الثلاثاء 2 يونيو 2020 06:41 م

تثير صفقة الأسلحة الضخمة المرتقبة بين مصر وإيطاليا، التي تقدر قيمتها بنحو 10 مليارات دولار، العديد من التساؤلات حول توقيت وأسباب الصفقة.

ورغم التكتم الرسمي المصري على بنود الصفقة، وإحجام المؤسسة العسكرية عن كشف تفاصيلها، فإن وسائل الإعلام الإيطالية أماطت اللثام عن جوانب عدة حولها.

وتعد مصر من أكثر دول العالم استيرادا للسلاح خلال السنوات الأخيرة، وفقا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "سيبري" المتخصص في مراقبة حركة بيع وشراء السلاح.

  • صفقة ضخمة

وتضم الصفقة التي وصفتها صحيفة "لا ريبوبليكا" بأنها "صفقة قرن عسكرية"، 20 قاربا للصواريخ، و24 مقاتلة من طراز "يوروفايتر تايفون"، و24 طائرة "إيرماكي إم-346" للقتال المتقدم، وقمر صناعي للاستطلاع والتصوير الراداري.

وتعد "يوروفايتر تايفون" من أقوى المقاتلات الجوية على مستوى العالم، وهي مقاتلة متعددة المهام، تتمتع بقدرات عالية في الحركة، والمناورة، والتخفي، كما تحظى بأنظمة إلكترونية حديثة، ويصل سعر الواحدة منها إلى 98 مليون دولار.

وتشمل الصفقة الضخمة فرقاطتين من طراز "فريم بيرجاميني" كانتا مخصصتين للبحرية الإيطالية، إضافة إلى 4 فرقاطات سيتم بناؤها خصيصا لمصر، حسب موقع "نافال نيوز" الدولي المتخصص في الشؤون العسكرية.

ويأتي الإعلان عن الصفقة في وقت تمتلك فيه مصر ترسانة ضخمة من السلاح توسعت خلال عهد الرئيس الحالي "عبدالفتاح السيسي".

وخلال السنوات الخميس الأخيرة (من 2014 إلى 2019)، اشترت مصر 24 مقاتلة من طراز "رافال" فرنسية الصنع، وحاملتي مروحيات "ميسترال"، و4 فرقاطات فرنسية من طراز "فريم".

كذلك، حصل الجيش المصري بموجب اتفاق مع ألمانيا على 4 غواصات وفرقاطتين من طراز "MEKO 200"، وأنظمة دفاع جوي ومقاتلات "ميج-28"، ومروحيات "كي 52" من روسيا، وطائرات "إف-16" ومروحيات "أباتشي" من الولايات المتحدة.

  • أشباح "ريجيني"

يقع في خلفية الصفقة المرتقبة بين القاهرة وروما، أشباح قضية طالب الدكتوراه القتيل "جوليو ريجيني"، الذي تطالب السلطات الإيطالية نظيرتها المصرية بتسليم المتورطين في قتله في فبراير/شباط 2016.

وتحاول القاهرة، إرضاء روما، وتجنب التصعيد الإيطالي في قضية "ريجيني"، عبر تسييل لعاب شركات السلاح بصفقات من العيار الثقيل.

ففي العام 2013، لم تتجاوز قيمة الأسلحة التي استوردتها مصر من إيطاليا مبلغ 17.2 مليون يورو، بينما زادت في 2014 إلى 31.8 مليون يورو، وصولا إلى 37.6 مليون يورو في العام 2015.

وجراء تداعيات حادثة "ريجيني" انخفضت الواردات بشكل ملحوظ إلى 7.1 ملايين يورو في 2016، وزادت بشكل طفيف في 2017 إلى 7.4 ملايين يورو.

وفي العام 2018، بلغت واردات مصر من السلاح الإيطالي 69.1 مليون يورو، وهو رقم يفوق بكثير إجمالي مشترياتها من الأسلحة والذخيرة في جميع الأعوام من 2013 إلى 2017، حسب وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الإيطالية.

وأوضحت الوثيقة أنه "في عام 2018 احتلت مصر المركز العاشر في قائمة الدول المستوردة للسلاح الإيطالي بصفة عامة، والمرتبة الأولى على مستوى قارة أفريقيا".

وشملت قائمة الأسلحة، التي تستوردها مصر من إيطاليا، المسدسات والبنادق الصغيرة، والقنابل، وقطع غيار بعض الأسلحة أمريكية الصنع، المنتجة حصرا في إيطاليا، وأنظمة توجيه وقيادة وسيطرة ميدانية، وأجهزة إلكترونية ورادارية مختلفة للاستخدام العسكري، وأنظمة معلوماتية ذكية.

