الجمعة 7 أغسطس 2020 01:05 م

قبل 3 عقود، في 2 أغسطس / آب 1990، احتل الرئيس العراقي الراحل "صدام حسين" دولة الكويت الصغيرة المجاورة له، وأدى هذا الغزو إلى انقسام العالم العربي، ولكنه أثر بشكل خاص على مجلس التعاون الخليجي.

أثناء الغزو، لعب أمير الكويت الحالي، الذي كان آنذاك وزير الخارجية، دورًا رئيسيًا في الجهود الدبلوماسية لدول مجلس التعاون الخليجي والدول الأخرى المشاركة في "عاصفة الصحراء"، والتي استطاعت تحرير الكويت في فبراير/ شباط 1991.

في الوقت الحالي، أصبحت صحة الأمير وقضية الشخص الذي سيخلفه موضوعًا مثيرًا للقلق، ليس فقط عند الكويتيين ولكن للدول الخليجية الأخرى أيضًا.

يتمتع الأمير بين أقرانه بسمعة دبلوماسية، وقد تعامل مع العديد من الأحداث التي غيرت مصير منطقة الخليج والعالم العربي، وهذا يشمل الثورة الإيرانية، والحرب الإيرانية العراقية، والهجمات الإرهابية على الكويت، وأحداث 11 سبتمبر / أيلول، والربيع العربي، فضلا عن الغزو الكارثي للكويت.

دبلوماسية ماهرة في منطقة مضطربة

لا شك أن الأمير كان من أفضل المُوازنين لسياسة الخليج، وكذلك رجل الدولة الأكثر خبرة في العالم العربي، وفي ظل كونه قائدًا للكويت منذ عام 2006، أثبتت السياسة الخارجية للبلاد قدرتها على موازنة القوى الإقليمية الطموحة المعاكسة.

ففي وقت اشتد فيه عدم الاستقرار الجيوسياسي والاشتباكات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، تولت الكويت دور الوساطة ونزع فتيل التوترات في مختلف النزاعات.

بعد 3 عقود من غزو "صدام حسين" للكويت، سعت قيادة البلاد إلى منع أي سيناريو يؤدي إلى تحول الكويت إلى عدو لأي حكومة في الشرق الأوسط.

حافظ الشيخ "صباح" على شراكة بلاده الوثيقة مع الولايات المتحدة، وهي الشراكة التي تولدت بفعل غزو الكويت، ولكن مع ازدياد الاستقطاب العالمي، حرص أمير الكويت أيضًا على تعزيز علاقات بلاده مع الصين وفرنسا والهند وروسيا والمملكة المتحدة، فيما بدا أنه تحوط للسياسة الخارجية الكويتية في الوقت الذي تراجع فيه نفوذ واشنطن في جميع أنحاء المنطقة.

وفي الوقت الذي تمضي فيه الصين قدما في "مبادرة الحزام والطريق" الخاصة بها، والتي تسعى إلى وضعها في مركز التجارة الدولية في القرن الـ 21، فإن الكويت مصممة على الاستفادة من موقعها الاستراتيجي بين آسيا وأوروبا.

يمكن أن تسمح قدرات الموانئ الكويتية والبنية التحتية اللوجستية لها بلعب دور متزايد الأهمية في مشاريع الصين الطموحة الخاصة بمبادرة "الحزام والطريق".

دخلت الكويت في شراكة مع بكين لتطوير واحد من أكبر المشاريع العملاقة في العالم؛ والذي يتمثل في مدينة الحرير.

ونظرًا لأن روسيا أصبحت وسيطًا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل متنامي، فقد استفادت الكويت في الوقت نفسه من علاقاتها الدافئة تاريخياً مع موسكو لتنويع شراكتها بشكل أكبر بما يتجاوز أصدقاءها المقربين في الغرب.

وبالرغم من كون الكويت عضوًا مؤسسًا في مجلس التعاون الخليجي، وهي منظمة تم إنشاؤها كرد فعل على الثورة الإسلامية الإيرانية، إلا أن الكويت تعاملت بشكل براجماتي مع طهران.

وفي ظل وضع الكويت كجارة للجمهورية الإسلامية وكدولة عربية بها أقلية شيعية كبيرة وذات تأثير (حوالي ثلث السكان)، فقد سعت إلى تجنب العداء مع إيران.

وعلى عكس بعض دول الخليج الأخرى، حاولت الكويت استيعاب مخاوف طهران دون إثارة مخاوف سعودية قد تدفع الرياض ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى إلى الاعتقاد بأن الكويت تخلت عن حلفائها في الخليج.

ومع كون الكويت دولة صغيرة على حدود الدول الثلاث الأقوى في منطقة الخليج (العراق وإيران والسعودية)، فقد لعبت دائمًا لعبة توازن دقيقة بينهم.

في السنوات الأخيرة، اتخذت الكويت والعراق خطوات للتغلب على التوترات في العلاقات الثنائية المستمرة منذ عام 1991.

وفي ظل الضغط الناجم عن سياسة حافة الهاوية بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك الحصار السعودي والإماراتي لقطر، بدأت مدينة الكويت وبغداد في إعادة بناء علاقتهما.

يقدم العراق عمقًا استراتيجيًا أكبر بالنسبة للكويتيين الذين لا يشعرون بالارتياح تجاه محور الرياض وأبوظبي، أما من وجهة نظر بغداد، فإن الكويت مستثمر واعد يمكن أن يساعد في إعادة بناء العراق الذي مزقته الحرب.

الحفاظ على علاقات الجوار

بعد أن بدأت دول مجلس التعاون الخليجي الثلاث -البحرين والسعودية والإمارات- ومصر حصار قطر في عام 2017، قاد أمير الكويت جهود الوساطة لإنهاء الأزمة التي أدت إلى استقطاب المنطقة.

كان الإنجاز الرئيسي الذي حققه الأمير هو إيقاف عملية عسكرية محتملة ضد قطر على يد الدول الخليجية المجاورة، وهي تجربة مريرة عانت منها الكويت في التسعينيات.

ويواصل الشيخ "صباح" قيادة جهود الوساطة لدفع قطر ودول الحصار نحو المصالحة، بدعم من المجتمع الدولي.

ومع استمرار تدويل نزاع دول مجلس التعاون الخليجي، أصبح لدور تركيا في منطقة الخليج والشرق الأوسط الأوسع صلة بشكل متزايد بالتوترات الداخلية في دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة فيما يتعلق بأجندة السياسة الخارجية لدولة الإمارات.

وبينما تتصاعد الحرب الباردة بين التكتل القطري التركي من جهة والتكتل السعودي الإماراتي المصري من جهة أخرى، فإن الشيخ "صباح" وضع الكويت كدولة محايدة على علاقة جيدة مع كلا الكتلتين.

التعامل مع الإسلاميين و(إسرائيل)

تتمتع الجماعة السياسية الكويتية "حدس"، وهي واجهة "الإخوان المسلمين" في الكويت، بعلاقات جيدة مع الحكومة الكويتية منذ عقود.

وبينما تنظر الأنظمة العربية، مثل الإمارات والسعودية وغيرهما، إلى هذه الحركة الإسلامية على أنها منظمة إرهابية، فإن الكويت لا تعتبر "حدس" تهديدًا أمنيًا أو حركة متطرفة.

لم تهدد "حدس" أبداً شرعية عائلة "الصباح"، أو تعارض شراكة الكويت الوثيقة مع الولايات المتحدة أو أي قوة غربية أخرى، كما لم ترتبط بأي عمل إرهابي على الأراضي الكويتية.

وعلاوة على ذلك، فإن معاملة الدولة الكويتية لـ"حدس" كجماعة سياسية شرعية، بما في ذلك منحها الحق في شغل مقاعد في البرلمان، يخدم المصالح الكويتية من خلال تحييد العداء مع فروع "الإخوان المسلمين" الأخرى في العالم العربي.

وفي الوقت الذي يتخلى فيه الآخرون في دول مجلس التعاون الخليجي عن الفلسطينيين لصالح شراكات ضمنية مع (إسرائيل)، ترفض الكويت الانضمام إلى هذا التوجه.

يأتي هذا في ضوء اعتقاد القيادة الكويتية أنه على الدول العربية ألا تتخذ خطوات نحو تطبيع العلاقات مع تل أبيب ما لم تقدم (إسرائيل) تنازلات ملموسة للفلسطينيين عبر مفاوضات مع السلطة الفلسطينية.

وعلى الرغم من المشاكل الجدية في العلاقات الكويتية الفلسطينية الناتجة عن دعم "ياسر عرفات" لـ"صدام حسين" أثناء غزو 1990-1991، فقد رسخت الكويت نفسها كدولة خليجية عربية ملتزمة بعملية السلام.

التعرض للضغوط

في المستقبل القريب، قد تجد الكويت نفسها تحت ضغط من إيران والسعودية والإمارات كرد فعل على الجدل الكويتي المحلي، حيث عبر بعض الكويتيين عن مواقف من قضايا إقليمية لا تلقى استحسان حكومات طهران والرياض وأبوظبي.

ونتيجة لذلك، احتج المسؤولون في دول الخليج المجاورة على حرية التعبير في الكويت، ودعوا السلطات الكويتية إلى إسكات هؤلاء المواطنين.

وهكذا، فحتى لو تبنت الكويت مواقف محايدة من معظم الصراعات في المنطقة العربية، فإن النظام السياسي شبه الديمقراطي في البلاد، والذي منح مواطنيها مزيدًا من الحرية للتعبير عن آرائهم في الشؤون الإقليمية والعالمية، يمكن أن يعقد علاقات الكويت مع جيرانها.

المصدر | خالد الجابر/منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد