الثلاثاء 23 يونيو 2020 03:38 م

لماذا لجأت مصر إلى تدويل ملف "سد النهضة" الإثيوبي عبر بوابة مجلس الأمن؟، وما هي السيناريوهات المتوقعة لهذا المسار؟.. يتصدر هذان السؤالان اهتمامات المراقبين هذه الأيام بعدما أعلنت القاهرة فشل جولة المفاوضات الأخيرة مع أديس أبابا، في تكرار لنفس النتيجة التي وقعت مع جميع جولات التفاوض السابقة منذ عام 2011.

وتطمح مصر، باعتبارها دولة المصب لنهر النيل، إلى إثارة حالة اهتمام وقلق على المستوى الدولي، بعدما تمكنت من كسب تأييد الولايات المتحدة لموقفها في المفاوضات التي جرت في واشنطن في فبراير/شباط الماضي، وأسفرت عن اتفاق وقعت عليه مصر بالأحرف الأولى، فيما تراجعت إثيوبيا عن التوقيع عليه في النهاية.

وبالنظر إلى أن إثيوبيا راهنت منذ البداية على كسب الوقت والاستمرار في بناء السد من أجل فرض الأمر الواقع، فمن الواضح أن مصر لا تملك في جعبتها أي حلول مباشرة، ولذا لجأت إلى مجلس الأمن الدولي.

وأكدت أديس أبابا أنها ستبدأ المرحلة الأولى من بناء السد في يوليو/تموز المقبل، سواء جرى ذلك باتفاق مع مصر أو بدون اتفاق، بما يعني أن مفاوضات مصر وإثيوبيا وصلت لـ"مرحلة اللاعودة" ولم يكن أمام مصر الا رفع الملف لمجلس الأمن باعتباره صاحب الاختصاص الرئيسى للتعامل مع كل حالات التهديد للسلم والأمن الدوليين.

  • الإلزام بالتفاوض

تسعى مصر فيما يبدو من خلال إحالة قضية "سد النهضة" إلى مجلس الأمن إلى انتزاع إلزام دولي لأثيوبيا بالتفاوض حول ملف السد "حتى الوصول إلى اتفاق عادل" تحت مظلة مراقبة دولية.

ويستند خطاب مصر إلى مجلس الأمن إلى المادة 35 من ميثاق الأمم المتحدة التى تجيز للدول الأعضاء أن تنبه المجلس إلى أى أزمة من شأنها أن تهدد الأمن والسلم الدوليين.

وتنص الفقرة الثانية من المادة على أن "لكل عضو في الأمم المتحدة أن ينبه مجلس الأمن أو الجمعية العامة إلى أى نزاع يكون طرفا فيه، إذا كان يقبل مقدما التزامات الحل السلمى المنصوص عليها في الميثاق الأممي بخصوص هذا النزاع".

وخلال الفترة التي ينظر فيها المجلس القضية، فإنه يملك من الناحية القانونية أن يصدر توصيات عديدة؛ من بينها وقف إثيوبيا لملء "سد النهضة" مؤقتا، وهو ما تستهدف مصر الوصول إليه، قبل أن تبدأ إثيوبيا ملء خزانات السد بشكل أحادي.

  • التحكيم الدولي

وفي حال فشلت جهوض التفاوض الدولي بشكل نهائي، يمتلك مجلس الأمن كذلك سلطة إجراء التحقيق في أي نزاع أو موقف، حال التأكد من ما إذا كان النزاع قد تحول فعلا إلى تهديد حقيقى للسلم أو فى طريقه إلى إشعال مواجهة عسكرية، وهو ما يبدو منطبقا على حالة ملف "سد النهضة".

وحسب المادة 38 من ميثاق مجلس الأمن، فإن المجلس يستطيع أن يؤدي دورا توفيقيا وشبه تحكيمي حال طلب جميع المتنازعين بأن يقدم توصيات بقصد حل النزاع حل سلميا.

وهناك سابقة في ذلك خاصة بالنزاع البحري بين إنجلترا وألبانيا، عندما أوصى مجلس الأمن الدولتين بالذهاب إلى محكمة العدل الدولية بشأن قضية مضيق كورفو، وأصدرت المحكمة حكما شهيرا عام 1949 في هذا الشأن.

كما أصدرت المحكمة ذاتها حكمين شهيرين في مجال الأنهار الدولية؛ الأول بين المجر وسلوفاكيا في 1997، والثاني بين أوروغواي والأرجنتين في 2010.

لذا يرى أستاذ القانون الدولي، وعضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للقانون الدولي "مساعد عبدالعاطي" أن عودة مصر لمجلس الأمن مرة أخرى في صورة "الشكوى" تستهدف بالأساس "وضع مجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة أمام مسؤولياتهما القانونية والسياسية؛ للتصدي للتصرفات غير المسؤولة من الجانب الإثيوبي"، وفقا لما نقلته صحيفة "البيان" الإماراتية.

  • غطاء عسكري

وإذا ما صدر حكم دولي لصالح مصر (وهو ما تتوقعه القاهرة استنادا إلى تحسن موقفها الدولي بعد مفاوضات واشنطن إضافة إلى تقاربها مع السودان مؤخرا)، فمن شأن بقاء ملف "سد النهضة" بحوزة مجلس الأمن تزامنا مع قيام حكومتي مصر والسودان بسحب توقيعهما على إعلان المبادئ الذي تم توقيعه عام 2015 بين الدول الثلاث، والذي يعطي شرعية لبناء السد، أن يمكن الدولتين من مطالبة المجتمع الدولي بإصدار قرار بموجب "الفصل السابع"؛ بوقف ملء السد إلى حين التوصل إلى اتفاق، حسبما يرى الخبير في القانون الدولي، والعضو المستقيل من اللجنة الرسمية السودانية حول سد النهضة "أحمد المفتي".

وإذا كانت القرارات الصادر عن مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السادس تتمتع بـ"إلزامية أدبية"، فإن تلك التي تصدر عن المجلس بناءً على الفصل السابع ذات طبيعة إلزامية، وتمكن المجلس من اتخاذ "إجراءات رادعة"، بما ذلك استخدام القوة العسكرية.

وإذا ما لجأت مصر إلى استخدام القوة العسكرية ضد محاولات إثيوبيا ملء السد منفردة تحت مظلة "الفصل السابع" فإن تدخلها سيحظى بـ"الشرعية الدولية"، وهو آخر سيناريو يمكن للقاهرة اللجوء إليه، ويستبعده وزير الموارد المائية المصري اﻷسبق "محمد نصر الدين علام"؛ "لأنه سيكون مدمرا للجميع"، وفقا لما أورده موقع "عربي بوست".

وعليه فإن مصر تراهن في نزاعها حول "سد النهضة" على تعزيز موقفها الدولي بالأساس، بينما تراهن إثيوبيا على فرض الأمر الواقع على الأرض، وفيما تأمل مصر أن يغير اللجوء على مجلس الأمن موازين الصراع، فإن عامل الوقت يصب في صالح إثيوبيا، التي تبدو عازمة على بدء ملء السد دون اتفاق بعد أيام قليلة.

فهل يوقف تدويل القضية العد التنازلي الإثيوبي؟.. موقف مجلس الأمن خلال الأيام القليلة المقبلة يحمل الإجابة.

المصدر | الخليج الجديد