كيف باتت فرنسا في موقع الرهان على الحصان الخاسر في صراع النفوذ الذي تخوضه ضد تركيا بمنطقة شرقي المتوسط؟ ولماذا؟ يحتل هذان السؤالان اهتماما بارزا في أروقة مراكز البحوث الغربية حاليا، بعدما بدت باريس مؤخرا وكأنها معزولة أمام الغريم التركي في عرض البحر، في مواجهة كادت أن تتحول لاحتكاك عسكري مباشر بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

فالحلف بدا مائلا إلى إسناد الموقف التركي رغم رواية باريس حول إيقاف الفرقاطة الفرنسية "كوربيه"، التي تعمل ضمن مهمة للناتو، لسفينة شحن تحمل العلم التنزاني متجهة إلى ليبيا، للاشتباه في حملها أسلحة محظورة إلى هذا البلد، وفق معلومات استخباراتية، واعتراض البحرية التركية لمنعها من ذلك.

ولما طلبت باريس تدخل "الناتو" في اجتماع لوزراء دفاعه، أعلن الأمين العام للحلف "ينس ستولتنبرج" في البداية أن الأمر مجرد "خلاف بين الحلفاء" قبل أن يعلن فتح تحقيق "لتسليط الضوء على ما حدث"، ختمت نتائجه بالسرية، ولم تحظ، على ما يبدو، برضا باريس، لتعلن انسحابها من مهمة الناتو في المتوسط.

وإزاء ذلك، فإن عديد المحللين يرون أن فرنسا، التي طالما اعتبرت البحر المتوسط ضمن مجالها الحيوي، تخسر رهان النفوذ في ليبيا، كنتيجة مباشرة لما اتسمت به سياستها من "اندفاع" و"أحادية".

فدعم باريس لـ"خليفة حفتر"، الذي يحاول الانقلاب على شرعية حكومة الوفاق المعترف بها دوليا منذ عام 2014، كان بمثابة اندفاع غير مدروس بعناية، جعل موقفها الدولي ضعيفا، خاصة بعدما توالت هزائم قوات الجنرال الليبي غربي البلاد خلال الأسابيع الماضية، حسبما يرى "دومنيك موزي"، المستشار في معهد منوتيني في صحيفة "ليزيكو" الفرنسية.

ويشير "موزي" في السياق، إلى أن باريس فضلت دوما العمل بمفردها، دون استشارة شركائها الأوروبيين بالملف الليبي، وهو ما أضعف موقفها اليوم بشكل كبير، إلى حد تبني التزام الحكومة الألمانية موقفا محايدا في النزاع.

وفي المقابل، بدت إيطاليا مثلا أقرب إلى أوروبا في موقفها من الأزمة، في ظل حرص روما على التنسيق مع بروكسل والنأي عن الانخراط في دعم عسكري مباشر لـ"حفتر" ومعسكره، وفقا لما نقلته صحيفة "فرانكفورته روندشاو" الألمانية عن المحلل السياسي "شتيفان بريندله".

ولذا تسببت هزائم "حفتر" بتوتر واضح في باريس (..) خاصة في ظل معاناة الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" لضغوط سياسية داخلية بعد هزيمة حزبه في الانتخابات المحلية.

كما أن دخول روسيا على خط الأزمة أضعف من حماسة الناتو لإسناد الموقف الفرنسي في ظل مخاوف الولايات المتحدة من أي نفوذ عسكري لموسكو على الساحل الجنوبي للمتوسط.

من هنا كان تجديد "ماكرون" انتقاده للناتو، في زيارته الأخيرة لتونس، ووصفه بأنه في حالة "موت دماغي"، بما ينطوي على اتهام ضمني لواشنطن بالتخلي عن دورها القيادي في الحلف.

وجاءت قضية التجسس الفرنسي الأخيرة في تركيا لتزيد من موقف باريس ضعفا، إذ توجه "متين أزدمير"، موظف الأمن السابق بالقنصلية الفرنسية في إسطنبول، للشرطة ليعترف بأنه جمع معلومات لصالح المخابرات الخارجية الفرنسية، لتعتقل الشرطة التركية 4 مواطنين بتهمة التعاطي لأنشطة تجسس لصالح الاستخبارات الفرنسية، وفقا لما أوردته صحيفة "صباح".

وحسب الصحيفة التركية، فإن "أوزدمير" نقل معلومات إلى الفرنسيين بشأن 120 شخصية، من بينهم أئمة مساجد، مقابل راتب شهري ووَعْد بالانضمام إلى الفيلق الأجنبي بالجيش الفرنس، وكلف بجمع معلومات عن "جمعيات محافظة"، وهيئة "ديانت" أعلى سلطة دينية في تركيا التي تشرف على الشؤون الإسلامية.

ولذا يرى "دانييل شتاينفورت"، في تحليل نشره بصحيفة "نويه تسورشر تسايتونج" الصادرة في سويسرا، أن الخيارات محدودة أمام باريس إزاء أنقرة، فخيار العقوبات الاقتصادية مشكوك في فعاليته، خاصة أنه سيضر أيضا بالشركات الأوروبية، لاسيما الألمانية منها، وأن الحوار في الوقت الراهن هو أفضل الخيارات لتدارك حساب الخسارة التي جنتها فرنسا من اندفاعها وأحاديتها.

المصدر | الخليج الجديد + DW