الثلاثاء 4 أغسطس 2020 12:55 م

اهتزت إيران بعشرات الانفجارات والحرائق الغامضة التي اجتاحت البلاد على مدى الأسابيع القليلة الماضية، وأصابت العديد من المواقع بما في ذلك في المنشآت النووية، ما أثار تساؤلات حول من المسؤول عن هذه الهجمات بين خصوم إيران، سواء كانت (إسرائيل) أو السعودية أو الولايات المتحدة.

وكانت بعض هذه الأحداث عشوائية، لكنها كانت مدمرة على ما يبدو، حيث كشفت أن إيران وأعداءها يستخدمون جميع التقنيات والأدوات الممكنة لتقويض قدرات بعضهم البعض.

ويظهر التبادل العلني النادر للهجمات الإلكترونية على الأهداف المدنية بين (إسرائيل) وإيران أن طهران تعزز أيضا قدرتها على استخدام أسلحتها السيبرانية لتعزيز إرادتها الجيوسياسية.

وعلى مدى العقد الماضي، تطورت القدرات السيبرانية الإيرانية بشكل كبير، حيث استثمرت الدولة باستمرار في التقنيات الجديدة لضرب المنافسين حول العالم والرد على الهجمات السيبرانية المعادية.

ومنذ هجوم "ستوكسنت" المدمر على المنشآت النووية الإيرانية عام 2010، الذي نُسب منذ ذلك الحين إلى الولايات المتحدة و(إسرائيل)، كان لدى إيران دافع قوي للاستثمار في التقنيات السيبرانية.

قدرات متطورة

وعلى هذا النحو، جعلت طهران تطوير قدراتها السيبرانية أولوية قصوى، وبالرغم من اعتبارها متخلفة عن روسيا والصين و(إسرائيل) والولايات المتحدة في هذا الصدد، من المرجح أن تستمر أسلحتها السيبرانية في اكتساب المزيد من القدرات.

ومن هجوم "شمعون" الأولي على "أرامكو" السعودية عام 2012، إلى حملة التجسس السيبراني المستمرة ضد الولايات المتحدة و(إسرائيل)، فإن النشاط السيبراني الإيراني لا يبدو جديدا جدا، ومع ذلك، فإنه قد يدخل مرحلة من التطور المتجدد.

وفي أواخر أبريل/نيسان من هذا العام، استهدفت إيران منشأة توزيع مياه إسرائيلية بهجوم إلكتروني يهدف إلى زيادة نسبة الكلور في إمدادات المياه إلى مستويات خطيرة.

وتم اعتراض الهجوم في وقت مبكر، ما أدى إلى الحد الأدنى من الأضرار على المدى الطويل، ولكن بعد بضعة أسابيع في 9 مايو/أيار، ردت (إسرائيل) بهجوم إلكتروني استهدف ميناء الشهيد رجائي الإيراني بالقرب من مضيق هرمز.

وبحسب ما ورد، أدى الهجوم إلى تعطيل الطرق والمجاري المائية لعدة أيام، ويشير هذا التبادل الأخير للهجمات إلى دخول عصر جديد من الهجمات السيبرانية؛ حيث كانت الهجمات أكثر علانية من العمليات السرية السابقة، ناهيك عن تجاوزها "الخط الأحمر" الضمني الذي يحظر استهداف البنية التحتية المدنية، وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تشير تلك الهجمات المتبادلة إلى وجود خطط أقوى للردع السيبراني لدى الطرفين.

بيروقراطية منظمة

ويرجع تقدم إيران في عالم الإنترنت إلى حد كبير إلى بنيتها البيروقراطية المنظمة بشكل متزايد، وتحت قيادة المرشد الأعلى "خامنئي"، أصبحت الحكومات الإيرانية أكثر تشددا، بينما استمرت في إغلاق الأبواب أمام المعتدلين والمحافظين والإصلاحيين، بما في ذلك في الفضاء الإلكتروني.

وفي عام 2013، أنشأ المرشد الأعلى "علي خامنئي" المجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني، الذي يتألف من كبار المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين، لتنسيق سياسات الإنترنت والإشراف على تنفيذها.

ووفقا لـ"فريدوم هاوس"، تم تشكيل المجلس عن عمد ليكون تحت سيطرة المرشد الأعلى دون دور يذكر للأفرع التنفيذية والتشريعية والقضائية التقليدية.

ويضم المجلس في تشكيله مسؤولين من فيلق الحرس الثوري والباسيج ومنظمة الدفاع السلبي الإيرانية، وجميعهم يساهمون في بناء إيران كقوة إلكترونية عدوانية.

وينفذ الحرس الثوري الإيراني هجمات إلكترونية، بينما يدير الباسيج، الذي يعمل تحت قيادة الحرس الثوري الإيراني، آلاف المتطوعين عبر الإنترنت.

وتسمح هذه السلسلة القيادية المغلقة لـ"خامنئي" والصقور من المسؤولين العسكريين الإيرانيين بالسيطرة الكاملة على جهاز الحرب السيبرانية الإيراني، والتحكم في كيفية توظيفه استخدامه.

تصعيد المواجهة

ومع تركيز الأعداء الإقليميين والدوليين على مواجهة إيران، تواجه جهود الهيمنة الإيرانية ضغوطا غير مسبوقة.

على وجه التحديد، تواجه إيران ضغوطا اقتصادية وسياسية هائلة من قبل الولايات المتحدة. ولطالما ضربت العقوبات الصارمة الاقتصاد الإيراني، ودعا تقرير صدر مؤخرا عن الجمهوريين في الكونجرس إلى زيادة العقوبات، ودعمهم الرئيس "ترامب" بصوت عالٍ.

وتأثر نفوذ طهران في العراق ببسبب تزايد السخط الشعبي تجاه النفوذ الإيراني في البلاد. وبخلاف التنافس الإيراني طويل الأمد مع الرياض وأبوظبي، تشتعل المنافسة الإيرانية الإسرائيلية في الفضاء السيبراني على وجه الخصوص.

وتوفر القائمة الطويلة من الأعداء الأقوياء حافزا كبيرا لإيران لتوسيع هيمنتها، خاصة على المستوى العسكري.

وبينما يضيق حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة الخناق على قدرة طهران على توسيع قدراتها العسكرية التقليدية، فإن الهجمات الإلكترونية توفر وسيلة حاسمة لدفع الأعمال العدوانية الإيرانية إلى الأمام، ويمكن أن تكون أداة قوية لتعزيز مصالح إيران الجيوسياسية.

عهد جديد

ويمثل التبادل السيبراني الإيراني الإسرائيلي تحولا ملحوظا في المنافسة السيبرانية؛ حيث استهدفت الدولتان البنية التحتية المدنية، التي تجنباها في الماضي.

ومع ذلك، بالرغم من أن الهجمات على مرفق توزيع المياه والميناء أثرت على المدنيين، فإن العواقب كانت غير مدمرة، وأسفرت عن مضايقات كبيرة ولكنها لم تتسبب في خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وما ميّز هذه الهجمات أيضا أن (إسرائيل) بدت كأنها سربت معلومات حول هجومها المضاد. وعادة ما يكون من الصعب تتبع الهجمات السيبرانية من الخارج، لأن المهاجم والضحية غالبا ما يكونان متحمسين للهدوء بهدف إخفاء القدرات ونقاط الضعف.

وبالرغم من نفي إيران لتورطها في الهجوم على (إسرائيل)، تم الحديث عن دورها على نطاق واسع. وتشير حقيقة أن هذه الهجمات كانت أكثر علنية واستهدفت منشآت مدنية لأول مرة إلى أن الصراع السيبراني لديه القدرة على التطور ولعب دور أكبر في عالم المنافسة الجيوسياسية، حيث تلعب هذه الضربات دورا أكثر رمزية في إبراز القوة بدلا من التركيز على إحداث أضرار حقيقية جسيمة.

ونتيجة لذلك، ربما يدشن التبادل السيبراني الأخير عهدا جديدا تصبح فيه الهجمات الإلكترونية أقل تكلفة، وأكثر تقدما من الناحية التقنية.

انتقام أم ردع؟

وبالنظر إلى المتغيرات المتعددة التي تشمل القدرات التكنولوجية المتزايدة لإيران، والضغوط التي تواجهها بسبب القيود الاقتصادية الصارمة الناتجة عن العقوبات الأمريكية، والمنافسة الإقليمية من (إسرائيل) والسعودية، تقدم الهجمات الإلكترونية التكتيكية فيما يبدو طريقة واضحة لإيران لإظهار قوتها.

ومع ذلك، يواجه الإيرانيون خطر إثارة انتقام سيبراني أشد من قبل (إسرائيل)، التي تحتفظ ببعض أكثر الأسلحة السيبرانية تعقيدا.

وسوف يؤدي التصعيد بلا شك إلى زيادة الهجمات الانتقامية بين الطرفين، وتوسع بنك الأهداف الخاصة بها، ما ينذر بتدشين حقبة جديدة من المواجهات الجيوسياسية التي تدور رحاها عبر الإنترنت.

المصدر | منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد