الأحد 5 يوليو 2020 04:36 م

يمكن لـ(إسرائيل) أن تبدأ قريبا في ضم بعض أجزاء الضفة الغربية، ولكن بغض النظر عن تعهد رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" بتطبيق القانون الإسرائيلي من جانب واحد على الأجزاء التي سيضمها من الضفة، فإن هناك شيئًا ضخمًا آخر يغفله الجميع؛ هو أن "نتنياهو" في طريقه لضمان استحالة قيام دولة فلسطينية حقيقية قائمة على حدود يونيو/حزيران 1967 مع عاصمة في القدس الشرقية.

وبغض النظر عما يحدث في مسألة الضم، سيكون ذلك هو إرثه، ومن المحتمل أن يكون إرثًا لا رجعة فيه.

حيل "نتنياهو" السياسية

يبدو القادة داخل وخارج الشرق الأوسط وكأنهم يتوسلون لـ"نتنياهو" لإظهار ضبط النفس، فيما تحول النقاش في (إسرائيل) في الأسابيع الأخيرة من الجدل حول فكرة الضم ذاتها، إلى النقاش حول مقدار ما سيتم ضمه، ما يؤكد أن اللعبة الآن أصبحت تُلعب بشروط "نتنياهو" أكثر فأكثر.

يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي المحاكمة بتهمة الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، جنبا إلى جنب مع صعوبة مراس شركائه في الائتلاف اليميني الجامح؛ وتصاعد تفشي "كورونا" مجددًا؛ والركود اقتصادي ومعضلة إيران المستمرة.

ولكن إذا وضع "نتنياهو" نصب عينيه البقاء في السلطة وإغلاق الباب نهائيا أمام قيام دولة فلسطينية حقيقية، فسوف يفوز، مع قدر كبير من الزخم أيضًا.

ذات يوم، يمكن أن تنفذ حيل "نتنياهو"، ولكنه حتى الآن يستحق شهرته بالحيل السياسية، فعندما لم يتمكن من الحصول على الأغلبية بعد 3 انتخابات في غضون عام واحد، أبرم صفقة ائتلافية مع منافسه "بيني جانتس"، بشكل لم يؤد فقط إلى إعادة تأهيل "نتنياهو" وحزبه "الليكود" (الحركة السياسية المتماسكة الوحيدة في (إسرائيل) اليوم)، ولكنه أجبر "جانتس" على تدمير تحالف يسار الوسط.

وإذا حدث التناوب المتفق عليه في رئاسة الوزراء، وآل المنصب لـ"جانتس" (من المقرر أن يتولى منصبه في نوفمبر/تشرين الثاني 2021)، فسيحتفظ "نتنياهو" بالأغلبية في الكنيست، تاركًا لـ"جانتس" عددًا قليلًا من المقاعد وصورة السياسي الذي عقد صفقة مع الشيطان وخان ​​أنصاره.

واليوم، يصبح "جانتس" أكثر فأكثر أشبه بمنتمٍ يمينيّ قديم لـ"الليكود"، ففي الأسبوع الماضي، بدا أنه يدعم خطة ضم "نتنياهو"، وقال للصحفيين إنه إذا رفض الفلسطينيون المفاوضات إلى الأبد، فإن الإسرائيليين سوف يمضون قدما بدونهم.

وليس لدى "نتنياهو" مطلق الحرية عندما يتعلق الأمر بالضم، ولكن بموجب شروط اتفاقية الائتلاف، فإنه سيتمكن من تقديم خطته لمناقشتها من قبل مجلس الوزراء والحكومة خلال شهر يوليو/تموز الحالي.

وسواء حدث الضم الآن أم لم يحدث، فسوف يكون بإمكان نتنياهو" الاعتماد على الدعم الشعبي القوي للحفاظ على غور الأردن والكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية إلى الأبد.

وفي الوقت الحالي، لا يوجد ضغط جاد على "نتنياهو" للتنازل عن أي شيء، وبالعكس، فإنه يحظى بضوء أخضر للسيطرة على المزيد.

حلم يتحقق

كان الفلسطينيون أنفسهم أفضل حلفاء "نتنياهو" في جهوده لإخماد التطلعات الوطنية الفلسطينية، حيث تبدو الحركة الوطنية الفلسطينية منقسمة وعاجزة وبلا هدف، وقد خلقت حركتا "فتح" و"حماس" المتصارعتان نسختين من كل شيء؛ دويلات، وأجهزة أمنية، ودساتير، ورعاة.

أما الرئيس الفلسطيني المحاصر "محمود عباس"، فهو عالق بين القبول بالاحتلال الراهن، وبين قبول خطة "ترامب" للسلام التي تقدم في أفضل الأحوال دولة عاجزة، وبين الدعوة إلى المقاومة وتفكيك السلطة الفلسطينية.

ويزداد ازدراء الرأي العام الفلسطيني والعربي لقيادة "عباس"، وهم يرون تهديداته بقطع جميع العلاقات مع (إسرائيل) - بما في ذلك التعاون الأمني ​- فارغة، ويرجع ذلك إلى اعتماد السلطة الفلسطينية على (إسرائيل) في كل شيء، بدئًا من تصاريح السفر، إلى الماء والكهرباء والعلاج الطبي.

ورغم ذلك من غير المرجح أن تلجأ السلطة الفلسطينية إلى تبني الخيار المسلح لأن ذلك سيصبح بمثابة شهادة جدارة لرهانات "حماس"، وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن هناك انتفاضة عفوية وشيكة الحدوث، وفي وقت سابق من هذا الشهر، حشدت "فتح" الآلاف في شوارع أريحا للاحتجاج على الضم، أما في رام الله، فقد كافحت من أجل إقناع 200 شخص بالمشاركة.

وكان "عباس" دوما مفتاح أحلام "نتنياهو"؛ حيث كان دائمًا على استعداد للتعاون مع (إسرائيل) في مجال الأمن وتجنب الخيارات العنيفة ولم يمارس حتى دبلوماسية حقيقية، وهكذا شارك بشكل كبير في تعزيز حملة "نتنياهو" لإغلاق الباب أمام إقامة دولة فلسطينية ذات معنى.

بدورها، ترى إدارة "ترامب" أن "عباس" يعد تجسيدًا لكل أخطاء الفلسطينيين، ما يساعد على تحرير "نتنياهو" من الضغط الأمريكي الجاد.

ولكن ليس بإمكان الرئيس الفلسطيني فعل الكثير لتحسين موقف السلطة الفلسطينية، فقد حثه البعض على طرح خطته الخاصة للسلام، ولكنه عالق بين خيار الاستسلام والمقترحات التي لن يقبلها "نتنياهو" و"جانتس" والشعب الإسرائيلي أبدًا، مثل العودة إلى حدود يونيو/حزيران 1967 مع مبادلة الأراضي وجعل القدس الشرقية عاصمة للفلسطينيين.

الدعم الخليجي

في الوقت نفسه، حصلت طموحات "نتنياهو" على دعم إضافي من الدول العربية، خاصة في الخليج، وحتى في الوقت الذي واصل فيه بناء المستوطنات وأحبط التطلعات الفلسطينية، ازدهرت علاقات حكومته مع السعودية والإمارات والبحرين.

هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن هذا الانفراج مع دول الخليج العربية سيستمر؛ مثل قلق السعودية والإمارات من الصعود الإيراني، والإحباط العربي تجاه قضية فلسطين، وهناك أيضًا الرغبة القوية لدى دول الخليج في الحفاظ على علاقات وثيقة مع إدارة "ترامب" التي تشارك (إسرائيل) وجهة نظرها المعادية لإيران.

كل هذه العوامل ساعدت في مواءمة المصالح الإسرائيلية والعربية، ما أدى إلى بوادر ود علنية مثل زيارات الرياضيين الإسرائيليين والدبلوماسيين ورجال الأعمال إلى الخليج بالإضافة إلى زيادة التعاون الأمني والاستخباراتي في السر.

ولكن في الأسابيع الأخيرة، سلطت مسألة الضم الضوء على كل من الوعود والقيود المفروضة على هذه العلاقات الجديدة.

ففي وقت سابق من هذا الشهر، نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية مقالاً غير مسبوق لسفير الإمارات لدى الولايات المتحدة "يوسف العتيبة"، بالإضافة إلى مقطع فيديو خاطب فيه الجمهور الإسرائيلي مباشرة، محذرًا من تدهور العلاقات إذا تابعت (إسرائيل) خطط الضم.

وبعد فترة وجيزة، وجه "نواف عبيد"، المستشار السياسي السعودي السابق المرتبط بالعائلة المالكة، نداء مشابها على صفحات صحيفة "هآرتس" العبرية.

وبعد أيام، أعرب "أنور قرقاش"، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، عن معارضته للضم، في فيديو موجز لـ"اللجنة اليهودية الأمريكية"، لكنه أوضح أن الخلافات السياسية يجب ألا تمنع التعاون مع (إسرائيل) في الشؤون الإقليمية.

ومن الواضح أنه بينما يدرس "نتنياهو" مسألة الضم، فإنه سيبحث عن طرق للحفاظ على مكاسبه الرائعة مع دول الخليج.

وبالنظر إلى الفوائد التي تجنيها هذه الدول من تحسن علاقتها مع (إسرائيل)، فإنها تبحث عن طرق للقيام بالأمر ذاته.

الشريك الأهم

كانت الولايات المتحدة أهم شريك مكن "نتنياهو" من التقدم في الضم، وعلى الرغم من أن إدارة "ترامب" أرسلت مؤخرًا إشارات متضاربة بشأن المسألة، لكن الرئيس الأمريكي وفريقه قد فعلوا الكثير لدعم جهود "نتنياهو" البطيئة لقتل الدولة الفلسطينية.

وقد قامت إدارة "ترامب" بإعادة صياغة سياسة الولايات المتحدة بشأن حل الدولتين، بشكل يجعلها تتماشى مع رغبات "نتنياهو"، وهي: دولة فلسطينية عاجزة على مساحات متقطعة الضفة الغربية، مع عاصمة رمزية في إحدى ضواحي القدس الشرقية، وهي دولة مشروطة بمجموعة من القيود التعجيزية التي سيحتاج الفلسطينيون إلى الوفاء بها، لدرجة أن سفير "ترامب" في (إسرائيل) قال مازحا إنهم سيحتاجون إلى أن يصبحوا دولة ديمقراطية مثل كندا للوفاء بالشروط.

صحيح أن تأييد الولايات المتحدة لدولة فلسطينية يعرض "نتنياهو" لغضب اليمين، لكن الامتيازات الكثيرة التي منحتها إدارة "ترامب" له؛ من إعلان القدس عاصمة لـ(إسرائيل) وفتح سفارة الولايات المتحدة هناك إلى إعلان مرتفعات الجولان أراضٍ إسرائيلية ذات سيادة، إلى فتح الباب لضم غور الأردن وأجزاء كبيرة من الضفة الغربية في خطة السلام، أعطته ميزة استثنائية.

ولم تسمح هذه الخطوات لـ(إسرائيل) فقط بتوسيع أراضيها بشكل مطرد؛ وإنما ضمنت عدم مجيء الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات المزعجة لـ"نتنياهو".

موت حل الدولتين

في ضوء ذلك، يمكن للمرء أن يتساءل لماذا يخاطر "نتنياهو" بتعريض كل هذه المكاسب للخطر من أجل توسيع القانون الإسرائيلي ليشمل الأراضي التي تسيطر عليها البلاد بالفعل ولا يضغط أحد من أجل عودتها؟

ولماذا يثير غضب الفلسطينيين، وغضب الدول العربية (خاصة الأردن)، ويهدد بصداع محتمل مع الأوروبيين، وبداية غير ودية مع الإدارة الأمريكية التي قد تكون مختلفة بعد الانتخابات القادمة؟

لقد ساعد طرح فكرة الضم قبل الانتخابات الثلاثة الأخيرة "نتنياهو" في بناء قاعدته، ولكن كيف يساعده ذلك الآن؟

ربما يكمن الجواب في الإرث الذي يأمل أن يتركه "نتنياهو" وراءه، حيث إن تطبيق القانون الإسرائيلي على جزء كبير من الضفة الغربية سيعني النهاية التي لا رجعة فيها لمشروع الدولة الفلسطينية، ما يجعله رئيس الوزراء الذي لم يدفن فقط حل الدولتين ولكنه ضم أراضي الضفة الغربية أيضا.

ففي عام 2014، أصدر الكنيست قانونًا أساسيًا يطالب بأغلبية كبرى تصل إلى 80 عضوًا من أصل 120 عضوًا لتمرير أي تشريع يبيح التنازل عن الأراضي التي يشملها القانون الإسرائيلي.

وبعبارة أخرى، سيكون من المستحيل تقريبًا على الكنيست تمرير إجراء تنازل عن الأراضي التي تم تطبيق القانون الإسرائيلي عليها بالفعل.

من المستحيل معرفة ما سيفعله "نتنياهو"، ولكن بغض النظر عما يحدث في الأيام والأسابيع المقبلة، فإن فرص الوصول إلى صيغة لحل الدولتين مقبولة من كلا الطرفين تتضاءل حتى العدم تقريبًا.

ولا يعد "نتنياهو" هو المهندس الوحيد لهذا الوضع القاتم، حيث ساهمت 3 عقود من غياب القادة الأقوياء على الجانبين، مع الشك العميق المتبادل وعدم الثقة؛ إضافة إلى الصعوبة البالغة للقضايا نفسها (بما في ذلك القدس وقضايا اللاجئين والمستوطنات الإسرائيلية)؛ وعدم فعالية الوساطة الأمريكية؛ في منع وصول الأطراف إلى أرضية مشتركة.

وبعد أن بذل قصارى جهده لقتل حل الدولتين على مدار العقد الماضي، ينتظر "نتنياهو" الآن مع مجرفة في يده ليدفنه إلى الأبد.

المصدر | آرون دايفيد ميلر | فورين أفيرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد