الأحد 16 أغسطس 2020 09:05 ص

لم يكن الإعلان عن توسط إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" في اتفاق بين الإمارات و(إسرائيل)، في 13 أغسطس/آب، مفاجئا كما قد يبدو للوهلة الأولى.

ربما لم يكن الاتفاق متوقعا في هذا الوقت، ولكن كان هناك دليل واضح على زيادة العلاقات بين (إسرائيل) وعدد من دول الخليج العربي، علنا ومن وراء الكواليس.

وكانت نقطة التحول الرئيسية هي مناشدة سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة "يوسف العتيبة"، مباشرة لـ(إسرائيل) والإسرائيليين، باللغتين العبرية والإنجليزية، بعدم المضي قدما في عمليات الضم المخطط لها، قائلا إن هذه الخطوة ستضعف بشدة عملية تحسين العلاقات.

ومهما حدث خلف الكواليس، كانت النتيجة هي هذا الاتفاق الدراماتيكي الذي علقت فيه (إسرائيل) الضم في مقابل عملية تهدف إلى التطبيع الكامل للعلاقات مع الإمارات.

وستبدأ هذه العملية بسلسلة من الاتفاقات، من المحتمل أن تشمل مجالات التعاون العملي. ولكن قد يكون افتتاح سفارة إماراتية في تل أبيب بعيد المنال.

لكن لماذا الآن، وما الفائدة من ذلك للبلدان الثلاثة؟

تتراوح الإجابات بين سياسية ودبلوماسية واستراتيجية، لكن ليس من الصعب استخلاص سبب شعور الثلاثة أن هذه هي اللحظة المناسبة لفعل شيء أرادوا القيام به لأسبابهم الخاصة.

ويمكن القول إن أهم جانب في التوقيت يتعلق بحملة إعادة انتخاب "ترامب". ورحب كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" وحكومة الإمارات بفوز "ترامب" عام 2016، وسعدا بشكل عام بمسار العلاقات منذ ذلك الحين.

ويعد "نتنياهو" حليفا شخصيا لـ"ترامب"، وصهره "جاريد كوشنر" الذي يعتبر سمسار الصفقة. وحافظت الإمارات أيضا على علاقات قوية مع الإدارة و"كوشنر"، ومن المفترض أن كلاهما كان يميل لمساعدة "ترامب" في تحقيق انتصار كبير في السياسة الخارجية.

وبالنسبة للإمارات، هناك أيضا ضرورة لإصلاح سمعتها التي تضررت إلى حد ما في واشنطن. وتضررت سمعة البلاد بشكل أساسي بسبب مشاركتها في الحرب في اليمن، بالرغم من أن عمليات مكافحة الإرهاب في جنوب اليمن قد تم استبعادها من كل مشروع قانون رئيسي للكونجرس يقيد المساعدات الأمريكية بشأن أطراف الحرب نفسها.

بالإضافة إلى ذلك، أدى الارتباط القوي لدولة الإمارات بإدارة "ترامب" والسعودية، التي كانت هي نفسها هدفا متكررا لانتقادات الكونجرس، إلى توتر العلاقات مع أوساط معينة في واشنطن.

وتفكر الإمارات بالتأكيد في اهتماماتها فيما يتعلق بالتقاطع بين التكنولوجيا والأمن والتجارة. وتُعتبر الإمارات لاعبا مهما في مجال التكنولوجيا الفائقة في الشرق الأوسط، وتنظر إلى (إسرائيل) كشريك منطقي في تطوير تلك الصناعات والقدرات.

على وجه الخصوص، تهتم الإمارات بالأمن السيبراني والمراقبة والتقنيات العسكرية الإسرائيلية وإمكانية الشراكة مع شركات التكنولوجيا الإسرائيلية في تطوير هذه الأنظمة.

بالإضافة إلى ذلك، لا شك أن الاتفاقية تهدف إلى مساعدة الإمارات في التغلب على الاعتراضات القائمة منذ فترة طويلة لبيع ونقل أعلى مستويات الأسلحة الأمريكية، مثل طائرة "إف-35"، وذلك بناء على التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لـ(إسرائيل).

ونظرا لأن القرار الدراماتيكي للإمارات سيفيد محاولة إعادة انتخاب "ترامب"، فإن الحكومة الإماراتية تخاطر بالتدخل في سياق السياسة الداخلية للولايات المتحدة.

ومع ذلك، رحبت حملة "جو بايدن" ومعظم الأعضاء الديمقراطيين البارزين في الكونجرس بالاتفاق، وهذا مؤشر قوي على أن التيار الديمقراطي السائد لا يزال مؤيدا لـ(إسرائيل) بشكل فعال.

علاوة على ذلك، لا تحتاج حملة "بايدن" والمرشحين الديمقراطيين في جميع أنحاء البلاد إلى القلق كثيرا بشأن ردود فعل الناخبين على هذه الاتفاقية، لأن قلة قليلة من الأمريكيين يصوتون وفق قضايا السياسة الخارجية، ما لم تكن هناك حرب كبيرة أو تهديد إرهابي كبير قريب.

وسترحب كل من الإدارة ومعظم الديمقراطيين بتطوير علاقات أوثق بين حليفين رئيسيين للولايات المتحدة في المواجهة مع إيران.

ولطالما كان ينظر للتحالف المناهض لإيران، أنه على الرغم من كونه أكبر وأقوى من الناحية النظرية، إلا أن أعضاءه مبعثرون وفي كثير من الأحيان على خلاف. في حين أن تحالف طهران، بما في ذلك النظام السوري و"حزب الله" والميليشيات الموالية لإيران في العراق و"الحوثيين" في اليمن، منظمون ومنضبطون وموحدون نسبيا.

