السبت 29 أغسطس 2020 12:30 م

في 13 أغسطس/آب، تم الإعلان عن اتفاق لتطبيع العلاقات بشكل كامل بين (إسرائيل) والإمارات، وكانت ردود الفعل الدولية على هذا الاتفاق شديدة الاستقطاب، لكن الخصمين الاستراتيجيين الرئيسيين للولايات المتحدة؛ روسيا والصين، استجابا للإعلان بحذر.

لم تؤيد وزارة الخارجية الروسية الاتفاق، وبدلا من ذلك أصدرت بيانا أكدت فيه أن استقرار الشرق الأوسط مرهون بحل القضية الفلسطينية، كما لم يرد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية "تشاو ليجيان" صراحةً على سؤال طرح عليه حول التطبيع بين (إسرائيل) والإمارات، بل أكد دعم الصين الثابت لحق الفلسطينيين في تقرير المصير.

تعكس ردود روسيا والصين الحذرة التزامهما بموازنة العلاقات المهمة مع جميع القوى الإقليمية الكبرى، بينما تكشف أيضا عن حالة تردد لديهما بشأن تداعيات اتفاقيات التطبيع الإماراتي الإسرائيلي.

تعتبر روسيا التطبيع فرصة لتعزيز مكانتها الإقليمية، لكنها قلقة من تداعيات الصفقة على التوازن العسكري ضد إيران، وبالرغم من ترحيب الصين بالتنسيق الإسرائيلي الإماراتي ضد تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، إلا أن بكين غير متأكدة من تأثير اتفاق التطبيع على الاستقرار وانعكاساته المحتملة على المصالح الاقتصادية الصينية في الشرق الأوسط.

  • الرد الروسي

رغم أن مؤيدي الاتفاق يشيدون به باعتباره انتصارا للدبلوماسية الأمريكية، إلا أن روسيا ترى فرصا جيوسياسية تنبثق من الاتفاق ذاته.

وقد جادل السفير الروسي السابق لدى السعودية "أندريه باكلانوف" بأن التطبيع سيعزز الصادرات الروسية إلى كلا البلدين، وأكد أن الاتفاق كان انتصارا جزئيا للدبلوماسية الروسية؛ حيث استضافت موسكو أول قمة حوار بين (إسرائيل) والخليج في يناير/كانون الثاني 1992.

منذ اتفاق التطبيع، اتخذت روسيا خطوات لتعزيز مكانتها الدبلوماسية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتعهد وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" في 21 أغسطس/آب بعقد قمة للحوار الفلسطيني الفلسطيني بمجرد انحسار "كورونا".

وفي 24 أغسطس/آب، تحدث الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" مع رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" حول عملية السلام.

ولهذا، إذا لم تتمكن الولايات المتحدة من تصوير نفسها كوسيط نزيه في المفاوضات بين (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية يمكن لروسيا أن تكرر عرضها بقيادة محادثات اللجنة الرباعية لعملية السلام في الشرق الأوسط التي تدعمها الأمم المتحدة.

ورغم الفرص الاقتصادية والدبلوماسية التي يمكن أن تجنيها روسيا من الاتفاق، فإن الكرملين ينظر إلى وجود محور متشدد (إسرائيل والإمارات) ضد إيران بقلق كبير.

رحبت روسيا بالوتيرة المتزايدة للحوار الإماراتي الإيراني خلال العام الماضي، وروجت لخطتها الأمنية في الخليج لدى المسؤولين الإماراتيين.

وذكر مقال نُشر في 17 أغسطس/آب في صحيفة "نيزافيسيمايا جازيتا"، وهي إحدى الصحف الرائدة في موسكو، أن الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي سيمنع أبوظبي من العمل كوسيط بين السعودية وإيران، وتوقع أن تؤدي صفقة التطبيع إلى "فتور حاد" للعلاقات الإماراتية الإيرانية.

وإذا شرعت الولايات المتحدة في بيع طائرات "F-35" إلى الإمارات، وعرضت على (إسرائيل) أسلحة متطورة للحفاظ على تفوقها العسكري النوعي، فمن المرجح أن تضغط إيران على روسيا لبيعها أنظمة دفاعية مثل "S-400".

وإذا رفضت موسكو طلب طهران بسبب استراتيجية روسيا للتوازن الإقليمي، فقد يهدد ذلك العلاقات الروسية الإيرانية التي تعززت بسبب دعم موسكو لرفع حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة.

