الخميس 9 يوليو 2020 02:30 م

من المنطقي أن نعتبر الصراعات الدائرة في كل من سوريا وليبيا الآن مجرد تجلٍ صراع واحد أكبر بين تركيا وروسيا. فبعد أن تكبدت تركيا خسائر على يد جيش النظام السوري المدعوم من موسكو، دحرت حكومة الوفاق الليبية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة قوات الجنرال "خليفة حفتر" وأبعدتها عن العاصمة طرابلس بدعم من تركيا، في الوقت الذي تتجه فيه موسكو إلى تجنيد المرتزقة السوريين للقتال في ليبيا إلى جانب "حفتر"، بعد أن نجحت في تأمين نظام "الأسد" في سوريا.

بعبارة أخرى، فإن مسارات الحرب في سوريا وليبيا اليوم تبدو أكثر ارتياطا بالتنافس الأكبر بين أنقرة وموسكو. ومن الجدير بالذكر أن نؤكد أن هذا التنافس قد يكون مؤشرا على الكيفية التي ستتطور بها المنافسات الجيوسياسية في الشرق الأوسط في المستقبل، مع تراجع الهيمنة الأمريكية.

صراع بالوكالة

من المنطقي الاعتقاد بأن المستقبل السياسي لسوريا وليبيا لن يتقرر في دمشق أو طرابلس. وعلى الرغم من أن النزاعات في سوريا وليبيا تختلف في نواح كثيرة، لاسيما فيما يتعلق بمستوى وطبيعة التدخل الأجنبي، إلا أنها أصبحت تشترك في سمة مشتركة واحدة هي الصراع بالوكالة بين تركيا وروسيا، حيث يدعم كل جانب مجموعة مختلفة من الوكلاء المحليين.

ففي سوريا؛ تدعم تركيا مجموعات المعارضة المسلحة، بينما يدعم الروس حكومة "بشار الأسد"، أما في ليبيا، فيبدو الوضع معكوسا حيث تعتبر تركيا مؤيدًا قويًا لحكومة الوفاق المعترف بها من قبل الأمم المتحدة في طرابلس، في حين أن روسيا هي أهم المؤيدين للجنرال "خليفة حفتر".

في السابق، جعلت المسافة الجغرافية بين سوريا وليبيا ومحدودية قدرات كل الدولتين، جعلت أي نوع من الارتباط المستمر بين الصراعين مستحيلاً، باستثناء الدعم المعنوي المتبادل بين مختلف الأحزاب والفصائل، والمبني بالأساس على موقف كل منها من ثورات الربيع العربي.

بعبارة أخرى، كان من المنطقي أن نفترض منذ البداية أن "بشار الأسد" متعاطف بشدة مع "حفتر" في مواجهة الحكومة الشرعية التي يشارك فيها الإسلاميين والفصائل الثورية، والعكس بالعكس.

لكن يبدو أن الأمور اليوم لم تعد مقتصرة على التضامن، فقد تبلورت مجموعة جديدة من الائتلافات الإقليمية التي هضمت الحدود الفاصلة بين النزاعين الليبي والسوري.

صراعات مترابطة

على سبيل المثال، يُعتقد أن تركيا نقلت مقاتلين سوريين لدعم حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا في طرابلس في مواجهة هجوم "حفتر"، وعلى الجهة المقابلة، لعب المرتزقة الروس دورًا حاسمًا في هجوم "حفتر" على طرابلس، وكثير منهم خدموا بلا شك في سوريا أيضًا إلى جانب "الأسد"، ويمثل هذا التدفق البشري أقوى دليل على الترابط بين الصراعين.

ولا تعد القناعات الإيديولوجية هي التي تدفع تدفق المقاتلين من مكان إلى آخر، ولكن مقتضيات السياسة البراجماتية التي لا ترحم، حيث يقوم الرعاة الإقليميون اليوم بتكييف الالتزامات العسكرية عبر الحدود استجابةً لتغير التوازنات في ساحات المعارك.

بالطبع هناك لاعبون آخرون في كل صراع، حيث أنفقت مصر والإمارات موارد كثيرة في ليبيا لدعم "حفتر"، حتى إنّ مصر اقترحت مبادرة سلام خاصة بها لليبيا. وفي سوريا، أدى الدعم الإيراني إلى إنعاش نظام "الأسد" بنفس القدر الذي ساهمت به إيران، إن لم يكن أكثر.

لكن معظم هؤلاء اللاعبين لا يمتلكون نفس الوزن الذي تتمتع به روسيا أو تركيا، حيث تحظى أنقرة وموسكو برأسمال سياسي كبير لدى جميع الأطراف، لذا فإنهما فلا غنى عنهما في أي عملية دبلوماسية جادة، وهما تسعيان وراء غايات براجماتية، وليس توجهات أيديولوحية.

في ضوء ذلك، لا يمكن لأي من أبوظبي أو القاهرة أن تكون منافسا لتركيا، بعكس إيران التي يمكن أن ستكون منافسًا شرسا، لكن مشكلتها أنها تفتقر إلى الشرعية الدولية نفسها التي تتمتع بها تركيا وروسيا، وهذا يضع تركيا وروسيا في مكانة خاصة.

ربما يفسر ذلك حالة الاحترام المتبادل بين البلدين على الرغم من الخلافات بينهما، وهو ما يمكنهما دوما من تجاوز أي منعطفات خطيرة في العلاقات، كما حدث حين قامت تركيا بإسقاط طائرة روسية في الأجواء السورية عام 2015.

ويشير اتجاه تركيا لشراء أنظمة الصواريخ الروسية "إس - 400"، على الرغم من عضويتها الطويلة في حلف شمال الأطلسي والاعتراضات الأمريكية، إلى عمق العلاقة الاستراتيجية التي أقامها البلدان، حتى وهما يدعمان فصائل متنافسة في دول ثالثة.

ويبدو أن العلاقة الثنائية المباشرة بين تركيا وروسيا تتبع منطقًا مختلفًا عن سائر العلاقات بين منافسيهم الإقليميين لأنها تحدث في سياق استراتيجي مختلف تمامًا؛ حيث ينظر كلا البلدين في المقام الأول إلى مصالحهما الإقليمية، دون اعتبار كبير للولايات المتحدة.

شرق أوسط جديد

ومع استمرار تراجع الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، تدخل المنطقة في عملية إعادة ترتيب موسعة، وفيما يبدو، فإن التأثيرات الهيكلية للتراجع الأمريكي قد بدأت في الظهور بالفعل.

ويعد شيوع الصراعات بالوكالة بين القوى الإقليمية في مقدمة هذه التأثيرات، وهي صراعات ستواصل انتهاك الحدود السيادية الاسمية للدول الضعيفة والهشة.

ولكن الميزة الأساسية لهذه الصراعات أنها ستكون صراعات جيوسياسية وليست أيديولوجية، حيث لا يزال الشرق الأوسط يتأثر بشكل غير معتاد بالقوى الكبرى، ولا يتوقع أن يتغير هذا في المستقبل القريب.

لكن ما يتغير بالفعل هو حجم تأثير هذه القوى ومستوى المنافسة التي يولده؛ ففي عام 1991، لم تستطع روسيا أو تركيا، أو أي دولة أخرى بسط نفوذها في الشرق الأوسط، في ظل هيمنة أمريكية مطلقة.

أما اليوم، صارت مؤتمرات السلام حول سوريا تُعقد في سوتشي أو أستانة دون أي مشاركة أمريكية تُذكر، وهكذا، لا يزال النفوذ يتم فرضه من الخارج من الخارج، لكن مصدره وتأثيره صارا مختلفين.

ويعد ما يحدث في سوريا وليبيا هو أول تجليات هذا الصراع الإقليمي الجديد الذي لم تتح له فرصة للظهور إلا في أعقاب التراجع الأمريكي.

وعلى الرغم من وجود العديد من المنافسات الإقليمية الرئيسية الأخرى، إلا أن المنافسة بين تركيا وروسيا تبدو جديرة بالانتباه بشكل خاص، لأنها لا تبالي بالولايات المتحدة ولا تتأثر بها، وبالتالي فهي الأكثر دلالة على ما يمكن أن يحمله المستقبل.

المصدر | مايكل ماكال/ كلية لندن للاقتصاد - ترجمة وتحرير الخليج الجديد