الأحد 31 مايو 2020 11:41 ص

شهدت الأيام القليلة الماضية موجة غير مسبوقة من النشاط الروسي تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

في 19 مايو/أيار، تحدث نائب وزير الخارجية الروسي ومبعوث "فلاديمير بوتين" الخاص للشرق الأوسط وأفريقيا "ميخائيل بوجدانوف" عبر الهاتف مع مساعد الرئيس الأمريكي والممثل الخاص للمفاوضات الدولية "آفي بيركوفيتش".

ويقول صحفي من وزارة الخارجية الروسية إن "بوجدانوف وبركوفيتش أجريا مناقشة متعمقة حول قضايا الساعة بخصوص الشرق الأوسط مع التركيز على آفاق التسوية الفلسطينية الإسرائيلية".

وفي اليوم نفسه، تحدث "بوجدانوف" أيضًا مع كبير المفاوضين الفلسطينيين، "صائب عريقات"، وعرض عليه مساعدة اللجنة الرباعية للوسطاء الدوليين في عملية السلام، أي الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا. وفي وقت سابق من يوم 19 مايو/أيار، أعلن الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" أن فلسطين في حل من جميع الاتفاقيات مع الولايات المتحدة و(إسرائيل).

في اليوم التالي، اتصل وزير الخارجية الإسرائيلي المعين حديثًا "جابي أشكنازي" بنظيره الروسي "سيرجي لافروف". وكان التركيز مرة أخرى على عملية السلام في الشرق الأوسط. وهذا خروج نادر عن أجندة السنوات القليلة الماضية، التي كانت تدور بشكل كبير حول إيران ووجود الميليشيات الشيعية في سوريا.

وجدد "لافروف" استعداد روسيا لتسهيل استئناف عملية السلام من خلال حوار مباشر بين الإسرائيليين والفلسطينيين ضمن إطار قانوني دولي معترف به من موسكو، مع أعضاء آخرين في اللجنة الرباعية.

في وقت لاحق من ذلك اليوم، أخبر السفير الفلسطيني في روسيا "عبد الحافظ نوفل" الصحفيين الروس أن الرئيس "عباس" أرسل رسالة إلى الرئيس "بوتين" قبل أسابيع قليلة يطلب فيها من الرئيس الروسي عقد مؤتمر دولي في موسكو من أجل إنشاء آلية جديدة للمفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

تأتي مبادرات روسيا الأخيرة على هذا المسار ضمن خطة واضحة ومدروسة وتستند إلى تاريخ وليست مجرد محاولات.

اعتبر التقليد الفكري والسياسي للاتحاد السوفييتي أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني السبب الجذري لمعظم المشاكل الاجتماعية السياسية في الشرق الأوسط المعاصر.

بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، كانت روسيا قد ابتعدت فعليًا عن عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية. جاءت "العودة المؤسسية" لموسكو لتسوية القضية مع إنشاء اللجنة الرباعية حول الشرق الأوسط في عام 2002. ولكن في ذلك الوقت، لم تسمح الموارد الروسية ولا تأثيرها السياسي بالبقاء على قدم المساواة مع الولايات المتحدة في القرارات الرئيسية.

ويبدو أن الربيع العربي، وما تلاه من ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية"، والتركيز على إيران قد حول ديناميكيات الصراع في الشرق الأوسط بعيداً عن القضية الفلسطينية. لكن التطورات السلبية على أرض الواقع للفلسطينيين في السنوات القليلة الماضية إلى جانب طموح الرئيس "دونالد ترامب" لتنفيذ "صفقة القرن" أعادت الاهتمام الدولي بعملية السلام.

إعادة المشاركة الروسية

كانت موسكو في البداية متشككة في خطة "ترامب" للسلام وقلقة بشأن آثارها المحتملة على مستقبل المحادثات الإسرائيلية الفلسطينية والاستقرار الإقليمي. أعادت الحملة العسكرية الروسية في سوريا وجهودها الدبلوماسية في مسار أستانا، والتحركات على رقعات الشطرنج الأخرى تأكيد موقفها في المنطقة وعززت ثقة القيادة الروسية بأن موسكو هذه المرة قد تكون أكثر صلة بعملية السلام مما كانت عليه في العقود السابقة وذلك منذ أن كرست روسيا الكثير من الوقت والجهد لاستعادة دورها في اللعبة.

في بعض جوانب القضية، سعت روسيا إلى إظهار نهج أكثر دقة من الولايات المتحدة. على سبيل المثال، في 6 أبريل/نيسان 2017، قبل 8 أشهر من قرار "ترامب" الاعتراف بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل)، أصدرت وزارة الخارجية الروسية بيانا أكدت فيه اعتراف موسكو بالقدس الغربية عاصمة لـ(إسرائيل) فيما تعد القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية. ولم تنقل روسيا سفارتها من تل أبيب، مما سمح لموسكو رسميًا بالبقاء ضمن الإطار المعترف به دوليًا فيما يتعلق بـ"الدولة الفلسطينية المستقبلية". 

ومع ذلك، فهمت موسكو أهمية خطة السلام للرئيس "ترامب". ومع البحث عن طرق للانخراط مع إدارة "ترامب"، كان الكرملين حذرًا لأنه رأى أن الخطة ستعلق في مرحلة ما على أي حال من تلقاء نفسها. لذلك، فمع تعبير كبار الدبلوماسيين الروس من حين لآخر عن انتقادهم لمبادرة "ترامب"، فقد وضع الكرملين بدلاً من ذلك مقترحات ملموسة يمكن التعاون من خلالها مع البيت الأبيض.

وقد تم اقتراح القيام بدوريات مشتركة محتملة في مرتفعات الجولان وإجراءات أخرى لتوفير الأمن لـ(إسرائيل) وهي مقترحات قدمها "بوتين" لـ"ترامب" خلال "قمة هلسنكي" في صيف 2018.

بعد أن أدركت أن هذه الاقتراحات لن تتحقق، تحركت موسكو لاستعادة وضعها تدريجيا كوسيط مهم في تسوية السلام.

وبينما تدور العلاقات مع (إسرائيل) حول حل النزاع في سوريا والمسائل الأمنية المتعلقة بإيران وبشكل أساسي من خلال الكرملين ووزارة الدفاع ووكالات المخابرات، فقد ركزت وزارة الخارجية الروسية منذ أواخر عام 2018 على النجاح فيما فشلت فيه مصر سابقًا وهو التوفيق بين الفصائل الفلسطينية.

في فبراير/شباط 2019، استضافت موسكو 12 حركة فلسطينية بما في ذلك "فتح" و"حماس" و"الجهاد الإسلامي" في محاولة لتسوية الانقسامات بينهم. وقد أثمرت الجهود القليل حتى الآن لكن موسكو تواصل البحث عن كل فرصة لتحسين العلاقة مع الفلسطينيين وتعزيز دورها كوسيط محتمل.

رد موسكو على خطة "ترامب"

عندما أطلق "ترامب" الجزء السياسي من خطته في أواخر يناير/كانون الثاني 2020، ردت موسكو بهدوء إلى حد ما. من المحتمل أن يكون التغيير في النغمة علامة على أن موسكو لا تزال على استعداد للانضمام إلى الخطة إذا كان بإمكانها إيجاد ثغرة لنفسها. تدرك موسكو جيدًا تعقيدات الخطة، والانقسام الذي أحدثته بين النخب العربية، وانفصالها العام من قبل الشارع العربي، وقد تبنت نهج الانتظار والترقب.

في ذلك الوقت كان الحساب هو أنه إذا كان العرب سيرفضون الخطة، فلن تبدو روسيا هي التي نسفتها. إذا مرت الخطة، والذي لا يبدو مرجحا بدون بعض المشاركة الروسية والأوروبية، فإن موسكو سيكون لها مصلحة في هذه العملية. وقد أثبت الجزء السابق من هذا الحساب صحته: رفض الفلسطينيون الصفقة ولم يتم إلقاء اللوم على روسيا في ذلك، ومع ذلك، لم يشارك الروس الولايات المتحدة.

أدت أحدث خطط لرئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" لضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية وغور الأردن، إلى تجدد التصعيد وأطلقت جولة جديدة من المناورات من قبل الأطراف المعنية.

استجابت روسيا لهذه الخطوة بمزيج من المبادرات القديمة والجديدة. أولاً، أعادت تنشيط وساطتها بين الفصائل الفلسطينية. ثانياً، اقترحت العودة إلى اللجنة الرباعية للشرق الأوسط. وأخيرًا، عرضت تسهيل عقد اجتماع في الأسابيع القليلة القادمة بين الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية.

وربما كان العنصر الأخير هو العنصر الأكثر إثارة للاهتمام في الجهد الروسي. وكما كتب "باراك رافيد" في مقال له في "أكسيوس"، من المفترض أن تدعم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي المبادرة في حين أن الفلسطينيين لا يستبعدون التعاطي معها، بالرغم أنهم لم يعطوا إجابة نهائية حتى الآن.

في خضم حملة إعادة الانتخاب ومع اعتبار كل شيء روسي مادة سامة في واشنطن، من غير المرجح أن يتبنى "ترامب" مبادرة موسكو للتوسط في المحادثات الأمريكية الفلسطينية المباشرة أو حتى الجلوس مع بقية اللجنة الرباعية للشرق الأوسط لتخطيط تسوية سلمية. وحتى إذا كان "ترامب" لا يهتم كثيرًا بانتقاد خصومه السياسيين، فإن التراجع عن خطته للسلام لن يجتذب قاعدته بشكل جيد.

هل هناك مجال للتعاون؟

ولكن قد تكون هناك فرصة أمام الولايات المتحدة في دورة ما بعد الانتخابات.

تطور موقف روسيا تجاه (إسرائيل) من المواجهة ودعم العرب بشكل علني خلال العصر السوفييتي إلى المزيد من المشاركة، إن لم يكن تعاطفا مع المخاوف الإسرائيلية في ظل رئاسة "بوتين". في 17 مايو/أيار، أرسل "بوتين" رسالة لتهنئة "نتنياهو" على توليه منصبه لفترة أخرى كرئيس للوزراء الإسرائيلي. شدد الرئيس الروسي في الرسالة على الكيمياء الشخصية التي طورها الزعيمان خلال السنوات الأخيرة، وشدد على التعاون المفيد للطرفين.

ومع ذلك، فإن التقليد القديم في الدبلوماسية الروسية المتمثل في دعم القضية الفلسطينية، والروابط الشخصية والتاريخية القوية بين موسكو ومعظم كبار القادة الفلسطينيين، بالإضافة إلى صورة روسيا باعتبارها "وسيطًا جديدًا في الشرق الأوسط" قد يضع روسيا كشريك جيد للولايات المتحدة لدفع "عملية السلام" إلى الأمام من الطريق المسدود الحالي. على مدى السنوات القليلة الماضية، أصبحت القضية معقدة للغاية بحيث يتعذر حلها من جانب واحد.

ربما يكون طموح روسيا الجيوسياسي لتحدي الولايات المتحدة في الشرق الأوسط هو الذي لا يشجع واشنطن على التعاون مع موسكو في هذا الشأن ومسائل إقليمية أخرى. يجادل البعض أن هذا ليس الهدف النهائي لروسيا.ولكن عمليا، هذا ما تفعله موسكو -وستستمر في القيام به- حتى تشارك، أو يتم الاعتراف بها كشريك على قدم المساواة كما في الرواية الروسية.

 لم ينجح الصراع في سوريا كمكان للتعاون، كما تمنى الكرملين. وفيما يتعلق بالقضية الإسرائيلية الفلسطينية أيضًا، يمكن لروسيا إما أن تكون جزءًا من المشكلة أو جزءًا من الحل بالنسبة للولايات المتحدة، إما أن تكون مخربا أو تساعد إدارة "ترامب" على إنقاذ ماء الوجه. لطالما كانت عملية السلام مصدر إرهاق و إزعاج سياسي، لكنها قد تمنح الولايات المتحدة وروسيا فرصة أخرى للتعاون في الشرق الأوسط.

المصدر | مكسيم  سوشكوف - ميدل إيست إنستيوت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد