السبت 25 يوليو 2020 08:56 ص

بدت الاحتجاجات الكبيرة أمام مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" في القدس، مساء الثلاثاء، كمهرجان يتضمن طبول وحشود من المتجمعين يرقصون في الشوارع حول ساحة باريس؛ حيث يتناوب المتحدثون بشكل عفوي على منصة مؤقتة للحديث.

وقبل أن تنتهي الفعالية في حوالي الساعة الواحدة من صباح الأربعاء، تحول التجمع إلى مناوشات شرسة بين المتظاهرين والشرطة؛ ما أدى إلى إغلاق كل من طريق القدس الرئيسي وحركة السكك الحديدية الخفيفة لفترة طويلة. وتقدمت مجموعات من الشرطة على ظهور الخيل، بينما استخدمت مجموعات أخرى أيضا مدافع المياه في محاولة لتفريق المتظاهرين، الذين تم اعتقال العشرات منهم.

فاجأت مقاومة المحتجين الحازمة واستعدادهم لمواجهة الشرطة، الكثيرين. وقال بعض المعلقين إنه كانت هناك بالفعل مظاهرتان مختلفتان: احتجاج "حسن السلوك" ضد الفساد، تبعه أعمال شغب راديكالية يسارية فوضوية "اختطفت" الاحتجاج الأصلي.

نعم، كان الجزء الأول من الاحتجاج أكثر هدوءا،  لكن الأعمى فقط هو الذي يفشل في رؤية شدة الغضب التي كانت موجودة منذ البداية في تلك الساحة التي تواجه مقر إقامة "نتنياهو".

باعتباري متظاهرا يساريا مخضرما في القدس، لا يمكنني أن أتذكر أنني شاهدت تنوعا مماثلا للمتظاهرين في المدينة: الشباب وكبار السن، العلمانيين والمتدينين، وحتى الأرثوذكس المتطرفين. وفي الوقت الذي يجعل الخوف من "كورونا" الناس يفكرون مرتين في الانضمام إلى التجمعات الجماهيرية، فقد استجاب كبار السن وغيرهم من المجموعات المعرضة للخطر، وكلهم يقفون بالقرب من بعضهم البعض.

انضم الشباب إلى المتظاهرين الأكبر سنا الذين تجمعوا هناك في البداية، لكنهم كانوا أشبه بذراعهم القوي للمقاومة؛ حيث انخرطوا في وقت لاحق في اشتباكات مع قوات الشرطة.

لم يكن هناك فلسطينيون في هذه المظاهرة، باستثناء شاب صعد إلى المنصة وتحدث عن الفصل العنصري والاحتلال. في اليوم التالي، عندما تحدثت مع صديقة فلسطينية حول الموضوع، قالت: "هذا ليس احتجاجنا".

يشعر الإسرائيليون بالظلم من النظام الحالي ويعتقدون أن عليهم العمل من أجل استبداله بنظام يوفر العدالة للجميع. والسؤال الرئيسي الآن هو حول طبيعة التغيير الذي تسعى له حركة الاحتجاج الحالية هل هي تغييرات تجميلية أو تغييرات أكثر جذرية. أعتقد أنها أكثر جذرية.

  • فساد الدولة

وقعت أحدث مظاهرة في القدس بعد 9 سنوات من الاحتجاجات الاجتماعية الجماهيرية عام 2011. في ذلك الصيف، نزلت جحافل من الشباب ونصبت الخيام على طول طريق "روتشيلد" في وسط مدينة تل أبيب للاحتجاج على تردي الأوضاع الاقتصادية، ولا سيما ارتفاع تكلفة المعيشة والسكن بشكل لا يمكن تحمله.

يمكن أن تثير خيبة الأمل التي أعقبت موجة الاحتجاج تلك الشكوك حول أفق هذه الجولة الحالية، لكن هناك اختلافات حاسمة؛ فعلى سبيل المثال وعلى عكس احتجاجات 2011 تعد الاضطرابات الحالية أوسع بكثير من حيث قاعدتها الداعمة ورسالتها.

أيضا لم يعد الأمر يتعلق فقط بـ"نتنياهو". نعم، لا تزال المطالبات باستقالته هدفا محوريا، لكن الجنرال "بيني جانتس"، الذي كان يُنظر إليه على أنه بديل أكثر استقامة لـ"نتنياهو"، انضم إلى حكومة الأخير الفاسدة.

