الثلاثاء 4 أغسطس 2020 11:46 ص

تتجه أزمة المعلمين في الأردن، نحو التصعيد، وسط حملة اعتقالات طالت 51 معلما، من بينهم قيادات مجلس النقابة، في خطوة من المتوقع أن تؤجج الأوضاع في البلد العربي المنهك اقتصاديا.

ومع قرب بداية العام الدراسي في سبتمبر/أيلول المقبل، قد تتصاعد الأمور، مع دخول أطراف خليجية على خط الأزمة، باتجاه تسييس المواجهة بين النقابة الأكبر في البلاد(تضم نحو 140 ألف معلم)، والحكومة الأردنية.

وتشهد عدة محافظات أردنية، مظاهرات شارك فيها معلمون ومواطنون، طالبوا الحكومة بالتراجع عن قراراتها بوقف عمل النقابة لمدة عامين، والإفراج الفوري عن معتقلي النقابة، وإسقاط التهم الموجهة إليهم.

بدايات الأزمة

الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى أكثر من عام، جراء إضراب نظمته النقابة، استمر لمدة شهر؛ للمطالبة بعلاوات مالية.

ومع بداية العام الجاري، نفذت الحكومة الأردنية تعهداتها بمنح المعلمين علاوات مالية كل حسب خدمته وتقارير عمله وإنجازه، لكنها سرعان ما أوقفت ذلك، بدعوى التقشف لمواجهة تفشي فيروس "كورونا" منتصف مارس/آذار الماضي.

في المقابل اعتبرت نقابة المعلمين قرارات الحكومة نقضا للاتفاق الموقع بينهما، وهددت بالدخول في إضراب جديد ومقاطعة الانتخابات النيابية حال عدم استعادة العلاوات.

وفي ما يبدو محاولة من الحكومة لتكسير عظام أكبر النقابات المهنية في البلاد، قررت السلطات وقف نقابة المعلمين عن العمل، وكف يد أعضاء مجلس النقابة، وأعضاء الهيئة المركزية وهيئات الفروع وإداراتها، وإغلاق مقراتها لمدة سنتين.

ومنحت الحكومة الأردنية، خطوتها غطاء قانونيا، بموجب قرار للنائب العام الأردني، صدر في 25 يوليو/تموز، نص على "كف يد أعضاء مجلس نقابة المعلمين وأعضاء الهيئة المركزية، وهيئات الفروع وإداراتها، ووقف النقابة عن العمل وإغلاق مقراتها لمدة سنتين".

تصعيد حكومي

ولم تتوقف الحكومة عند ذلك الحد، بل سارعت إلى تأجيج الموقف، باقتحام قوات الأمن مقر النقابة في العاصمة عمان، والقبض على القائم بأعمال نقيب المعلمين "ناصر النواصرة" وأعضاء مجلس النقابة.

ويعتبر "النواصرة" من رموز حراك المعلمين، لكن خلفيته السياسية كرمز إخواني، تجعل لتلك التطورات بعدا آخر، يتعلق برغبة الحكومة في تقليم أظفار الجماعة بدعوى سيطرتها على النقابة.

لكن المعلمين يرون أن الأزمة أكبر من "الإخوان" وأن رواتبهم هي الأقل بين رواتب موظفي الدولة، حيث يبدأ الراتب بـ360 دينارا، وبعد الزيادات والعلاوات لا يزيد بأي حال من الأحوال، عن 450 دينارا (634 دولارا).

ويوليو/تموز الماضي، طرح مراقب عام الجماعة "عبدالحميد الذنيبات"، مبادرة عاجلة، للإفراج عن أعضاء نقابة المعلمين الموقوفين، والعودة عن الإجراءات المتعلقة بحل النقابة، ووقف التصعيد بكل أشكاله من كل الأطراف.

وقال "ذنيبات"، إن "المطلوب معالجة حكيمة وعاقلة وعاجلة، تخرجنا من أجواء الأزمة، وتقطع الطريق على مزيد من التوتر والتأزيم الذي لا يخدم سوى مصالح خصوم الأردن، الذين يتربصون به الدوائر، ويتصيدون له العثرات"، مبديا استعداد الجماعة لدعم أي جهد رسمي أو شعبي، يستهدف تفكيك الأزمة.

لكن المتحدث باسم الحكومة الأردنية "أمجد العضايلة"، يقول إن "نقابة المعلمين الموقوف أعمالها نفذت وتلوح مجددا بتنفيذ وقفات احتجاجية وإضرابات واعتصامات تضر بمرافق الدولة الحيوية واستدامتها وتتجاوز أوامر قانون الدفاع".

تحريض إماراتي

اللافت أن وسائل إعلام محسوبة على الإمارات، تحتفي بقرار غلق النقابة، وتعتبره خطوة لتقليم أظفار إخوان الأردن.

وقبل صدور القرار، روجت صحف ومواقع إلكترونية قريبة من أبوظبي، لقرار حل النقابة، ما اعتبر تسريبا للقرار، الذي يطابق هوى الإمارات في التنكيل بجماعة "الإخوان المسلمون"، في مختلف البلدان العربية (مصر وتونس نموذجان).

والشهر الماضي، نقلت صحيفة "إندبندنت العربية"(مقربة من الإمارات)، عن مصادر (لم تسمها)، أن قرار الحكومة حل نقابة المعلمين سيكون استكمالاً لحملة بدأتها السلطات؛ لتقليم أظفار جماعة "الإخوان"، عبر قرار قضائي صدر عن محكمة التمييز (أعلى سلطة قضائية) يعتبر الجماعة "منحلة وغير قانونية".

ومنتصف الشهر الماضي، قضت محكمة التمييز، بحلّ جماعة "الإخوان المسلمون" التي تشكل مع ذراعها السياسية، حزب جبهة العمل الإسلامي، المعارضة الرئيسية في البلاد، وذلك بدعوى "عدم قيامها بتصويب أوضاعها القانونية".

وتقول الجماعة إنها حصلت على الترخيص في عهدي الملك "عبدالله الأول" عام 1946، والملك "حسين بن طلال" عام 1953، وتتهم السلطات بمحاولة شق صفها منذ منح الحكومة في مارس/آذار 2015 ترخيصا لـ"جمعية الإخوان المسلمين".

وتوقعت المصادر، إجراءات قد تطال نقابات أخرى يسيطر عليها التيار الإسلامي، مضيفة أن "خصوصية العلاقة بين الدولة الأردنية والإخوان انتهت على ما يبدو".

ودائما ما تربط فضائية "سكاي نيوز عربية" (مقرها أبوظبي)، تغطيتها لتطورات المعلمين الأردنيين، بـ"الفساد والخطاب التحريضي الإخواني".

دور الملك

يقول ناشطون أردنيون، عبر مواقع التواصل، إن ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، حرض العاهل الأردني، الملك "عبد الله الثاني"، على اتخاذ إجراءات ضد نقابة المعلمين الأردنية، خلال زيارة الثاني لأبوظبي، الشهر الماضي.

وتعزز الزيارة المشار إليها، بعد أيام من حل جماعة "الإخوان المسلمون"، والتزامن مع الاحتفاء الإماراتي بإغلاق النقابة، التكهنات بدور مؤثر لأبوظبي وراء ذلك؛ في محاولة لإضعاف الاسلاميين في البلاد.

يشار إلى أنه عقب الزيارة بيومين، جرى إعلان حالة الطوارئ في الأجهزة الأمنية، وفي اليوم التالي تم إغلاق كافة مقرات نقابة المعلمين في كل أنحاء الأردن، واعتقال مجلس النقابة المنتخب بكامل أعضائه.

ويؤكد توالي الإشارات أن ملف المعلمين الأردنيين لم يعد نقابيا فقط، بل جرى تسييسه، ما يصعب معه استبعاد دور الإمارات في تأجيج الأزمة، واستغلال وضع الأردن المتأزم اقتصاديا، وحاجته لدعم سخي، في إملاء مطالب أبوظبي على عمان.

ويعزز صحة ذلك، غياب رئيس الوزراء الأردني "عمر الرزاز" عن المشهد، مع إرساله رسائل خفية تفيد بأنه ليس صاحب القرار بالتصعيد هذه المرة، وأن الأزمة أكبر منه، في إشارة إلى الملك ذاته.

كذلك لا يمكن اعتبار تلك التجاذبات بمعزل عن  سباق الانتخابات النيابية قريبا، ومعركة حل الجماعة، والسياق الذي يحكم المنطقة باتجاه تكسير عظام "الإخوان"، أو توجيه ضربة لهم، مقابل مكاسب متوقعة من حلفاء خليجيين.

المصدر | الخليج الجديد