  • ليبيا و"حفتر"

منذ عام 2019، تجري مفاوضات مكثفة مع روما لـ"إبرام صفقة الأسلحة الأكبر في تاريخ البلدين، والتي تتناقض مع ما تعانيه مصر من فاتورة ديون باهظة (نحو 120 مليار دولار)، فضلا عن التداعيات الكارثية لأزمة "كورونا" على الاقتصاد المصري.

ووفق صحيفة "نوتيزي جيوبوليتيك" الإيطالية، فإن حكومة إيطاليا ضحت بقضية "ريجيني"، مقابل الحفاظ على التنسيق التجاري بين البلدين، والتعاون الثنائي في الأزمة الليبية، ومكافحة الهجرة غير الشرعية.

ويشكل الملف الليبي أولوية لروما التي تريد تأمين مصالحها في البلد العربي النفط، خاصة أن مصر تعد أحد اللاعبين الرئيسين على الساحة الليبية، إلى جانب الإمارات وفرنسا.

ولم تضع وزارتا الخارجية والدفاع في إيطاليا أي قيود أو موانع تحول دون إتمام الصفقة مع القاهرة، حسب إفادة مدير وحدة ترخيص الأسلحة في وزارة الشؤون الخارجية الإيطالية "ألبرتو كوتيلو".

وربما تكون مصر وسيطا لتزويد الجنرال الليبي "خليفة حفتر" بقدرات جوية وبحرية متطورة، لا سيما أنه يعاني حظرا أمميا يحول دون شراءه السلاح.

وتتكبد قوات "حفتر" خسائر فادحة على يد الطائرات المسيرة التركية الداعمة لحكومة "الوفاق" (معترف بها دوليا)؛ ولذلك ليس من المستبعد أن يتم تمويل جزء من الصفقة المصرية الإيطالية عبر طرف ثالث (الإمارات) بهدف استعادة مقاليد الأمور في ليبيا.

وتعد مصر البوابة الكبيرة لدخول السلاح للشرق الليبي، وهي منفذ رئيس لشحنات السلاح الإماراتية الموجهة إلى "حفتر".

  • حقول الغاز

تبرز مصالح عملاق النفط الإيطالي "إيني" كذلك في خلفية الصفقة المرتقبة بين القاهرة وروما؛ حيث تعمل الشركة الإيطالية في حقل "ظهر" المصري، أكبر حقول الغاز في البحر المتوسط.

وتتوافق المصالح المصرية والإيطالية في أهمية تأمين موارد الطاقة، وحماية استثمارات البلدين في منطقة شرقي المتوسط.

ومن المتوقع أن تصل معدلات إنتاج "ظهر" بنهاية العام الجاري إلى أكثر من 3 مليارات قدم مكعبة غاز يوميا، وتقدر احتياطياته بـ30 تريليون قدم مكعبة من الغاز.

وتحصل "إيني" على 40% من عوائد الحقل لاسترداد تكاليف الاستثمار، إضافة إلى حصة 35% من عوائد الحقل كأرباح، على أن تكون حصة الشركة 35% فقط من عوائد الحقل بعد استرداد تكاليف الاستثمار.

وتوفر القطع المتعاقد عليها، قدرات نوعية للبحرية المصرية في تعزيز مهام الدوريات، والنقل والإنزال، والبحث والإنقاذ، ومكافحة الغواصات.

وقد دخلت الفرقاطة "فريم" إلى الخدمة لدى البحرية الايطالية عام 2013، وتتميز بقدرتها في مهام الدفاع الجوي وصد الهجمات الصاروخية المعادية، ومكافحة السفن والغواصات، وضرب الأهداف البرية الساحلية، والدعم النيراني للقوات في البحار والمحيطات، والقدرة على حمل صواريخ بعيدة المدى.

ويمنح قمر التصوير الراداري، مصر، إمكانية امتلاك خرائط عالية الدقة للتضاريس الأرضية، والتغيرات الجيولوجية وأنشطة الزلازل والبراكين بخلاف الاستخدامات العسكرية المتنوعة.

  • التمدد التركي

ويرى محللون ومراقبون أن مصر تسعى من وراء إبرام تلك الصفقة إلى مواجهة النفوذ التركي المتنامي في منطقة المتوسط.

وتقول تقارير إيطالية إن "المصريين يحتاجون إلى وحدات بحرية حديثة في غضون وقت قصير ليتمكنوا من مواجهة بحرية أنقرة".

وتخشى القاهرة تعاظم نفوذ أنقرة بعد توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع طرابلس، واعتزام الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" الحفر والتنقيب داخل المناطق البحرية التي تم ترسيمها بموجب الاتفاق.

ويمكن اعتبار الصفقة المصرية الإيطالية بمثابة إعادة تموضع عسكري من قبل البحرية المصرية؛ لاستعادة الهيبة وبسط النفوذ، ومواجهة التمدد التركي في منطقة المتوسط.

المصدر | الخليج الجديد