الأحد 21 يونيو 2020 11:39 ص

يضع قانون "حماية المدنيين في سوريا" الذي اعتمدته الإدارة الأمريكية، قبل أيام، دولة الإمارات، أمام مأزق كبير، في ظل تشعب علاقاتها برئيس النظام السوري "بشار الأسد".

واعتبارا من 17 يونيو/حزيران الجاري، دخل القانون الذي يعرف اختصارا باسم "قانون قيصر" حيز التنفيذ، بهدف زيادة العزلة المالية والاقتصادية والسياسية التي يعاني منها نظام "الأسد".

وتم تسمية القانون بهذا الاسم نسبة إلى مصور عسكري سوري انشق عن نظام "الأسد" عام 2014، واستخدم اسم "قيصر" لاخفاء هويته الحقيقية، بعد أن سرب ما يزيد على 52 ألف صورة لـ11 ألف سجين قتلوا أو خضعوا لتعذيب داخل سجون النظام.

وعلى الرغم من أن القانون يستهدف في الأساس نظام "الأسد" وحلفاءه المباشرين في إيران وروسيا، فإن آثاره قد تمتد إلى دول أخرى تحتفظ بعلاقات وثيقة مع دمشق، منها تحديدا لبنان والإمارات، وربما مصر.

بنود القانون

يهدف "قانون قيصر" إلى فرض عقوبات على أي شخص أجنبي، يقدم دعما ماليا أو ماديا أو تقنيا كبيرا للحكومة السورية أو لأي شخص أجنبي يحتفظ بقوة عسكرية داخل سوريا تعمل حساب حكومات سوريا أو روسيا أو إيران، في إشارة إلى الميليشيات العاملة على الأراضي السورية.

ويستهدف القانون أيضا كل "من يبيع أو يوفر سلعا أو خدمات أو تكنولوجيا أو معلومات تسهل إنتاج الحكومة السورية للنفط والغاز، أو يمكنها من شراء أو صيانة الطائرات العسكرية، وإقامة مشاريع البناء والهندسة".

وتطال العقوبات كل من يبرم عقودا تتعلق بإعادة الإعمار في مناطق تسيطر عليها الحكومة السورية وحلفاؤها، على أن يشمل ذلك كل الجهات الدولية والإقليمية التي تتعاون مع "الأسد"، وأي من الأطراف والجهات الإقليمية والدولية الساعية للاستثمار أو العمل في سوريا.

وبموجب تلك البنود، يسعى "قانون قيصر" لحرمان نظام "الأسد" من أي فرصة للالتفاف على العقوبات الاقتصادية، ووقف الدعم المباشر وغير المباشر له، خاصة في قطاعات النفط والغاز الطبيعي، والطائرات، والبناء، والهندسة.

وينص القانون على مطالبة الإدارة الأمريكية بتحديد ما إذا كان "المصرف المركزي السوري" هو كيان من النوع الذي يشكل "مصدر قلق رئيسي بشأن غسيل الأموال".

ويجيز القانون "استخدام وسائل دبلوماسية واقتصادية لإجبار حكومة الأسد على وقف هجماتها الدموية التي تستهدف الشعب السوري ودعم حكومة انتقالية في سوريا تحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان والتعايش السلمي مع جيرانها".

وتستهدف المجموعة الأولى من العقوبات 39 شخصا أو كيانا، بمن فيهم الرئيس السوري نفسه وزوجته "أسماء الأخرس"، ورجل الأعمال "محمد حمشو"، وكتيبة "فاطميون" وقائد الفرقة الرابعة في الجيش السوري "غسان علي بلال" وغيرهم.

تهديد أمريكي

اللافت، وربما يكون تحولا نوعيا، هو صدور تحذير أمريكي شديد اللهجة لأبوظبي، من إمكانية استهدافها بعقوبات ردا على مساعيها لتوثيق علاقاتها مع "الأسد".

ووفق الممثل الأمريكي الخاص المعني بشؤون سوريا، "جيمس جيفري"، فإن واشنطن تعتبر إعادة فتح السفارة الإماراتية في دمشق، وزيارة وفد إماراتي إلى سوريا مؤخرا، فكرة سيئة، وخطوة غير مقبولة.

وهدد "جيفري"، الأسبوع الماضي، بأن "كل من يمارس نشاطا اقتصاديا يتطابق مع معايير القانون الخاص بالعقوبات، فإنه يجعل نفسه عرضة للاستهداف سواء في الإمارات أو في أي بلد آخر".

ويستند التهديد الأمريكي إلى جملة من المعطيات، تفيد بتسارع التطبيع بين أبوظبي ودمشق، وصولا إلى تحول الإمارات إلى بوابة دعم خليجي سخي لنظام "الأسد"، نكاية في تركيا.

ففي أبريل/نيسان الماضي، جرى الكشف عن تورط ولي عهد أبو ظبي "محمد بن زايد" في دعم "الأسد" لمواصلة شن هجماته على "إدلب"(شمالي البلاد) مقابل 3 مليارات دولار؛ في محاولة لاستنزاف الجيش التركي، بحسب موقع "ميدل إيست آي" البريطاني.

وتحت ذريعة تفشي فيروس "كورونا"، أجرى "بن زايد" أول اتصال علني لحاكم خليجي مع "الأسد" منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، معلنا "دعم الإمارات للشعب السوري الشقيق في هذه الظروف الاستثنائية"، مارس /آذار الماضي.

علاقات وثيقة

وتعد الإمارات من أولى الدول العربية التي أعادت فتح سفارتها في دمشق، ديسمبر/كانون الأول 2018، فضلا عن كونها تقود جهودا دبلوماسية مكثفة لتفعيل عضوية سوريا المعلقة في الجامعة العربية منذ أواخر عام 2011.

وفي نهاية عام 2018، زار وفد إماراتي اقتصادي، العاصمة السورية دمشق؛ لبحث إعادة تطبيع العلاقات مع النظام السوري، وبحث إقامة مشروعات استثمارية جديدة هناك.

وفي يناير/كانون الثاني 2019، تلقى اتحاد غرف التجارة السورية دعوة رسمية من غرفة تجارة وصناعة أبوظبي لزيارة العاصمة الإماراتية ضمن خطوات تعزيز العلاقات بين البلدين.

وفي أغسطس/آب من العام ذاته، شارك وفد تجاري إماراتي في الدورة 61 لمعرض دمشق الدولي، وضم الوفد، الأمين العام لاتحاد غرف التجارة الإماراتي "حميد محمد آل علي"، ورؤساء شركات "روتانا، وريبورتاج العقارية، وأرابتك القابضة، وهوريزن إنيرجي إل إل سي، ومجموعة الصايغ".

وقبل سنوات، تداولت وسائل إعلام عربية، وثيقة مسربة من إدارة المخابرات الجوية التابعة لنظام "الأسد" عن قيام الإمارات بتمويل التدخل الروسي في سوريا.

وهناك اتهامات دولية تدور حول تحول دبي إلى وجهة لاحتضان أموال عامة جرى اختلاسها في سوريا، ولعبها دور مركز غسيل الأموال لعائلة "الأسد"، بحسب مجلة "ديلي بيست" الأمريكية.

ولا يعرف رسميا حجم الأموال السورية المهربة للخارج، خاصة أن قسما كبيرا منها تم إيداعه في أجهزة مصرفية تخضع للسرية، لكن تقديرات غير رسمية تشير إلى أنها تتجاوز الـ120 مليار دولار.

وتقول المعارضة السورية أن شخصيات مقربة من "الأسد" وشقيقه "ماهر"، تستثمر في الإمارات مليارات الدولارات.

ومنحت الإمارات، في 2015، جنسيتها لـ"بشرى الأسد"، شقيقة رئيس النظام السوري (تقيم في دبي)، وكانت "أنيسة مخلوف"، والدة "الأسد"، قد توفيت في مدينة دبي، فبراير/شباط 2016.

نتائج وتداعيات

لا شك أن "قانون قيصر" سيحد من مساعي أبوظبي، المتواصلة منذ سنوات، للاستثمار في إعادة إعمار سوريا.

ووفق الباحث في وحدة "ذي إيكونوميست" للبحوث والمعلومات "إدوارد ديهنيرت"، فإن القانون سيعرقل عملية إعادة الإعمار، وسيخيف أرباب الاستثمارات الخارجية.

ويرى الباحث في مجموعة الأزمات الدولية "هيكو ويمان" أن القيام بأعمال تجارية مع سوريا "سيصبح أكثر صعوبة وخطورة، وبالتالي فإن احتمالات أن يُدخل أي شخص أموالاً للاستثمار أو لأعمال تجارية ستتراجع".

وقد تضطر أبوظبي والقاهرة، واللتين بدأتا في إعادة الاستثمار في سوريا، إلى التراجع ومراجعة حساباتهما، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية.

ومن المرجح أن تتحاشى أبوظبي الوقوع تحت طائلة "قانون قيصر"، خشية غضب واشنطن، لكنها قد تلجأ إلى العمل تحت ستار من خلال وسيط ثالث، لتفادي تكبد خسائر فادحة جراء وقف خططها لنيل حصة ثمينة من كعكة إعمار سوريا المقدرة بـ250 مليار دولار.

المصدر | الخليج الجديد