على امتداد محور 26 يوليو المروري بالقاهرة، تنتصب لافتات دعائية ضخمة، وقد غطتها صور المرشحين لمجلس الشيوخ المصري، الذي تنعقد انتخاباته في مصر يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين، وتبدأ قبل ذلك بيومين للمصريين بالخارج.

وتبدو الرموز الانتخابية والشعارات السياسية واضحة للعيان، لمن يمر بسيارته على المحور وسواه من طرق رئيسة في القاهرة، وكأنها أنعشت صناعة الدعايات عبر تلك اللافتات التي أُفرغت في الفترة الماضية من إعلانات المأكولات والعقارات والسيارات، بسبب حظر التجول.

تحدثنا إلى الناخبين المصريين على فترات متباعدة وفي مناطق عدة، فاتضح أن بعضهم يشعر بأن صوته لن يحسم شيئا، ويتساءل بعضهم الآخر متى وكيف عاد مجلس نيابي ثان، أما بعضهم فشغلته شؤونه اليومية عن الاهتمام بمثل هذه الانتخابات.

  • شبه محسومة

لم تترشح لثلث المقاعد، الذي يبلغ 100 مقعد خصصها القانون للانتخاب بنظام القوائم المغلقة، إلا قائمة واحدة مؤيدة للحكومة، ولا تحتاج سوى 5% ممن يحق لهم التصويت، ليعلن فوزها، وهو متوقع بقوة.

والانتخاب بنظام القائمة المغلقة يعني أن القائمة التي تحصل على نسبة 51%، من إجمالي الأصوات المشاركة، تفوز بالمقاعد الممنوحة كافة، دون أن تُشاركها في ذلك القوائم الأخرى، حسب نسبة الأصوات التي حصلت عليها، إن كانت هناك قوائم أخرى تتنافس.

أما الثلث الآخر الذي يتنافس فيه المرشحون بنظام الانتخاب الفردي، فلا تبدو أيضا ضراوة في معاركه، إذ أن كل المترشحين ينتمون إلى أحزاب مؤيدة أو مستقلين.

وقررت أحزاب معارضة عدة ونشطاء سياسيون معارضون مقاطعة انتخابات مجلس الشيوخ، اعتراضا على وجود غرفة ثانية للبرلمان المصري من الأساس بصلاحيات محدودة.

بقي إذا 100 مقعد هي الثلث الأخير، سيعينهم فيما بعد رئيس الجمهورية، ليكتمل قوام مجلس الشيوخ المؤلف من 300 عضو.

  • صلاحيات محدودة

وفقًا لقانون مجلس الشيوخ، الذي صدر هذا العام تكملةً لتعديل دستوري، أُقر العام الماضي، وأعاد الغرفة الثانية بالبرلمان المصري من جديد، بعد غياب لنحو 7 سنوات، فإن مجلس الشيوخ يختص بدراسة واقتراح ما يراه كفيلًا بتوطيد دعائم الديمقراطية، ودعم السلام الاجتماعي والمقومات الأساسية للمجتمع، وتعميق النظام الديمقراطي.

ويؤخذ رأي المجلس في تعديل مواد الدستور ومشروعات القوانين التي تحال إليه من رئيس الجمهورية أو مجلس النواب، ومعاهدات الصلح وما يتعلق بحقوق السيادة.

ويرى نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية "عمرو هاشم ربيع"، أنها الصلاحيات الأقل تاريخيا للغرفة الثانية للبرلمان المصري.

كما يقول الباحث السياسي، إن "جميع الدساتير المصرية السابقة أقرت صلاحيات أوسع لمجلس الشيوخ"، مضيفا أن هذا الضعف في الصلاحيات سيجعلها "تجربة فاترة"، وسيؤثر بشكل كبير على نسبة المشاركة في الانتخابات.

ويشير "ربيع"، إلى أن معظم دول العالم هجرت الانتخاب بنظام القوائم المغلقة، لأنه يهدر أصوات الناخبين التي قد تمنح لقوائم أخرى، ويتابع قائلًا "وجود قائمة واحدة في الانتخابات مؤيدة للحكومة هو "تعيين مقنع"، حسب تعبيره.

  • دعم منظومة التشريع

لكن "إيهاب الخولي"، أمين السر باللجنة التشريعية والدستورية بمجلس النواب المصري، التي صاغت قانون مجلس الشيوخ، يؤكد ضرورة وجود غرفة ثانية للبرلمان المصري لإنهاء مشكلات التشريع التي تكررت في الفترة الأخيرة.

ويقول "الخولي"، إن هناك مشكلات في الأثر التشريعي لبعض القوانين التي يصدرها مجلس النواب، وهي التي تتعلق بتأثير القانون على المدى البعيد، وتحتاج إلى مجلس معاون يقوم بالدراسة المتأنية لمشروعات القوانين.

ويضيف عضو مجلس النواب المصري، أن من بين ذلك القوانين المكملة للدستور التي تتناول الحقوق والحريات، والمعاهدات الدولية وما يتعلق بحقوق السيادة، وقوانين الهيئات المستقلة والنقابات، متابعا أن ذلك يتفق مع الأعراف الدستورية في العالم التي تعرف النظامين في العمل البرلماني، الغرفة الواحدة والغرفتان.

ويدافع "الخولي"، عن اتساع نسبة المعينين في المجلس، قائلا إن "الكثير من المصريين أصحاب الخبرات والدرجات العلمية في المجالات المختلفة قد لا يتمكنون من إدارة ترشحهم في الانتخابات للفوز بالمقاعد، لكن التعيين سيمنحهم الفرصة للمشاركة في الحياة النيابية".

وكان رأي مجلس الدولة، وهو هيئة قضائية مستقلة في مصر، إلزاميا في مشروعات القوانين قبل أن يقرها مجلس النواب، لمزيد من المراجعة والتدقيق، لكن بعد التعديلات الدستورية في 2019 أصبحت إحالة القوانين لمجلس الدولة أمر يقرره مجلس النواب.

ويقول متابعون، إن مجلس الشيوخ استدعي ليحل محل مجلس الدولة في الدراسة المتأنية لمشروعات القوانين.

  • بلا ضجيج

يعزو مراقبون هذا الهدوء في الشارع السياسي إلى انشغال الناخب المصري بتداعيات وباء كورونا وتأثيره على الأحوال المعيشية والاقتصادية، فبعد نحو ثلاثة أشهر تقريبا من الإغلاق الجزئي تتدرج الحكومة المصرية في فتح الحياة العامة مرة أخرى، بعد خسائر اقتصادية كبيرة.

بالطبع، ألقى هذا الركود بظلاله الصعبة على الناخب المصري، إذ فقد كثيرون وظائفهم أو على الأقل جزءا من الراتب، بالإضافة إلى التأثير على الحياة الاجتماعية.

يقول "أحمد"، بائع التين الشوكي، وهي ثمرة موسمية معروفة في مصر باسم فاكهة الفقراء لثمنها البسيط وتراجعت مبيعاتها هذا الصيف بسبب خوف المصريين من عدوى "كورونا"، إنه لا يعرف أيا من المرشحين الذين يرى صورهم في الدعايات الانتخابية.

ويري كثيرون أن أسباب عدم الاكتراث بالانتخابات تعود إلى المنافسة شبه المحسومة والصلاحيات المحدودة للغرفة الثانية بالبرلمان المصري.

يضيف "عبده"، وهو زبون يشتري التين الشوكي من "أحمد"، أنه لا يعير الانتخابات أي اهتمام وأن همه الشاغل هو عمله بالمقهى الذي تأثر بشدة بسبب إغلاقه لفترة طويلة.

ويمر "كريم"، بجوارنا ويسمع ما يقوله "عبده"، ثم يقاطعه قائلا: "الانتخابات مهمة لأننا نختار من يمثلنا".

  • "كورونا" يلقي بظلاله

وحظرت الهيئة الوطنية للانتخابات، وهي الجهة القضائية المشرفة على جميع الانتخابات في مصر، إقامة المؤتمرات الانتخابية أو أي تجمعات للدعاية للمرشحين بسبب تفشي وباء "كورونا".

وأخبرنا المتحدث باسم القائمة الوحيدة المترشحة للمجلس حينما كنا نسأله عن مواعيد المؤتمرات الانتخابية التي قد يعقدونها، بأن القائمة لا تقوم بأي دعاية عبر التجمعات، لكن مقاطع مصورة عدة تكشف عن مؤتمرات دعائية في القرى لمرشحين عن أحزاب بالقائمة، وإن كانت نادرة بالمقارنة بأي انتخابات سابقة في مصر.

وأعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات، إلزام الناخبين بارتداء الكمامات، وفرض مسافات آمنة بينهم أمام مراكز الاقتراع، فضلا عن تعقيم المقار الانتخابية قبل بدء التصويت بيوم واحد.

ووفقا للهيئة الوطنية للانتخابات، فإن انتخابات مجلس الشيوخ تنعقد للمصريين بالخارج لمدة يومين هما الأحد والاثنين عبر البريد والإنترنت، في 141 بعثة دبلوماسية مصرية في 124 دولة حول العالم بعد إتاحة بطاقات الاقتراع على موقع الهيئة بدلا من الذهاب لمقار السفارات والقنصليات المصرية، كما جرت العادة في انتخابات سابقة.

وتجرى الانتخابات في مصر في 4 دوائر لنظام الانتخاب بالقوائم المغلقة، و27 دائرة مقسمة على المحافظات المصرية لنظام الانتخاب الفردي، وتوزع أعداد المقاعد بينهم بحسب الكثافة السكانية في كل دائرة.

ويقول متابعون إن ذلك قد يلقي بظلاله على المشاركة السياسية، إذ أن الدوائر الكبيرة قد لا تعطي الفرصة للمرشحين في الوصول إلى كل قواعدهم الانتخابية وإقناع المواطنين بمنحهم أصواتهم للحصول على عضوية مجلس الشيوخ.

وستُعلن نتائج الجولة الأولى لانتخابات المجلس الذي عرف من قبل بمجلس الشورى يوم 19 أغسطس/آب المقبل، بينما ستكون الجولة الثانية للانتخابات في سبتمبر/أيلول على أن تعلن النتائج النهائية في موعد لا يتجاوز 16 من الشهر نفسه.

المصدر | بي بي سي