الاثنين 29 يونيو 2020 07:57 ص

لبنان بين السفيرة الأمريكية و«قاضي الأمور المستعجلة»!

القرار يسمح للسفيرة الأمريكية وخصوم «حزب الله»، بتأكيد ما ينفيه ويستنكره وهو أن «حزب الله يسيطر على الدولة اللبنانية».

استقلال القضاء وقوّته بمواجهة المؤسستين التنفيذية والتشريعية يوقف تغوّل السلطات واستفرادها بالمواطنين والشخصيات المعنوية.

فرض القاضي عقوبة 200 ألف دولار على أي وسيلة إعلام تخالف قراره ولم يجد حرجا في استخدام عملة بلاد السفيرة نفسها التي صدر القرار ضدها لأنها «لا يحق لها التطرق لشأن لبناني داخلي».

*     *     *

أصدر محمد مازح، قاضي الأمور المستعجلة في مدينة صور اللبنانية، أمس الأحد قرارا بـ«منع أي وسيلة إعلامية لبنانية أو أجنبية تعمل على الأراضي اللبنانية، سواء كانت مرئية أم مسموعة أم مكتوبة أم إلكترونية، من إجراء أي مقابلة مع السفيرة الأمريكية دوروثي شيا أو إجراء أي حديث معها لمدة سنة».

وذلك بعد إدلاء السفيرة المذكورة بتصريح أكدت فيه أن الدولة اللبنانية باتت «تحت سيطرة حزب الله» الذي يمنع الحلّ الاقتصادي، وأن حسن نصر الله، الأمين العام للحزب، «يهدد استقرار لبنان».

يحفل الخبر والأشخاص المعنيون به وكذلك الظروف التي حصل فيها بمجموعة من المفارقات الغريبة.

من هذه الأمور، صفة «الأمور المستعجلة» للقرار القضائي، وهو ما يفترض أن هذا القرار جاء للردّ السريع على حدث فريد لم يسبق حدوثه وهو اتهام «حزب الله» بالسيطرة على الدولة اللبنانية وبأنه «يهدد الاستقرار»!

وهو بالتالي يفترض أن إصدار قرار قضائي لبناني بمنع وسائل الإعلام، اللبنانية والأجنبية، من أخذ تصريحات السفيرة سيخدم الدولة اللبنانية أو «حزب الله» ويوقف «تهديد الاستقرار».

ليس غريباً أن يتخذ قاض في دولة عربية، حتى لو كانت لبنان المشهور بحرياته الإعلامية، قرارا يتعلّق بالتضييق على إحدى الحريات العامّة، وأن يهدد الجهات الإعلامية بالعقاب.

لكن الغريب أن يتجاوز القرار الجهات السياسية اللبنانية المعنيّة بالتعامل مع السفيرة والردّ عليها بالطريقة التي تناسبها، على ما هو جار بين الدول عبر قرون.

يسجل القرار بذلك سابقة تاريخية تتناقض، كما أشارت وسائل الإعلام اللبنانية نفسها، مع اتفاقية دولية بهذا الخصوص (اتفاقية فيينا)، وأنه يلغي حصانة دبلوماسية، ويتجاهل الاختصاص المكاني الخ.

أغرب ما في هذا القرار أنه يسمح للسفيرة الأمريكية، وخصوم «حزب الله»، بتأكيد ما يريد نفيه واستنكاره، وهو أن «حزب الله يسيطر على الدولة اللبنانية»، وهو ما استغله مناهضو الحزب بسرعة.

كما فعل النائب السابق فارس سعيد حين قال إن منع وسائل الإعلام اللبنانية من نقل أنشطة السفيرة الأمريكية «يؤكد أننا أمام قضاء خاضع لنظام الأمن اللبناني والإيراني».

فيما سخر ريشار قيومجيان، السفير السابق معتبرا ما حصل «إنجازا قضائيا وديبلوماسيا عظيما سينقذ لبنان اقتصاديا وماليا ويفتح الباب أمام المساعدات».

إحدى أكبر مزايا النظم الديمقراطية، أن استقلال القضاء وقوّته في مواجهة المؤسستين التنفيذية والتشريعية، يسمح بوقف تغوّل السلطات واستفرادها بالمواطنين والشخصيات المعنوية.

وقد تابعنا مرارا كيف استطاع قضاة أمريكيون من منع أو تأجيل قرار تنفيذي جائر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما تابعنا كيف حاول مجلس النواب إقالته، وكيف يقوم نواب كونغرس كإلهان عمر ورشيدة طليب وألكساندريا كورتيز بتحدّيه علنا.

وخلال هذه الصراعات نجح ترامب في تمرير بعض قراراته عبر المحكمة العليا أو الكونغرس، لكنّه لم ينجح في أي محاولة لمنع وسيلة إعلامية من انتقاده، أو منع دار نشر من طبع كتاب ضده، وبالتالي فإن لا جهة سياسيّة، بمن فيها الرئيس، تمكنت من منع حرية التعبير، المحميّة بالدستور.

إحدى غرائب القرار، الذي أصدره القاضي في يوم عطلة رسمية للدولة، أن مازح فرض عقوبة 200 ألف دولار، على وسيلة الإعلام اللبنانية أو الأجنبية التي ستخالف قراره!

وهو بذلك لم يجد حرجا في عدم استخدامه عملة بلاده، بل عملة بلاد السفيرة نفسها التي صدر القرار ضدها لأنها «لا يحق لها التطرق إلى شأن لبناني داخلي».

المصدر | القدس العربي