من الواضح أن المزيد من الإسرائيليين باتوا يفهمون الآن أن المشكلة ليست "نتنياهو" نفسه، بل شيء أعمق وأكثر تعفنا. وفي ظل هذا الأمر، أعتقد أن هناك إمكانات كبيرة لحدوث تحولات جذرية.

  • لا تبريرات

بعد الاشتباكات العنيفة التي وقعت الثلاثاء الماضي مع الشرطة والاعتقالات التي جرت، حاولت وسائل الإعلام اليمينية والسياسيون اليمينيون تأطير الاحتجاج على أنه أعمال شغب يسارية فوضوية. وللتدليل على ذلك، أشاروا إلى أن بعض المعتقلين في تلك الليلة مثلتهم محامية حقوق الإنسان البارزة "ليا تسيمل"، التي غالبا ما تدافع عن حقوق الفلسطينيين في (إسرائيل).

وكان من بين المتحدثين المدعوين في المظاهرة الأخيرة عضو يهودي صريح في القائمة العربية المشتركة، وهو "عوفر كاسيف"، الذي تحدث على خشبة المسرح حول العلاقة بين الفساد السياسي والفساد الأخلاقي للاحتلال.  لم تكن كلمات "كاسيف" مفاجئة للمستمعين، بل صفقوا له بحماس.

وخلال الاحتجاجات الأخيرة رأيت لافتات تطالب بالعدالة لـ"إياد الحلاق"، الذي قُتل منذ وقت ليس ببعيد في القدس الشرقية المحتلة.

وبشكل عام، تمكن منظمو المظاهرة الأخيرة من الاستفادة من عنف الشرطة الذي وقع عليهم لجلب المزيد من الناس إلى الاحتجاج. وقد تضمنت مجموعات الشباب المعتقلين عددا كبيرا من النشطاء اليساريين المعروفين.

ومن الجدير بالذكر  أن الذين تم اعتقالهم لدى الشرطة لم يكونوا في مظاهرة مناهضة للاحتلال في "بلعين"، لكن في احتجاج ضد الفساد في قلب القدس الغربية.

تستفيد حركة الاحتجاج ضد الفساد من خبرتها الكبيرة في مواجهة السلطات. لقد استعرضو أجندتهم اليسارية على المنصة أمام حشد متنوع في شارع "بلفور".

  • الاستفادة القصوى

مقارنة بمظاهرات الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر، كانت استجابة الشرطة لمتظاهري شارع بلفور لطيفة للغاية.

فقد قام بعض رجال الشرطة بمحاولات تفريق الحشود، لكنهم لم يطلقوا النار سواء الذخيرة الحية أو الرصاصات المطاطية. لقد صوبوا خراطيم المياه، لكنها كانت مجرد مياه، وليست مياه المجاري التي يستخدمونها ضد الفلسطينيين. كما تم الإفراج عن معظم المعتقلين في غضون ساعات قليلة.

ومما لا شك فيه أن أي مظاهرة فلسطينية كانت ستنتهي بشكل مختلف تماما. وهذه إشارة على التمييز الإسرائيلي.

إن السؤال المطروح فيما يتعلق بهذا الاحتجاج بسيط للغاية: هل يعد إسقاط "نتنياهو" بسبب اتهامات بالفساد هو الهدف السياسي أم لا؟ الجواب نعم هو الهدف. ليس فقط لأن المجتمع الذي يثور على الفساد هو مجتمع أكثر صحة، لكن أيضا لأن كل تغيير تقريبا يسعى اليسار اليهودي من أجله لابد أن يبدأ بإزالة "نتنياهو" من السلطة.

إن الطريقة التي عزز بها "نتنياهو" حكمه، وتحديدا الهوية التي أنشأها بينه وبين الدولة، ومحاولاته المستمرة لتحريض مجموعات مختلفة ضد بعضها البعض هي أمور خطيرة للغاية؛ مما يجعل إبعاده مهمة ضرورية لتحقيق أي تغيير. لقد نشأت الآن لحظة مثيرة للاهتمام قام فيها النظام نفسه بتحويل أولئك الذين يعتبرون "مصلحين" إلى منشقين سياسيين.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا الآن هو هل سيكون اليسار الإسرائيلي، حكيما بما فيه الكفاية للاستفادة من تطورات الأحداث للمضي قدما نحو التغيير الجذري الذي يحاول تحقيقه.

المصدر | أورلي نوي/ ميدل ايست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد