الثلاثاء 2 يونيو 2020 07:45 م

3 أشهر من أزمة تفشي كورونا كانت كفيلة بعودة أزمة الجنيه المصري أمام الدولار إلى سابق عهدها قبل تحرير سعر الصرف في عام 2016؛ حيث عادت السوق السوداء إلى الواجهة مجددا مسجلة سعرا أعلى للعملة الأجنبية بالمقارنة مع السعر الرسمي.

وفي أعقاب إجازة عيد الفطر، قفز سعر الدولار في البنوك إلى 15.81 جنيها، بينما قفز في السوق السوداء إلى 16.70 جنيها، بفارق كبير عن السعر الرسمي، مع توقعات بزيادة الفجوة بين السعر الرسمي ونظيره الموازي خلال الأسابيع المقبلة.

وتعود تلك التوقعات إلى ما كشفته بيانات البنك المركزي المصري، منتصف الشهر الجاري، بشأن ارتفاع حجم الديون الخارجية إلى 120.4 مليار دولار، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ البلاد، بعدما ضربت أزمة كورونا قطاعات حيوية تمثل مصادر رئيسية للنقد الأجنبي، مثل السياحة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، دون توفير الحكومة مصادر نقد بديلة سوى الاقتراض.

ومع  انحسار موارد النقد الأجنبي وعجز الحكومة المصرية عن توفير مصادر بديلة، تقف القاهرة أمام خيارين؛ فإما استنزاف مزيد من احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي، التي تقف بالفعل عند أدنى مستوياتها في أكثر من عامين، أو إبرام اتفاقات لتلقي مزيد من القروض بمليارات الدولارات.

لجأت الحكومة المصرية في البداية إلى الحل الأول، وفق تقدير مفاده أن أزمة كورونا ستكون محدودة الأثر والمدة، لكن خطأ هذا التقدير ألجأها لاحقا إلى العودة مجددا إلى طلب الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وهو ما أثر سلبا على رصيد الاحتياطي وحجم الدين الخارجي معا.

وهبط الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي المصري بنحو 8.5 مليارات دولار، خلال مارس/آذار وأبريل/نيسان فقط، فيما طرحت الحكومة المصرية سندات دولية بقيمة 5 مليارات دولار في وقت سابق من مايو/أيار الماضي، بعد أيام من موافقة صندوق النقد على منحها قرضا طارئا بقيمة 2.77 مليار دولار للتعامل مع تأثير أزمة كورونا، في الوقت الذي تسعى فيه القاهرة للحصول على قروض إضافية من مؤسسات دولية أخرى.

  • هروب الاستثمارات

وبإضافة خروج محافظ استثمار أجنبية تقدر بنحو 10 مليارات دولار من السوق المصري خلال شهر مارس/آذار وحده، واستحقاق سداد أكثر من 11 مليار دولار من فوائد وأقساط الديون المصري خلال العام الجاري، يرى متعاملون في سوق الصرف أن القروض، التي حصلت عليها الدولة، لن تكون كافية لسد النقس المتوقع في العملة الأجنبية.

ورغم أن السلطات المصرية اعتادت إعادة الاقتراض بآجال قصيرة لسداد أقساط وفوائد ديون أخرى، إلا أن تراجع أسعار النفط عالميا وتآكل الاحتياطيات النقدية هي عوامل تقلل من فرص مصر في جذب المزيد من أموال الدائنين، حسب تأكيد الخبير الاقتصادي المصري "ممدوح الولي"؛ بما يعني أن البنك المركزي أمام خيارين أحلاهما مر؛ أحدهما ترك قيمة الجنيه للانخفاض مجددا أمام الدولار أو السماح بعودة السوق السوداء.

وتخشى الحكومة من انهيار قيمة الجنيه مجددا أمام الدولار، مع ما قد يصاحب ذلك من أزمات اجتماعية جراء ارتفاع الأسعار في بلد يعتمد بشكل رئيس على الاستيراد لتوفير احتياجاته الأساسية.

ولما كان إجمالي الدين الخارجي حاليا يمثل 3 أضعاف قيمة احتياطات البلاد من العملات الأجنبية، فإن مصر قد تشهد أزمة أخرى على مستوى توفير السلع الاستراتيجية إذا لم تضمن الحكومة بدائل لتوفير العملة الأجنبية.

  • موازنة مختلة

وتتضاعف حدة هذه الأزمة في ظل حقائق الموازنة العامة التي قدمها وزير المالية المصري "محمد معيط"  إلى البرلمان لإقرارها، والتي جرى إعدادها قبل ظهور تداعيات كورونا على الاقتصاد؛ حيث استحوذت تكلفة الدين المحلي والخارجي على نسبة 49% (نصف الموازنة تقريبا) من الإنفاق العام، وهي نسبة مرشحة للزيادة الآن في ضوء تداعيات كورونا وزيادة الاقتراض.

ويرى الباحث "عمرو عادلي"، في دراسة أصدرتها جامعة ستانفورد، أن تداعيات هذه الأزمة قد تمتد إلى المجال السياسي مستقبلا، خاصة أن الشركات الصغيرة في مصر لا تنمو لتصبح شركات متوسطة وكبيرة، وأن النتيجة العملية لهذه المتلازمة هي التآكل المستمر للامتيازات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تتمتع بها الطبقات الوسطى.

في السياق ذاته، اعتبرت رئيسة المجلس الثوري المصري "مها عزام" أن السياسة الاقتصادية لنظام الرئيس "عبدالفتاح السيسي" تضعف من وضع مصر الاستراتيجي، حسب بيان صادر عن المجلس.

وأشارت إلى أن القروض المصرية الجديدة تمثل عبئا خطيرا يعادل 4% من الدخل القومي، خاصة أن الديون مُقدرة بالدولار والعملة المصرية ليست مرتبطة بنظيرتها الأمريكية، و"التاريخ الاقتصادي يدل أن الاقتراض بعملة صعبة كثيرا ما يؤدي لإضعاف الاقتصاد في الدول النامية" حسب البيان.

المصدر | الخليج الجديد