الاثنين 1 يونيو 2020 07:42 م

"أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا".. مقولة إنجليزية مأثورة باتت عنوانا لتعليقات العديد من متابعي الشأن الليبي على تحول موقف الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي "الناتو" من الصراع في البلاد خلال الأيام الماضية.

فبعدما اعتمدت الولايات المتحدة مبدأ "إدارة الصراع" عن بعد، في التعاطي مع الملف الليبي على مدار أكثر من 6 سنوات، وميل إدارة "ترامب" الواضح للجنرال "حفتر" خلال العامين الماضيين، شهدت الأسابيع الماضية تحولا في موقف واشنطن نحو تأييد شرعية حكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

ظهر هذا التحول بوضوح في 17 مايو/أيار الجاري، عندما صرح السفير الأمريكي لدى ليبيا "ريتشارد نورلاند"، في حوار أجراه مع صحيفة "القدس العربي"، بأن هجوم قوات الجنرال الليبي المتقاعد "خليفة حفتر"، التي تسيطر على شرقي ليبيا، على العاصمة طرابلس يفقد "حفتر" أية شرعية سياسية أو فرصة للتفاوض، مشددا على أن "الولايات المتحدة تريد أن ترى نهاية للهجوم على طرابلس، ووقفا دائما لإطلاق النار، وحلا سلميا للنزاع".

لكن السبب الوارد في تصريح "نورلاند" لا يعبر عن حقيقة تحول الموقف الأمريكي من الأزمة الليبية، إذ إن هجوم "حفتر" على طرابلس يعود إلى أبريل/نيسان 2019، أي قبل نحو 14 شهرا، وقفت فيها واشنطن موقف المتفرج، بل قدم فيها الرئيس "دونالد ترامب" إشارات دفعت الجنرال الليبي إلى مواصلة هجومه، وهو ما يثير التساؤلات حول أسباب تحول الموقف الأمريكي.

تدخل روسي

يقدم بيان القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم"، الصادر في 27 مايو/أيار، طرفا من الإجابة، وقد وثق البيان الأمريكي بالصور وجود أفراد من الجيش الروسي يقدمون الدعم الجوي للهجمات البرية التي يشنها مرتزقة شركة "فاجنر" الداعمين لقوات "حفتر" في معاركها ضد حكومة "الوفاق".

وبحسب التوثيق الأمريكي، فإن طائرات مقاتلة وصلت إلى ليبيا من قاعدة جوية في روسيا بعد أن توقفت في سوريا، حيث أعيد طلاؤها للتمويه على أصلها الروسي، وهو ما علق عليه الجنرال "ستيفان تاونسند"، من قيادة "أفريكوم"، بقوله: "روسيا طالما تملصت في السابق من الاتهامات الموجهة إليها بالتدخل في الحرب في ليبيا، لكن الآن لم يعد هناك مجال للتهرب"، وفقا لما أوردته صحيفة "الإندبندنت" البريطانية.

ويخترق تدخل روسيا المعزز والصريح دعما لـ"حفتر" أحد الخطوط الحمراء الأمريكية، وهو عدم السماح لموسكو بتعزيز حضورها على الساحل الجنوبي للمتوسط بشكل قد يهدد حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا، ومن هذا المنطلق، طلبت المندوبة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة "كيلي كرافت" من الدول الأعضاء في مجلس الأمن، في 28 مايو/أيار (اليوم التالي لإعلان أفريكوم)، المساعدة في سحب المرتزقة من ليبيا، وضمان تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بحظر تصدير السلاح إلى البلاد.

وفي اليوم ذاته، أفادت السفارة الأمريكية لدى ليبيا بأن السفير "نورلاند" أجرى محادثة مع رئيس بلدية الزنتان "مصطفى الباروني"، أكد فيها على أن الليبيين يرغبون في رؤية نهاية للهجوم على طرابلس.

قواعد عسكرية

لكن ما طبيعة النفوذ العسكري الروسي المحتمل في شرقي ليبيا والذي تخشاه الولايات المتحدة إلى هذا الحد؟

يورد رجل الأعمال والدبلوماسي التركي السابق "محمد أوتجو"، خلال مشاركته في ندوة عبر دائرة تليفزيونية مغلقة نظمها "المجلس الأطلسي" بواشنطن، لمحة حول الجواب، مؤكدا أن "حفتر" عرض على الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" إقامة قاعدتين، بحرية وجوية، بشرقي ليبيا، كمكافأة موسكو على دورها في تقديم المساعدة العسكرية له في حربه ضد الحكومة الشرعية في طرابلس.

وحذر "أوتجو" من أن السيناريو السوري قد يتكرر في ليبيا "ما لم يبادر الغرب ويعمل بصورة موحدة باتجاه سد الثغرة الاستراتيجية التي تركها غيابه والتي عملت موسكو على اغتنامها.

وفي ضوء هذه التطورات، جاء تأكيد متحدث باسم الخارجية الأمريكية على أن "الولايات المتحدة ستعمل مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا ومع كل المستعدين فعلياً لرمي السلاح والتفاوض على حل سياسي للصراع في البلاد"، بما يشير إلى اتجاه واشنطن إلى إخراج "حفتر" من المشهد أو تقزيم دوره.

ويتسق تصريح المتحدث الأمريكي مع قراءة "نورلاند" لمستقبل "حفتر" بقوله: "لديه نفوذ، ولكن نفوذه ينحسر مع كل يوم تستمر فيه المواجهات، وهو عرضة لخطر فقدان كلّ شرعية سياسية، ما لم يسمح للشرق الليبي بالتفاوض، خاصة أن الدول التي تدعمه بدأت تدرك أنّ أهدافها في ليبيا قد تمّ تقويضها من خلال الهجوم الذي شنه على طرابلس".

شرعية وحيدة

وتبعا لتغير الموقف الأمريكي، بدأ حلف الشمال الأطلسي، الناتو، بدوره في تطوير مقاربة جديدة تجاه الصراع الليبي، حيث صرح أمين عام الحلف "ينس ستولتنبرج" بأنه "لا يمكن وضع السراج وحفتر في كفة واحدة".

وفي هذا السياق، أكدت حكومة طرابلس على أن الأمين العام للحلف "ستولتنبرج" أكد لرئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية "فايز السراج" أن الناتو يعتبره السلطة الشرعية الوحيدة في ليبيا.

وبدا من موقف الناتو الأخير أن الولايات المتحدة باتت تعول على تركيا كحليف إقليمي في مواجهة النفوذ الروسي في طرابلس، وهو ما ورد في تصريحات "ستولتنبرج" الذي أشار إلى أن الحلف يتفهم أهمية دور تركيا في ليبيا بالنسبة لأمنها القومي.

ويرى الأميرال التركي المتقاعد "جيم جوردينيز" أن تصريحات أمين عام الناتو قد تعني دعم الولايات المتحدة لقرار حظر الأسلحة بشكل كامل في ليبيا، وهو ما يصب في صالح حكومة الوفاق، التي عانت من عدم وجود أية عملية مراقبة للدعم المقدم لـ"حفتر" عبر الحدود المصرية، وفقا لما أوردته وكالة "سبوتنيك" الروسية في نسختها التركية.

ومع تبني الولايات المتحدة للحل السياسي، فإن بقاء "حفتر" على رأس الجبهة الشرقية لليبيا بات متعذرا، في ظل إصراره على بسط كامل سيطرته على التراب الليبي عبر القوة العسكرية.

ويمثل فقدان قوات "حفتر" لقاعدة الوطية الاستراتيجية، غربي ليبيا، وعدم اعتراف مختلف الأطراف الدولية بـ"انقلابه" الذي أعلن فيه نفسه حاكما على البلاد، متجاوزا حلفاءه بمجلس النواب في طبرق وليس فقط خصومه، مؤشرا على أن أيام الجنرال الليبي باتت معدودة، وأن ممثلا "مدنيا" بديلا له سيدخل مفاوضات الحل السياسي على الأرجح.

ويعد رئيس مجلس النواب بطبرق "عقيلة صالح" الشخصية الأقرب للعب هكذا دور، وهو ما سبق لـ "الخليج الجديد" تناوله في تقرير سابق، لكن يظل موقفه من النفوذ الروسي في شرقي بلاده عاملا حاسما في هذا الأمر.

المصدر | الخليج الجديد