين دول الخليج.

وفي وقت سابق من الشهر الجاري، انتشرت حملة من الأخبار المزيفة تتضمن قصصًا عن محاولة انقلاب مزعومة في قطر، ما يؤكد على عدم نية دول الحصار تخفيف مواقفها تجاه الدوحة.

يأتي ذلك بعد الكثير من التكهنات العام الماضي حول قمة مجلس التعاون الخليجي التي عقدت في السعودية والتي أشارت إلى تقاربٍ محتمل أو على الأقل انفراجة بين الرياض والدوحة

وبالرغم من تعرض دول الحصار وقطر لضغوط من واشنطن لحل الأزمة تحت راية وحدة مجلس التعاون الخليجي، إلا أن الجهود الأمريكية أثبتت عدم جدواها، ولم تتمكن الإدارة الأمريكية من خلق أي أرضية مشتركة بين كبار قادة مجلس التعاون الخليجي.

ولعل السبب الرئيسي في تلك الأزمة يرجع إلى طبيعة المعركة الصفرية التي فرضها ولي عهد السعودية "محمد بن سلمان" وولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، فضلًا عن العداء الشخصي الذي يجمع كليهما مع عائلة "آل ثاني" المالكة في قطر.

وبالرغم من تلاشي الآفاق لأي تسوية قريبة للأزمة الخليجية، يظل الرهان على أن تستمر الولايات المتحدة في محاولة تقديم حل للطرفين.

وكما قال الجنرال الأمريكي "أنتوني زيني" مؤخرًا، فإن التعاون بين دول الخليج يعتبر أمرا ضروريا للمصالح الأمنية الأمريكية.

وأوضح "زيني" أن الأمر لا يقتصر فقط على حصار قطر، ولكن يشمل أيضًا التوترات في العلاقات الأمريكية المصرية بسبب ثورات الربيع العربي في 2011، فكليهما قوضا قدرة واشنطن وحلفائها العرب على تشكيل ترتيب أمني وهيكل دفاعي في الشرق الأوسط.

ليست المشكلة الوحيدة

من الجدير بالذكر أن حصار قطر لم يكن الأزمة الوحيدة التي تفاقمت بين دول الخليج العربي مؤخرًا، حيث تشهد العلاقات السعودية العمانية توترات أيضا، ومما يدلل على ذلك تزايد الوجود العسكري السعودي في محافظة المهرة أقصى شرقي اليمن.

وخلال الشهر الجاري، شنت المملكة حربًا إعلامية ضد عمان، متهمة كبير دبلوماسي مسقط "يوسف بن علوي" بإجراء محادثة هاتفية مع الزعيم الليبي الراحل "معمر القذافي" والتخطيط لـ"تفكيك السعودية" من خلال احتجاجات مدبرة، وزعمت أن تلك الخطط تم وضعها بالتعاون مع قطر والأردن.

وجاء الهجوم الإعلامي السعودي على عمان بعد مرور نحو 3 سنوات على اختراق وكالة الأنباء القطرية في مايو/أيار 2017 والذي كان سببا في اندلاع الأزمة الخليجية. ومن الصعب أن يكون ذلك محض مصادفة. ويعتبر استهداف كبير الدبلوماسيين العمانيين في هذا الوقت تحديدًا أمرا مريبا للغاية.

في تغريدةٍ له، تساءل الباحث في قضايا الشرق الأوسط والخليج "كريستيان كوت أولريخسن" قائلا: "ما هي الأطراف الخليجية التي ترغب في الضغط على عمان وإسقاط يوسف بن علوي، في الوقت الذي استعادا فيه دورهما مرة أخرى كمركزين أساسيين للدبلوماسية الإقليمية؟".

كما يبدو أن زعيم عمان الجديد يتعرض لضغوط من أبوظبي والرياض من أجل دفعه لتبني المواقف الإماراتية والسعودية تجاه قضايا قطر واليمن وإيران.

وبالنظر إلى التحديات الاقتصادية في السلطنة، يبدو أن جيرانها في شبه الجزيرة العربية ذوي الحالة الاقتصادية الأفضل سيسعون إلى الضغط على السلطان "هيثم بن طارق" لإرغامه على الاصطفاف مع السعوديين والإماراتيين.

ويلعب "علوي" دورًا حيويًا فيما يتعلق بالدبلوماسية الإقليمية والجهود العمانية لمساعدة دول الخليج المختلفة على رأب الصدع بينها من أجل الوصول إلى تفاهماتٍ جديدة.

وتأتي الحرب الإعلامية السعودية ضد "بن علوي" بعد مقابلته السفير القطري في عمان. ويمثل اتهام "بن علوي" بالتآمر ضد السعودية عقبة كبيرة أمام الجهود العمانية لتعزيز الحلول الدبلوماسية للأزمة الخليجية وللخلافات في العلاقات الخليجية الإيرانية.

ماذا يلوح في الأفق؟

في هذه المرحلة، من السابق لأوانه معرفة ما إذا كانت السعودية وعمان على حافة أزمة كبيرة في العلاقات على غرار الأزمة بين الرياض والدوحة، ولكن من المحتمل للغاية أن يستمر الصدع في العلاقات بين قطر ودول الحصار.

بعد 3 سنوات من الأزمة الخليجية، يتفق الخبراء على أن قرار حصار قطر كبد مجلس التعاون الخليجي خسائرًا جسيمة إلى حد قد يتعذر إصلاحه في المستقبل القريب.

وحتى لو تم التوقيع على معاهدة تعيد العلاقات بين الدوحة ودول الحصار، لا يمكن القضاء على الأسباب الرئيسية لهذا العداء في يوم وليلة. فالحصار كان محاولة من السعوديين والإماراتيين لكبح جماح القطريين، في الوقت الذي تحدت فيه قطر الهيمنة السعودية وتفاعلت مع جهات فاعلة في جميع أنحاء المنطقة من "الإخوان المسلمين" و"حماس" إلى إيران، الأمر الذي أثار غضب المسؤولين في الرياض وأبوظبي.

والآن وبعد مرور 3 سنوات على طعن دولة حليفة في مجلس التعاون الخليجي في الظهر، يجب على دول الحصار أن تدرك كيف أن أفعالهم شجعت قطر على أن تكون أكثر حزمًا في سعيها لاستقلال سياستها الخارجية ودفاعها عن سيادتها الوطنية. وأن حصار الدوحة جعل قطر أكثر استقلالية، وهي النتيجة المعاكسة تمامًا لما سعت إليه دول الحصار عندما قطعت علاقاتها مع قطر في يونيو/ حزيران 2017.

من الواضح أنه لم يعد هناك مجلس تعاون خليجي فعال، ولم يعد لدى دول الخليج العربي وسائل حماية مشتركة ضد التهديدات الخارجية في الوقت الذي يدمر فيه وباء "كورونا" دول العالم.

ومع تصاعد حدة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران واستمرار الحروب المدمرة في ليبيا وسوريا واليمن، تضطر الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي إلى وضع خطط أحادية أو ثنائية لمواجهة التهديدات الحالية.

ويبدو أن احتمال عودة مجلس التعاون الخليجي إلى ما كان عليه قبل 2017 أصبح ضعيفا للغاية، وبينما تستعد دول الخليج لعصر ما بعد الفيروس التاجي، ربما يجدر التساؤل عن إمكانية إنشاء مؤسسة جديدة تحقق ما كان من المفترض أن يقوم به المجلس.

المصدر | جيورجيو كافيرو/ ريسبونسبل ستيتكرافت – ترجمة وتحرير الخليج الجديد