الأسبوع الماضي، كشفت أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن روسيا تأمل في أن يفوز الرئيس "دونالد ترامب" أمام نائب الرئيس السابق "جو بايدن" في الانتخابات العامة المقبلة، بينما ترغب كل من الصين وإيران في نتيجة معاكسة؛ حيث وصف مسؤولو بكين الرئيس الحالي بأنه "لا يمكن التنبؤ به".

لكن كما قالت رئيسة مجلس النواب "نانسي بيلوسي"، فإن الجانبين، روسيا من طرف، والصين وإيران من طرف آخر، "ليسا متناظرين"؛ نظرا لأن مسؤولي الحكومة الروسية يفعلون أكثر بكثير من مجرد الرغبة في فوز "ترامب" بإعادة انتخابه.

وبدلا من ذلك، "يستخدم الروس مجموعة من الإجراءات" لـ"تقويض" ترشيح "بايدن" والحزب الديمقراطي، و"يشاركون بنشاط في جهود تذكرنا بمحاولات الكرملين للتأثير على نتيجة انتخابات عام 2016"، وفقا لبيان صادر عن مسؤول استخباراتي أمريكي كبير.

باختصار، تتدخل موسكو في الانتخابات؛ لأن "ترامب" عزز مصالحها الاستراتيجية، وتحديدا بالطريقة التي أضعف بها التحالفات التقليدية لبلاده، لا سيما في أوروبا، بينما زرع الفوضى والانقسام داخل الولايات المتحدة نفسها.

ومن وجهة نظر الكرملين، ستلغي رئاسة "بايدن" كل ما حققته روسيا خلال الأعوام الـ4 الماضية، بما في ذلك وقف دفع المكافآت لطالبان مقابل قتل جنود أمريكيين.

ورغم أنه من الواضح أنها غائبة عن المناقشات المتعلقة بالتدخل الأجنبي والدوافع الخاصة بالجهات الفاعلة المعنية، فإن أقرب شركاء الولايات المتحدة في الخليج العربي، السعودية والإمارات، سيخسر كلاهما الكثير من المكانة والنفوذ في واشنطن أكثر من أي طرف آخر تحت رئاسة "بايدن".

ومن المهم الإشارة إلى حقيقة أن السعودية والإمارات انتهكتا قوانين تمويل الحملات الأمريكية من خلال تحويل ملايين الدولارات بشكل غير قانوني وسري إلى حملة "ترامب" عام 2016.

وقال مدير مبادرة شفافية التأثير الأجنبي في المركز غير الحزبي للسياسة الدولية "بن فريمان"، لصحيفة "نيويورك تايمز": "تعد الإمارات رمزا لصناعة النفوذ الأجنبي ككل، لكنها نفذت هذا أيضا بشكل جيد واستثنائي. وهذا مثال على مدى استعدادهم للذهاب لإنجاز المهمة. فقد انتهك زعيم حليف مزعوم للولايات المتحدة بشكل مباشر قوانين تمويل الحملات الأمريكية لتحويل الأموال إلى سياسيينا، هذا جنوني بالنسبة لي".

وتم توثيق نفوذ السعودية الضخم بين المشرعين ونخب السياسة في الولايات المتحدة، لا سيما تمويلها للمراكز البحثية في واشنطن، وجيشها من جماعات الضغط المدفوعة.

لكن علاقة النظام الملكي الوثيقة غير المريحة مع "ترامب" وصهره "جاريد كوشنر" منحت فعليا ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" حق النقض "الفيتو" على قرارات السياسة الخارجية الأمريكية.

وبعد أن تم تأكيد أمر "محمد بن سلمان" بقتل الصحفي في واشنطن بوست "جمال خاشقجي"، لم ترفض إدارة "ترامب" إدانته أو معاقبته فحسب، بل سمحت أيضا لـ"كوشنر" بإجراء محادثات غير رسمية مع الحاكم السعودي الفعلي، وتقديم المشورة إليه بشأن أفضل السبل للتعامل مع رد الفعل العنيف ضده في مجتمع العلاقات العامة الأمريكي.

وشكلت مشاركة إدارة "ترامب" المخزية والوقحة في التستر على مقتل "خاشقجي" الطريقة التي منحت بها كل من الرياض وأبوظبي الغطاء لمتابعة مصالحهما الاستراتيجية في الشرق الأوسط دون قيود، حتى عندما تعارضت سياساتهما وأفعالهما مع المصالح الاستراتيجية والقومية للولايات المتحدة.