لكن ماذا عن (إسرائيل) والإمارات؟ يفكر "نتنياهو" في الدعوة إلى الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية الرابعة في غضون عامين، وقد تمسّك بإصرار بالمنصب بالرغم من فشله في تقويض الاتهامات الجنائية الخطيرة بحقه.

ويعطي الاتفاق هذا حجة أخرى للناخبين الإسرائيليين بأن "نتنياهو" قادر على التعامل مع كل من العرب والأمريكيين على حد سواء، واللعب على مستوى دولي وإقليمي مختلف عن أي من منافسيه. ويمكنه الادعاء الآن أنه صاحب إنجاز كبير لـ(إسرائيل).

ومن المؤكد أن "ترامب" يفعل ذلك، وكذلك "محمد بن زايد"، ولي عهد أبوظبي والحاكم الفعلي للإمارات.

وأصبحت الإمارات رابع دولة عربية فقط تلتزم بالتطبيع الكامل للعلاقات مع (إسرائيل)، بعد مصر والأردن وموريتانيا. لكن مصر والأردن كانت لهما مصالح أمنية إقليمية وفورية على المحك، وموريتانيا بعيدة نسبيا.

وبالنسبة لـ(إسرائيل)، يعتبر هذا الاختراق الدبلوماسي هائلا، لأنه يكسر الإجماع على مبادرة السلام العربية التي قدمتها السعودية عام 2002 وتبنتها بالإجماع جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.

وتعد المبادرة العربية بتطبيع كامل للعلاقات مع (إسرائيل)، ولكن فقط بعد إبرام اتفاقية سلام يستند على أساس حل الدولتين.

وفي هذه الحالة لم يحدث ذلك فحسب، بل على العكس من ذلك، كانت (إسرائيل) تفكر في الضم الذي من شأنه أن يبطل حل الدولتين بشكل دائم.

وفي غضون ذلك، زعمت الإمارات أنه من خلال استخدام وعد التطبيع الدبلوماسي للضغط على (إسرائيل) للتخلي عن الضم، فقد أنقذت احتمالية قيام الدولة الفلسطينية، وبالتالي، مبادرة السلام العربية.

وسيقبل قلة من الفلسطينيين هذه الحجة، وقد وصف الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" الاتفاقية بأنها "خيانة" وطالب بإلغائها.

لكن قد يكون لدى الإمارات حجة أكثر منطقية بأن الفلسطينيين سيستفيدون من موافقتها على تطبيع العلاقات مع (إسرائيل) مقارنة بمصر عندما أبرمت أول معاهدة سلام عربية مع الإسرائيليين.

ويمكن القول إنها أنقذت الفلسطينيين من خسارة المزيد، على الأقل في الوقت الحالي، وهو ادعاء لا يمكن أن تقدمه مصر أو الأردن أو موريتانيا.

ويبدو أن "نتنياهو" كان يبحث عن عذر لعدم المضي قدما في الضم (الذي وعد به أنصاره اليمينيين) وتوفر هذه الاتفاقية هذه الفرصة لـ"نتنياهو".

ويمكن لدولة الإمارات أن تدعي أن تواصلها مع (إسرائيل)، بدءا من نداء "العتيبة"، فتح حوارا لم يمنح "نتنياهو" طريقة لتعليق الضم فحسب، بل أعطى له أيضا حافزا حقيقيا لعدم المضي قدما في الضم في المستقبل. لكن العديد من الفلسطينيين يرون أن تكلفة كسر الإجماع على مبادرة السلام العربية باهظة بالنسبة لهم.

ومع ذلك، فإن العامل الأكثر أهمية هو بالتأكيد تصور التهديد الإقليمي المشترك بين (إسرائيل) والإمارات بالنسبة لإيران، جنبا إلى جنب مع التحدي الناشئ الذي تفرضه تركيا.

وتشعر (إسرائيل) والإمارات بالقلق من أن تتطور تركيا إلى قوة إقليمية مهيمنة تحاول الاستفادة من الإسلاموية السنية بطريقة مماثلة للطريقة التي تنشر بها إيران الإسلام الشيعي كمبدأ أيديولوجي موحد. وبينما يبدو أن مصر تشاركهما هذا القلق، تظل السعودية ودول أخرى تركز بشكل كبير على إيران.

ولدى الولايات المتحدة والإمارات و(إسرائيل) أسباب كثيرة للترحيب بهذا الاتفاق. فقد حقق "ترامب" نجاحا في السياسة الخارجية في الشرق الأوسط، وجمعت الولايات المتحدة حليفين رئيسيين معا. ويمكن لـ"نتنياهو" ادعاء تحقيق نجاحه الخاص في السياسة الخارجية؛ حيث كسرت (إسرائيل) الإجماع العربي على مبادرة السلام العربية، وأضعفت اليد الدبلوماسية الفلسطينية، وخرج هو نفسه من معضلة الضم.

فيما تكسب الإمارات حليفا جديدا مهما ضد إيران ووكلائها، وكذلك تركيا وشبكتها، وتتخذ خطوة كبيرة محتملة نحو استعادة سمعتها في واشنطن، بينما تساعد في الوقت نفسه "ترامب" المحاصر.

بالنسبة إلى الثلاثة، يبدو وكأنهم فائزين جميعا.

المصدر | حسين آيبش - معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد