الاثنين 28 سبتمبر 2020 03:56 م

تختلف المواجهة الحالية بين الحكومة الأردنية، وجماعة "الإخوان المسلمون" عن الأزمات السابقة، فلم يعد المد والجزر التقليدي الذي ميز العلاقات لعقود من الزمن ساريًا؛ حيث تغيرت قواعد اللعبة.

بدأت العلاقات تتحول بشكل جذري بعد اندلاع الربيع العربي في عام 2011 حيث انضم "الإخوان المسلمون" إلى الحركة الشعبية، وشاركوا في المظاهرات والمسيرات، ورفضوا المشاركة في لجنة الحوار الوطني التي أنشأتها الحكومة لمناقشة الإصلاحات.

وبدلاً من ذلك، قدم "الإخوان" مجموعة من الإصلاحات التي اعتبرها النظام محاولة "انقلاب ناعم"، بهدف الحد من السلطات السياسية للملك.

ولم يشارك "الإخوان المسلمون" في الانتخابات البرلمانية عام 2012، ما عزز فجوة الثقة بين الجماعة والملك، وأدى إلى تصاعد التوترات.

وتماشياً مع التغيرات الإقليمية، تطورت طموحات "الإخوان" من توسيع دور الجماعة إلى الحفاظ على الذات بعد أن أطاح الجيش المصري بالرئيس "محمد مرسي" في يوليو/تموز 2013 وبدأت حرب إقليمية ضد الجماعة.

وصنف حلفاء الأردن، بما في ذلك السعودية والإمارات والبحرين ، جماعة "الإخوان المسلمون" على أنها منظمة "إرهابية".

في غضون ذلك، تغير مسار الثورة السورية بشكل جذري مع التدخل الإيراني، وخلال هذه المرحلة، لم يتبق سوى الدوحة وأنقرة في صف الإسلاميين بالمنطقة.

وقد استضافت تركيا قادة "الإخوان المسلمون" والإسلاميين المصريين الذين فروا من البلاد بعد أن تولى الجنرال "عبدالفتاح السيسي" الحكم عبر الانقلاب العسكري.

كما تراجعت الإدارة الأمريكية السابقة عن التقارب المؤقت مع "الإخوان"، وتبدد الزخم الدولي والإقليمي لمساعي الجماعة لتعزيز دورها السياسي.

ودفع حلفاء الأردن النظام إلى اتخاذ إجراءات مماثلة لتجريم الجماعة وتصنيفها على أنها منظمة إرهابية، وطردها من الساحة السياسية.

لم تتخذ الحكومة الأردنية سابقًا خطوات جذرية فيما يتعلق بـ"الإخوان"، لكن نتائج الربيع العربي خاصة بعد 2013 أتاحت لها الفرصة للقيام بذلك.

وبدا أن النظام اعتبر ما حدث خلال الربيع العربي خيانة، أو "مؤامرة" من الإخوان للإطاحة بالحكومة بالرغم من حقيقة أن "الإخوان" لم يدعوا إلى "سقوط النظام"، بل إلى إصلاحات كبيرة.

عاد "الإخوان المسلمون" للمشاركة في الانتخابات البرلمانية عام 2016، وكذلك انتخابات المجالس البلدية والمحلية، وفازت كتلة "الإخوان" في النهاية بـ15 مقعدا، ما يمثل عودة إلى الساحة السياسية بعد مقاطعة استمرت 4 سنوات.

لكن هذه العودة لم يكن لها تأثير على علاقة "الإخوان" بالحكومة التي حاولت استغلال الانقسامات داخل الجماعة، فقد دعمت الدولة فرعًا جديدًا أسسه المراقب العام السابق "عبدالمجيد الذنيبات"​​، وأطلق عليه اسم "جمعية الإخوان المسلمين"، وتتألف الجمعية الجديدة من قيادات تاريخية لـ"الإخوان".

بعد ذلك جاءت احتجاجات 2018، التي أتت برئيس الوزراء "عمر الرزاز" إلى السلطة، ولاحقًا إضراب المعلمين في سبتمبر/أيلول 2019، وهي القشة التي قصمت ظهر البعير فيما يتعلق بعلاقة الدولة بـ"الإخوان".

بعد وفاة نقيب المعلمين في حادث سيارة، تولى عضو جماعة "الإخوان المسلمون"، "ناصر النواصرة"، الدور، وأشرف على أطول إضراب للمعلمين وربما أضخم إضراب في تاريخ المملكة، توصلت الحكومة في النهاية إلى اتفاق مع المعلمين استجاب لمطالبهم المالية والمهنية.

لكن الأزمة تجددت مع تفشي جائحة فيروس "كورونا" في الأردن، حيث أعلنت الحكومة تعليق مكافآت العاملين في القطاع العام الذي يشمل المعلمين.

ولفتت وسائل الإعلام الحكومية إلى وجود علاقة واضحة بين نقابة المعلمين و"الإخوان المسلمون"، مدعية أن جماعة "الإخوان" تستخدم النقابة لخدمة أهدافها الخاصة في مواجهة النظام وهو ادعاء نفاه "الإخوان".

وأصر المراقب العام لجماعة "الإخوان" في خطاب على أنها قضية مهنية وعمالية لنقابة المعلمين، وأنه بينما كانت جماعة "الإخوان" تسعى لتبني مبادرة إصلاحية لحل المشكلة، فإنها لم تكن طرفًا في الأزمة.

تم الإفراج عن قادة نقابة المعلمين في 23 أغسطس/آب الماضي بعد شهر من الاعتقال، لكن الأزمة بين النقابة والحكومة الأردنية مستمرة، وبالمثل، فإن التوترات بين النظام و"الإخوان" لا تزال دون حل، ومن المرجح أن تستمر العقيدة التي تحكم الدولة حاليًا، وسيحتاج "الإخوان" إلى التكيف والتغيير.

ولا يزال هناك انقسام داخل جماعة "الإخوان" بين من يرون أن الاسم ضروري لثقله التاريخي والرمزي والعاطفي، وبين أولئك الذين يعتقدون أن الاسم ليس مقدسًا، لأن الهدف هو مجرد أن تكون مدرسة "الإخوان" الفكرية والثقافية مرجعية للحزب وأعضائه، دون اشتراط الالتزام بالاسم الحرفي والشعارات التاريخية.

فعلى سبيل المثال، خاضت جبهة العمل الإسلامي الانتخابات البرلمانية عام 2016 دون رفع شعار "الإسلام هو الحل" الذي استخدمته الجماعة تاريخياً في الانتخابات منذ عام 1989.

ولا يبدو أن فكرة تحويل الجماعة إلى حزب سياسي مرفوضة من قبل تيار واسع داخل "الإخوان" اليوم، لكن هناك مخاوف بشأن الحاجة إلى حوار ذي صلة وتوافق بين الدولة والتنظيم والحزب، حيث إن التحول نحو العمل الحزبي عملية معقدة وطويلة.

أطلق بعض القادة على هذه العملية اسم "الممر الآمن"، ما يعني أنها يجب أن تكون تدريجية، ويجب إعطاء الجماعة الوقت لمتابعة الانتقال.

من ناحية أخرى، قد تدفع السياسات الرسمية (من التعايش الودي في الستينات والسبعينات إلى الانقلاب ضد الجماعة في التسعينات وما بعدها) "الإخوان المسلمون" للمضي قدمًا بدرجة أكبر من البراجماتية، من خلال تحرير تجربة الحزب السياسية من الهيمنة التاريخية للجماعة.

ويمكن أن تساعد مثل هذه الخطوة في إنهاء الجمود المستمر منذ عقود بين جناحين في "الإخوان" هما التيار التقليدي الذي يخشى التغيير، والتيار الواقعي والبراجماتي الذي يرى التجارب التونسية والمغربية والتركية كأمثلة على كيفية تطوير السياسة والخطاب والسلوك العملي للجماعة والحزب.

المصدر | محمد أبو رمان | ميدل إيست آي- ترجمة وتحرير الخليج الجديد