  • رد الفعل الصيني

ويعتبر موقف الصين تجاه التطبيع بين (إسرائيل) والإمارات غامضا أيضًا. فمن ناحية، ترحب الصين بإمكانية تعزيز التعاون العسكري الإسرائيلي الإماراتي ضد تركيا في شرق البحر المتوسط؛ حيث تعتبر بكين أن أنقرة قوة مزعزعة للاستقرار في المنطقة.

فقد أعرب خبراء صينيون بارزون، مثل "تشو تشيكيانج" من جامعة شنغهاي الدولية للدراسات، عن مخاوفهم بشأن التأثير المزعزع للاستقرار لاتفاقية الأمن البحري التي أبرمتها تركيا مع حكومة الوفاق الليبية في نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

ورغم أن الصين تحاكي تركيا في دعم حكومة "الوفاق الوطني" المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، فإن بعض الخبراء الصينيين ينظرون إلى التدخل العسكري لأنقرة بقلق، ويعتبرونه تصعيدًا لمنافستها الجيوسياسية مع السعودية.

ونظرا لأن الهدف النهائي للصين هو الحفاظ على توازن القوى في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، فإنها ترحب بتعزيز المحور الإسرائيلي الإماراتي كرادع ضد التوسع التركي المحتمل.

لكن، على الرغم من دعم الصين الضمني للتنسيق الإسرائيلي الإماراتي ضد طموحات تركيا الإقليمية، يشكك بعض الخبراء الصينيين في أن تؤدي الصفقة إلى استقرار إقليمي.

وقد جادل الخبير في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية "ليو تشونج مين" بأن الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي يمكن أن يزيد من حدة الانقسامات في العالم العربي وربما يؤدي إلى أن تصبح حماس "أكثر تطرفاً"، وفق وصفه.

كما رأى عميد الأكاديمية الصينية للدراسات العربية في جامعة نينغشيا "لي شاوشيان" أن الصفقة لن تأتي بعهد جديد من السلام في الشرق الأوسط، متوقعا أن تستأنف (إسرائيل) في النهاية ضم الضفة الغربية.

ونظرًا لأن توسيع مبادرة "الحزام والطريق" الصينية في الشرق الأوسط يعتمد على الاستقرار الإقليمي، تشعر بكين بالقلق من الاستقطاب الناتج عن الاتفاقية.

إلى جانب آثار الاتفاقية المحتملة في زعزعة الاستقرار، يشعر المسؤولون الصينيون بالقلق من قدرتها على مزاحمة الفرص التجارية.

فقد شهدت العلاقة بين شركة موانئ دبي العالمية والصين منافسة شديدة، وهو ما انعكس في نزاعهما عام 2019 حول جيبوتي، وقد يؤدي تزامن هذه الصفقة مع طموحات بناء ميناء صيني في حيفا إلى زيادة حدة هذا التنافس.

علاوة على ذلك، فإن إعادة تأكيد النفوذ الدبلوماسي الأمريكي في الخليج الناتج عن هذه الصفقة قد يدفع واشنطن إلى الضغط على كل من (إسرائيل) والإمارات بشأن علاقاتهما التجارية مع الصين.

ففي نفس اليوم الذي تم فيه الإعلان عن اتفاقية التطبيع، أعلن المسؤولون الأمريكيون أيضًا أنهم على وشك إبرام صفقة لاستبعاد الصين من شبكات الجيل الخامس الإسرائيلية، ويعني ذلك أن التقدم في هذا الاتجاه ينذر بالخطر لبكين.

على الرغم من رد فعل روسيا والصين الحذر على اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، وتقليل وسائل الإعلام الموالية للحكومة في كل منهما من أهمية الصفقة باعتبارها حيلة انتخابية من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، إلا أن هناك فرصًا للفوز والخسارة من التطبيع بين (إسرائيل) والإمارات.

وإذا أدت هذه الصفقة إلى نقل طائرات "F-35" إلى الإمارات أو إلى اتباع المزيد من الدول العربية لخطى الإمارات، فستواصل روسيا والصين تقييم الفرص والتحديات الناشئة عن هذه الاتفاقية في الأشهر المقبلة.

المصدر | سامويل راماني - ميدل إيست إنستيتيوت / ترجمة وتحرير الخليج الجديد