وعندما أرادت الرياض وأبوظبي أسلحة، أغرقتهما إدارة "ترامب" بصفقات أسلحة حطمت فيها الأرقام القياسية. وعندما طالبتا بإلغاء اتفاق نزع السلاح النووي الإيراني، أضرت إدارة "ترامب" بسمعة الولايات المتحدة بالتخلي عن التزاماتها الموقعة في الاتفاقية السداسية، المعروفة باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة".

وعندما أقر الكونجرس الأمريكي مشروع قانون من الحزبين، وهو أمر نادر الحدوث في واشنطن، لإنهاء تورط الولايات المتحدة في الحرب التي تقودها السعودية في اليمن، استخدم "ترامب" حق النقض ضده.

وعلى ما يبدو، كان الشرط الوحيد الذي وضعه "ترامب" في علاقاته مع السعودية والإمارات هو أن يوفر كلاهما لـ(إسرائيل) موافقة ضمنية وأحيانا مباشرة لفعل ما تشاء في الأراضي الفلسطينية.

ويؤكد وجود "بايدن" والفصيل المتنامي المناهض للسعودية داخل الحزب الديمقراطي، حدوث تحول 180 درجة تقريبا في العلاقات الأمريكية الخليجية، بما في ذلك إنهاء التدخل العسكري الأمريكي في اليمن، والعودة إلى الاتفاق الإيراني، وإعادة الالتزام بالديموقراطية وحقوق الإنسان، وكلاهما بمثابة لعنة للحكام العرب الذين ما زالوا يعانون من صدمة احتجاجات الربيع العربي.

وتتعهد مسودة برنامج الحزب الديمقراطي لعام 2020 بدعم جهود "التحديث" السياسي والاقتصادي في المنطقة، لكنها تنص على "عدم وجود مصلحة في استمرار الانغماس بدعم الدوافع الاستبدادية، والمنافسات الداخلية، والحروب الكارثية بالوكالة، أو جهود دحر الانفتاح السياسي عبر المنطقة ".

وإذا كان "بيرني ساندرز" يمثل روح وحساسية الناخبين الأصغر سنا والأكثر تقدمية والمشرعين الديمقراطيين الأكثر عدوانية تجاه الأنظمة الخليجية، فإن حكام الخليج العربي لديهم المزيد من القلق بشأنه؛ نظرا لأن "بايدن" وصف الحكام السعوديين بأنهم "بلطجية وقتلة".

ومما يثير القلق أيضا استطلاعات الرأي التي تظهر أن الغالبية العظمى من الأمريكيين لديهم وجهة نظر غير مواتية للحكومة السعودية؛ حيث ينظر 22% منهم فقط إلى المملكة على أنها حليف.

وهذه هي الرياح السياسية التي ستفجر أشرعة رئاسة "بايدن" والأغلبية الديمقراطية في الكونجرس أو مجلس الشيوخ أو كليهما.

على هذا النحو، فإن فوز "بايدن" والحزب الديمقراطي الكاسح ستقرأه كل من الرياض وأبوظبي على أنه لا شيء أقل من تهديد وجودي؛ وبالتالي من المرجح أن تستخدم كل حكومة أي إجراء في حدود إمكانياتها للتأثير على نتيجة الانتخابات.

مثال على ذلك، أعلنت الإمارات في 13 أغسطس/آب أنها وافقت على "تطبيع" العلاقات بينها وبين (إسرائيل) مقابل تعليق (إسرائيل) خطتها لضم الضفة الغربية، وهي حيلة دعائية جبانة تهدف فقط إلى خلق وهم أن "ترامب" حقق انتصارا "تاريخيا" في السياسة الخارجية، مع توفير غطاء دبلوماسي للحكام الإماراتيين، أو بالأحرى تأمينا، في حالة وصول إدارة "بايدن" الصديقة لـ(إسرائيل) إلى البيت الأبيض.

ومع استعداد الحملة الانتخابية لـ"ترامب" للمرحلة النهائية، ومع تأخر الرئيس الحالي بما يقرب من رقمين في استطلاعات الرأي، من المرجح أن تكون هذه الإجراءات أكثر زخما مما كانت عليه في عام 2016، عندما تدخلت روسيا والسعودية والإمارات في الانتخابات لمساعدة "ترامب".

المصدر | سي جيه وورلمان / إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد