الأربعاء 3 يونيو 2020 08:22 ص

يبدو أن صور الأقمار الصناعية التي نشرتها القيادة الأمريكية الأفريقية في 26 مايو/أيار تؤكد التقارير التي تفيد بأن المقاتلات النفاثة الروسية "ميج-29" قد طارت إلى ليبيا، حيث تم رصد طائرة واحدة على الأقل، لم يتم نشرها من قبل في البلاد، في قاعدة "الجفرة" الجوية.

ربما جاءت الطائرة من بيلاروسيا ويشغلها الطيارون البيلاروسيون والصرب، وليس الروس، ومع ذلك، لم تعد روسيا قادرة على إنكار معرفتها بنشر المعدات العسكرية في ليبيا والادعاء بأن المعدات تم شراؤها من خلال شركات وهمية في صربيا دون علم موسكو.

ففي الواقع؛ سافرت طائرات "ميج-29" إلى ليبيا عبر قاعدة "حميميم" الجوية الروسية في سوريا، عن طريق قاعدة "همدان" الجوية الإيرانية ومطار "بريفولزسكي" الروسي، ورافقتها طائرة عسكرية من طراز "Tu-154M".

وكما أوضحت هذه الحلقة الأخيرة؛ فإن قاعدة "حميميم" أصبحت تلعب دورًا محوريًا في مشاركة روسيا المتزايدة في كل من البحر الأبيض المتوسط ​​وأفريقيا.

روسيا تعود للشرق الأوسط

قبل عام 1991، كان "السرب التشغيلي الخامس" قوة العمليات الدائمة للبحرية السوفييتية في مسرح البحر الأبيض المتوسط ​​وكان بمثابة ثقل موازن لـ"الأسطول السادس للولايات المتحدة".

ولكن، على عكس الأمريكيين؛ لم ينشئ السوفييت أبدًا قاعدة بحرية دائمة في البحر الأبيض المتوسط، وإنما اعتمدوا على منشآت في سوريا والجزائر ويوغوسلافيا لإصلاح وإعادة تزويد سفنهم وإراحة طواقمهم.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أصبح المرفق البحري الروسي في طرطوس نقطة الدعم الوحيدة في البلاد للرحلات الطويلة المدى إلى المحيطين الأطلسي والهندي.

في ذلك الوقت، كافحت الحكومة الروسية في سبيل تخصيص موارد كبيرة لإظهار القوة في الخارج، في ظل مشاكلها الاقتصادية المزمنة،  بما في ذلك في البحر الأبيض المتوسط.

وهكذا، تألفت منشأة طرطوس من رصيف ومبنيين صغيرين على الساحل في عام 2012، وتم حل جهاز كبير المستشارين العسكريين الروس في سوريا، وفي عام 2013، كان على روسيا إخلاء ضباطها من سوريا، خوفًا من المخاطر التي تشكلها الحرب الأهلية القائمة.

تغير الوضع بشكل كبير في عام 2015 عندما قررت روسيا التدخل بفعالية في الصراع السوري، فقد بدأ الجيش الروسي يشير إلى منشأة طرطوس كقاعدة عسكرية، مجهزة بمحل إصلاحها الخاص وقادرة على استيعاب 11 سفينة حربية، بما في ذلك السفن التي تعمل بالطاقة النووية.

كما تم تحديث وتوسيع قاعدة "حميميم" الجوية التي تسيطر عليها روسيا منذ بدء الحملة، وأصبح بإمكانها الآن خدمة المزيد من أنواع الطائرات، بفضل بناء مهبط ثانٍ، بما في ذلك الطائرات الثقيلة مثل "Tu-142M3" وناقلات الصواريخ.

قبل ذلك؛ كان على القاذفات الإستراتيجية الروسية مثل "Tu-95MS"، و"Tu-160" تنفيذ ضربات صاروخية كروز ضد قوات المتمردين السوريين ومقاتلي تنظيم "الدولة" من القواعد الجوية الروسية "موزدوك" و"أولينيا"، حيث كانت تتزود بالوقود في الجو.

تطلع الجيش الروسي أيضًا إلى قاعدة "كويرس" الجوية في حلب كموقع لنشر طائرات اعتراضية من طراز "ميج-31"، والتي ستتمكن من الوصول إلى مالطا وجبل طارق في غضون ساعة وإطلاق صواريخ بعيدة المدى.

هذا المستوى من الوجود الروسي مناسب للمهام التي حددتها موسكو لنفسها في سوريا، وهي التلويح بالعلم الروسي في البحر الأبيض المتوسط ​​واستعراض العودة الروسية إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ومع ذلك، فإن القدرات الحقيقية لروسيا في المنطقة ليست كبيرة كما قد تبدو للوهلة الأولى، على الرغم من أنها أكبر بكثير مما كانت عليه قبل عقد من الزمان.

حتى لو أرادت موسكو نشر آلاف الجنود في سوريا في غضون مهلة قصيرة، فإنها ستواجه المشاق للقيام بذلك لأسباب فنية، حيث تفتقر روسيا إلى السفن القادرة على العمل في المناطق البحرية والمحيطات البعيدة المدى، ولديها مجموعة متواضعة من طائرات النقل العسكرية، وهما عاملان يحدان من قدرة موسكو على إجراء عمليات واسعة النطاق في مسرح بعيد.

ولكن، أيًا كانت ما تفتقر روسيا إليه في القوة العسكرية، فإنها تطمح إلى تعويضه من خلال تعزيز رؤيتها لنظام جيوسياسي بديل متعدد الأقطاب.

وبموجب هذا النظام، ستعمل موسكو كواحدة من عدة أقطاب، فيما سيكون للاعبين الإقليميين في أفريقيا والشرق الأوسط نفوذ أكبر في المفاوضات مع القوى الأكبر، خاصة الغرب.

منصة لأفريقيا

اكتسبت أفريقيا أهمية متزايدة لروسيا منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، ما زاد من تطلعات موسكو لتصبح قوة عالمية، وليس حصنًا معزولًا محاصرًا.

وتحقيقا لهذه الغاية، بذلت روسيا محاولات جديدة لتنويع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية لضمان قدرتها على مواجهة الغرب على قدم المساواة، والتحايل على العقوبات، والتماس الدعم من دول الشرق الأوسط وأفريقيا في المؤسسات المتعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة.

انخرطت روسيا في الدبلوماسية على مسارين، من أجل بناء علاقات مع الدول الأفريقية، حيث إن هناك حدودًا لفائدة القنوات الدبلوماسية الرسمية بسبب الطبيعة البطيئة للبيروقراطية الروسية، والتي غالبًا ما تفتقر إلى المبادرة لتحمل المسؤولية والمخاطر.

لذلك، سعت موسكو إلى تنمية العلاقات مع الأطراف الأفريقية المحلية باستخدام الجهات شبه الحكومية مثل رجال الأعمال والشركات العسكرية الخاصة.

تتم هذه الدبلوماسية غير الرسمية تحت ستار المستشارين الرسميين لروسيا وتشرف عليها على ما يبدو أجهزة خاصة في الدولة.

تعمل قاعدة "حميميم" الجوية في سوريا كمركز لوجستي يخدم الرحلات الجوية إلى ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى والسودان، حيث يقال إن الأطراف الروس غير الحكوميين يعملون هناك.

إن اعتماد روسيا على هذا النظام من "الدبلوماسية الموازية" يوفر المرونة ولكن له أيضًا عيوبه في بيئة سياسية غير مستقرة.

لطالما كانت روسيا تفتقر إلى وجود عسكري قوي على الأرض لحماية الأنظمة الأفريقية الصديقة من الانقلابات أو الاضطرابات المحلية.

وهكذا، ففي حين أن استراتيجية الدبلوماسية الموازية هذه يمكن أن تساعد في إخفاء معاملات روسيا في أفريقيا وحماية سمعتها، لكنها ليست مضمونة بأي حال من الأحوال.

يتجلى أحد الأمثلة على ذلك في الإطاحة بالزعيم السوداني السابق "عمر البشير" في عام 2019، حيث كان يبني علاقات مع موسكو قبل أن يطيح به انقلاب بعد أشهر من الاحتجاجات الشعبية.

في عام 2017، أفادت التقارير بأن شركة "فاجنر" العسكرية الروسية الخاصة فتحت معسكرًا في السودان لتدريب المجندين المحليين والجنود على الخدمة في جيش أفريقيا الوسطى.

أصبح السودان أيضًا موضع اهتمام تجاري لرجل الأعمال الروسي "يفجيني بريجوجين"، الذي يعرف بامتلاكه لمجموعة "فاجنر".

فقد أفيد أن شركة التعدين الروسية "إم إنفست" المرتبطة بـ"بريجوجين"، قد تمكنت من الوصول إلى مناجم الذهب السودانية وأرسلت أكثر من 50 خبيراً إلى البلاد.

كما استغلت موسكو علاقتها مع "البشير" لتقديم دعم إضافي للرئيس السوري "بشار الأسد"، وبينما مرت معظم الاتصالات بين موسكو والخرطوم عبر قنوات غير رسمية، كانت "حميميم" منصة الطائرة التي نقلت الرئيس السوداني إلى سوريا في 2018 في محاولة لتعزيز الواجهة الدبلوماسية لـ"الأسد" وإصلاح علاقاته مع جامعة الدول العربية.

لكن الإطاحة بـ"البشير" أدت لتعثر التحالف الروسي - السوداني الذي كان مزدهرًا، حيث سارع رئيس المجلس العسكري الانتقالي "عبدالفتاح البرهان"، إلى بدء جهود لتحسين العلاقات مع الغرب، وهي خطوة قد تأتي على حساب شراكة السودان مع موسكو في المجال العسكري.

حقق محور روسيا المتوجه ناحية أفريقيا نتائج أكثر ديمومة مع الحكومات التي لديها قبضة أقوى على السلطة.

ومن الأمثلة على ذلك نظام رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى" فوستين-أرشينج تواديرا"، الذي تمكن من البقاء في السلطة على الرغم من استمرار حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة وفقدان الدعم الفرنسي.

استغلت الحكومة الروسية الفجوة التي تركها انسحاب القوات الفرنسية بإرسال الذخيرة والمستشارين العسكريين والمدنيين إلى جمهورية أفريقيا الوسطى.

وفر القيام بذلك غطاءً مناسبًا لوجود متعاقدين خاصين في الدولة الأفريقية، وهو أمر أنكرته روسيا باستمرار، حتى بعد مقتل 3 صحفيين روس هناك أثناء إعداد فيلم وثائقي عن المجموعات شبه العسكرية.

بالإضافة إلى استخدام الطرق البحرية للوصول إلى البلدان الأفريقية؛ قامت روسيا أيضًا بنقل الإمدادات والأفراد إلى جمهورية أفريقيا الوسطى عبر السودان باستخدام قاعدة "حميميم" الجوية.

أحد الأجزاء المهمة في الانخراط الروسي في أفريقيا هي شراكة الكرملين المتنامية مع الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي".

وقد ساعد ذلك موسكو على ترسيخ مكانتها داخل شبكة التحالفات الإقليمية، وإلى حد ما، استخدام ورقة ليبيا كوسيلة ضغط في مناقشاتها مع تركيا بشأن سوريا.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن مشاورات موسكو بشأن ليبيا جاءت في نفس اليوم الذي أجرى فيه رئيس مكتب الأمن القومي للنظام السوري "علي مملوك"، محادثات مع رئيس المخابرات التركية "هاكان فيدان".

مزايا جيوسياسية

كان لـ"حميميم" أيضًا دور فعال في خدمة الحركة الجوية الروسية إلى بنغازي وقاعدة "الوطية" الجوية في ليبيا، واستخدمت موسكو هذه الأخيرة في الطيران بطائرات إلى فنزويلا قبل أن تفقد قوات "خليفة حفتر" السيطرة على القاعدة.

ولكن، في الوقت نفسه، لا يزال من الصعب التأكد من درجة التدخل الروسي في تجنيد السوريين للقتال إلى جانب "حفتر".

ومع ذلك، تدعم التقارير الأخيرة على الأقل الفرضية القائلة بأن "حميميم" يستخدم كنقطة تجميع يتم من خلالها نقل المجندين السوريين إلى ليبيا.

وحتى إذا كانت هذه المساعدة جزءًا من ترتيب ثنائي بين "الأسد" و"حفتر"، فيجب أن تكون روسيا قد عملت كوسيط، خاصة بالنظر إلى التقارير التي تفيد بأن المقاتلين الذين تم نقلهم إلى ليبيا لم يضموا فقط الميليشيات الموالية للنظام من قوات الدفاع الوطني، ولكن أيضًا سجناء تنظيم "الدولة".

أظهرت روسيا مرة أخرى براجماتيتها في استخدام منشآتها في سوريا وروابطها مع مجموعات عسكرية خاصة للمناورة الجيوسياسية بتكلفة مالية قليلة.

كما أظهر الانتشار في ليبيا أن دور موسكو ليس مشاركة مباشرة في نزاع البلاد بقدر ما هي ميسرة لتحالف ناشئ بين "الأسد" و"حفتر".

المصدر | أنتون مادازوف | ميدل إيست انستيتيوت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد